تناقش هذه الورقة البحثية التغيرات والتطورات التي طرأت على البيئة المحلية والإقليمية والدولية بعد احتلال العراق عام2003، وتداعيات ذلك على الوضع العراقي، كما تناقش تطورات ومستقبل التواجد الأمريكي في العراق بعد عام2014، والاستراتيجية العسكرية التي انتهجتها أدارة “أوباما” في مواجهة تمدد تنظيم الدولة، ثم مجيء إدارة الرئيس “دونالد ترامب” الذي أنتهج سياسية خارجية متقلبة وارتجالية بعيداً عن مؤسسات الدولة الرسمية، مما أثر ذلك بشكل كبير على استراتيجية تواجد القوات العسكرية الأمريكية ومكانتها في المنطقة، خصوصاً بعد أن انسحب من الكثير من البلدان وفاءً بوعوده الانتخابية، كما تناقش هذه الورقة التوصيات التي قدمتها مؤسسة “راند” الأمريكية حول خيارات الانسحاب الأمريكي من العراق، وما هي ملامح الاستراتيجية العسكرية لإدارة الرئيس القادم للبيت الأبيض “جون بايدن”، وتأثير ذلك على مستقبل القوات العسكرية الأمريكية في العراق والمنطقة، وهل سيكون للتفاهمات الامريكية- الايرانية تأثير مباشر على بقاء القوات في العراق؟، وكيف ستواجه ادارة “بايدن” التهديدات والتحديات الداخلية والخارجية، وخاصة التي طالت السفارة الأمريكية في بغداد، وما هي اسباب بقاء القوات الأمريكية في العراق، وتداعيات الانسحاب الأمريكي على مصالح الأمن القومي الأمريكي، رغم التخفيض الكبير لقواتها العسكرية، وحصر تواجدها العسكري وانتشارها في قاعدتين فقط، وما هو تأثير ذلك على المصالح الحيوية لواشنطن، والتي أصبحت مهددة بصورة مباشرة من قبل ايران ووكلائها في العراق والمنطقة

المقدمة:
لا شك بأن مستقبل التواجد العسكري الأمريكي في العراق يعتبر من القضايا الجدلية، والتي تلقى اهتماماً كثيراً من قبل المتابعين والخبراء الاستراتيجيين، خصوصاً بعد تصاعد التوتر مع الميليشيات الولائية المسلحة التابعة لإيران، والتي تطالب بخروج القوات العسكرية الأمريكية من العراق تنفيذاً لأوامر صادرة من ايران، وهنا لا بد لنا أن نعود الى السياق التاريخي للتواجد العسكري الأمريكي بدأً من احتلال العراق عام2003، والذي أدى الى تدمير القوات العسكرية العراقية التي كانت الركيزة الاساسية للأمن القومي العربي، والتي طالما شكلت سداً منيعاً، ورادعاً قوياً أمام المخططات التوسعية التي تحاك للمنطقة، حيث شكل احتلال العراق فرصة ثمينة لن تتكرر لأعداء العراق، وخاصة اسرائيل التي كانت ترى في القوات العراقية تهديد مباشر لأمنها القومي الوجودي، وكذلك ايران التي تشترك معها في نفس الرؤية التي تقول بأن وجود القوات العسكرية العراقية يشكل عقبة كبيرة أمام مخططاتها التوسعية للمنطقة، والتي وقفت حجرة عثرة أمام تمددها طوال الفترة الماضية، حيث خاضت معها حرباً ضروسً استمرت من عام1980، ولغاية عام1988، والتي انتهت دون تصدير الثورة الإيرانية لدول الجوار، وانهيار كامل للقوات الايرانية بعد أن تلاشت أحلام الملالي في طهران باحتلال العراق، ولكن المتغيرات التي طرأت على الساحة العراقية المحلية وكذلك الساحة الإقليمية والدولية في المنطقة بعد احتلال العراق أعادت الاحلام التوسعية الايرانية مرة أخرى، خصوصاً بعد أن نصبت واشنطن نظام حاكم في العراق تابع وموالي لإيران، وبعد أن فشلت في اقامة نظام ديمقراطي طالما بشرت به قبل وبعد الاحتلال، حتى تحول العراق الى دولة فاشلة وضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها.

تداعيات الانسحاب الأمريكي من العراق عام2011:
لقد أتاح الانسحاب الامريكي من العراق عام2011، فرصة كبيرة لإيران، وللتنظيمات الإرهابية، والميليشيات المسلحة كي تقوم بإعادة تنظيمها بقوة وشراسة غير مسبوقة، الأمر الذي مكنها عام2014، من السيطرة على الكثير من المدن والحواضر السنية في العراق وسوريا، بعد أن حكومة بغداد وواشنطن في بناء قوات عسكرية مهنية وحرفية قادرة على الدفاع عن العراق، حيث انهارت القوات الحكومية العراقية التي لم تكن بجهازية عسكرية متكاملة تمكنها من مواجهة التحديات والتهديدات الأمنية المحدقة بالعراق، وخاصةً التهديدات الأمنية الداخلية التي تتمثل بعودة التنظيمات كتنظيم الدولة، وتنظيم القاعدة، وكذلك الميليشيات المسلحة التي شكلتها ايران ووظفتها في المشهد الداخلي العراقي، يضاف لذلك التهديدات الخارجية المتمثلة بالتهديد الايراني، الأمر الذي جعل الانسحاب الأمريكي يعد هزيمة كبيرة، أحدثت فوضى عارمة في العراق وسوريا، حيث امتدت تداعيتها للخليج العربي في البحرين، واليمن، كما إن هذا الانسحاب شكل نهاية باهظة التكاليف، مع نتائج هزيلة قياساً بالخسائر العسكرية البشرية والمادية الكبيرة التي منيت بها القوات العسكرية الامريكية وخاصةً الخسائر المالية التي تم أنفاقها والتي تقدر بأكثر من(2)، ترليون دولار، بعد أن ثبت بالدليل القاطع بأن العراق لا يمتلك اسلحة التدمير الشامل، كما لم يثبت ارتباطه بتنظيم القاعدة.

لماذا كان الانسحاب الأمريكي من العراق خطأ استراتيجي؟:
إن التراجع والانسحاب الامريكي الذي يجري الأن من العراق، وسوريا، وأفغانستان، والصومال والمنطقة بشكل عام، يذكرنا بالانسحاب الامريكي الذي جرى من العراق عام2011، في عهد الادارة الامريكية السابقة برئاسة الرئيس الامريكي “باراك أوباما” ونائبه “جون بايدن”، والذي أعتبره الكثير من الخبراء العسكريين والاستراتيجيين والمراقبين والمتابعين بأنه كان خطأ استراتيجي كبير وفادح ارتكبته الادارة الامريكية السابقة، والذي وصف في وقتها بأنه كان انسحاب غير مسؤول، وهزيمة استراتيجية كبيرة، بعد أن تركت العراق منقسماً، وضعيفاً، وهشاً، وغير قادر على الدفاع عن نفسه، الأمر الذي ولد فراغاً كبيراً وتهديداً خطيراً تمثل بالتهديد والتمدد الايراني المباشر والغير المباشر، من خلال الادوات السياسية، والميليشيات المسلحة التابعة لها، والتي وظفتها لخدمة مصالحها ومشروعها في المنطقة، كما أنها أتاحت فرصة ثمينة لإيران لتحقيق أهدافها وجعل من العراق مرتكزاً اساسياً لمشروعها ونفوذها الاقليمي، وبوابة لتمددها وتوسعها في العراق ودول المنطقة، وقد جرى ذلك من خلال الكثير من الاتفاقات السرية والعلنية التي جرت بين الادارة الامريكية وايران، ومنها تجديد فترة حكومة المالكي رغم خسارته بالانتخابات البرلمانية لعام2010، وإطلاق يدها في المنطقة مقابل موافقتها على توقيع الاتفاق النووي الذي أطلق عليه(5+1)، والذي تم توقعيه في عام2015.

عودة القوات العسكرية الأمريكية للعراق لمواجهة تنظيم الدولة:
إن الانهيار الكبير للقوات الحكومية دفع الادارة الامريكية في عهد “باراك أوباما” للتدخل والبدء بقصف جوي مكثف لتنظيم الدولة في أب من عام2014، لمعالجة الموقف الميداني المتردي، ووقف التدهور والانهيار الامني الذي حصل بعد حزيران عام2014، كخطوة أولى، ثم بدأت بعد ذلك بالدعوة لتشكيل “تحالف دولي” لمواجهة ومحاربة الارهاب الذي يمثله تنظيم الدولة، الذي أعلن دولته في العراق والشام، وكان التدخل الأمريكي في العراق بطلب من حكومة المالكي لدعم النظام السياسي الحاكم والمهدد بالسقوط، بعد اجتياح تنظيم الدولة للعديد من المحافظات والمدن العراقية وتهديده للعاصمة بغداد بشكل مباشر، بالإضافة الى تهديده لإقليم كردستان العراق الحليف الاستراتيجي لواشنطن منذ عام1991.
لقد تأخر القرار الأمريكي لإدارة “أوباما” في مواجهة تنظيم الدولة من شهر حزيران الى شهر أب، ثم جاء بالتدخل العسكري الغير مباشر في العراق، وهذا يثير الكثير من علامات الاستفهام؟، ثم بدأ بعد ذلك تم القرار على تقديم الدعم الجوي والاستخباري واللوجيستي والتدريبي والفني بوجود قوات عسكرية استشارية واختصاصية لتقديم المشورة اللازمة للقوات الحكومية العراقية، وميليشيات الحشد الشعبي، وقوات البيشمركه الكردية، والعمل على استعادة المدن التي سيطر عليها تنظيم الدولة، دون التدخل العسكري المباشر في المعارك الحربية على الارض، وأستمر الحال الى أن جاءت الادارة الامريكية الجديدة بإدارة الرئيس “دونالد ترامب”، لتعمل على ما قالت إصلاح الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه إدارة أوباما، وذلك من خلال عودة التواجد العسكري الأمريكي الى العراق بحجة محاربة تنظيم الدولة، مما دفع الادارة الأمريكية الى زيادة القوات العسكرية الامريكية التي وصلت الى أكثر من(5200)، ألف جندي أمريكي، بالوقت الذي تمت فيه استعادة الكثير من المدن التي خرجت عن سيطرة الحكومية، وكان يجب على القوات الأمريكية أن تقوم بتخفيض تواجدها العسكري لا أن تقوم بزيادته، ولو كانت هذه الزيادة في بداية عام2014، لكانت مبررة في وقتها.

الأهمية الاستراتيجية للعراق بالنسبة لواشنطن:
لقد أكتسب العراق أهمية استراتيجية كبيرة في السياسية الخارجية الامريكية بعد عام2003، وقد ازدادت هذه الاهمية مع تطور الأحداث في المنطقة بعد عام2014، حيث نجحت الولايات المتحدة الامريكية بقيادة التحالف الدولي والعودة للعراق مرة أخرى بحجة محاربة الارهاب، الذي يمثله تنظيم الدولة، وتنظيم القاعدة، ثم تطورت التحديات والأحداث بعد استعادة المدن التي سيطر عليها تنظيم الدولة، وتصاعد الخلاف مع ايران، الأمر الذي أدى الى ظهور قوى مسلحة جديدة في الساحة العراقية، تمثلت بميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران، والتي أصبحت جزءً من القوات المسلحة العراقية من الناحية الإدارية، ولكنها تابعة لإيران من ناحية الحركات، والتسليح، والمرجعية، وقد استخدمت ووظفت هذه الميليشيات لمصالح ايران في المنطقة، وأصبحت عابرة للحدود لذا فهي تقاتل في سوريا، واليمن، وأصبحت تشكل تهديد مباشر للمصالح الأمريكية في العراق والمنطقة.

لماذا ازدادت أهمية التواجد العسكري الأمريكي في العراق؟:
إن قيام الادارة الأمريكية بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي أطلق عليه أتفاق(5+1)، في 8مايو /أيار عام 2018، دفعها الى إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على ايران، من خلال فرض حزم متعددة من العقوبات شملت القطاع المالي، والتجاري، والصناعي، وقطاع الطاقة، والنفط، والتمويل، والنقل البحري، لدفعها الى طاولة المفاوضات حسب الشروط الأمريكية، الأمر الذي زاد من أهمية بقاء القوات الأمريكية لمراقبة الحصار المفروض على أيران عن قرب، خاصة بعد أن تم تفعيل ما يطلق عليها بآلية (الزناد)، والتي دخلت حيز التنفيذ في20سبتمبر/أيلول الماضي، ضمن سياسية الضغط الأقصى على ايران لعزلها والتشديد عليها لتقديم تنازلات محددة بـ12نقطة حددتها وزارة الخارجية الأمريكية.
إن واشنطن ترى في بقاء القوات الأمريكية بالعراق ضرورة تفرضها الضرورة ومصالح الأمن القومي الأمريكي، كما أنها ضمانة أكيدة لاستقرار الخليج العربي، وضمانة أكيدة لمد الاقتصاد العالمي بإمدادات الطاقة، وضمان حرية الملاحة في الخليج العربي، وقد أطلقت القيادة المركزية في الجيش الأمريكي عملية بحرية متعددة الجنسيات تحت أسم “الحارس” لتعزيز الأمن والاستقرار البحري، وضمان المرور الأمن، وخفض التوترات في المياه الدولية، بما فيها مضيق “هرمز ” ومضيق “باب المندب” للحد من النفوذ الايراني، واحتوائه، ومنعه من ممارسة التطرف والإرهاب الإقليميين، مما قد يلحق ضرراً كبيراً بالأمن القومي الامريكي، وكذلك بالنسبة لمواجهة تنظيم الدولة، والميليشيات المسلحة التابعة لإيران، وخاصة العابرة للحدود، كما إن بقاء القوات العسكرية الأمريكية سيحد من نفوذ الدول الكبرى وخاصة الصين وروسيا، والتي تريد ملء الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي.

ملامح الاستراتيجية العسكرية لإدارة ترامب:
إن الاستراتيجية العسكرية الامريكية رغم عدم وضوحها ألا أنها كانت ثابتة نوعاً ما في عهد الرئيس الامريكي “دونالد ترامب”، والتي ركزت على أنهاء تواجد تنظيم الدولة وطرده من المدن التي سيطر عليها، ومنعه من اعادة تنظيمه مرة أخرى، وللحد من النفوذ الايراني، بما فيها الميليشيات المسلحة التابعة لها، كما إن القوات الامريكية نجحت في تنفيذ عمليات خاصة ونوعية، تكللت بمقتل “أبو بكر البغدادي” زعيم تنظيم الدولة في قرية “باريشا” في مدينة “إدلب” السورية في ليلة 26/27أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، بأنزال جوي، وكذلك مقتل “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس” في3يناير/كانون الثاني الماضي، بضربة جوية نفذتها طائرات بدون طيار استهدفتهم موكبهم بمطار بغداد الدولي، كما تركزت الاستراتيجية الأمريكية بشكل عام على زيادة القوات العسكرية في العراق والتي وصلت أعدادها الى أكثر من(8)ألاف جندي، وخاصة بعد الانسحاب من سوريا، ثم تراجعت هذه الاعداد بعد ذلك بسبب تطور الاحداث والضغوطات التي مارستها ايران، حيث تم تبادل الضربات الصاروخية المباشرة بين الطرفين، وكذلك الضرب بالوكالة عن طريق الميليشيات الولائية المسلحة التابعة لطهران، والتي استطاعت أن تمرر قراراً في البرلمان العراقي يلزم حكومة بغداد بإخراج القوات الاجنبية من العراق.
إن الوعود الانتخابية التي أطلقها الرئيس “دونالد ترامب”، في حملته الانتخابية تضمنت أنهاء الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة، والتركيز على الاقتصاد، حيث قال: “آن الأوان لخروج الولايات المتحدة من الحروب العبثية التي لا نهاية لها” وخاصة في العراق، وأفغانستان، وهذا يتناقض ويتقاطع مع زيادة القوات الأمريكية في العراق، ولكنه يتطابق مع المصالح الاقتصادية لواشنطن بعيدة المدى، والتي تتطلب وجود قوات عسكرية لحماية مصالحها الاقتصادية الحيوية في المنطقة، علماً أنه عبر في لقاءات تلفزيونية ومؤتمرات صحفية مختلفة عن رغبته بالسيطرة على نفط العراق، والسعودية، قائلاً: إن الجيش العراقي أبيد!، ولديهم جيش ضعيف!، وهو مجتمع فاسد!، ولو عاد الأمر ألي فسآخذ النفط منهم”، وهنا لا بد لنا أن نعود للشعارات التي سوقها “ترامب” في حملته الانتخابية حول العراق، من خلال المؤتمرات الصحفية، واللقاءات التلفزيونية المختلفة، والتي تلاشت في أغلبها، علماً أنها تمحورت حول استراتيجية عسكرية ترمي الى تحقيق الأهداف التالية:
• النفط العراقي: لقد صرح الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بأن العراق لديه ثاني أكبر حقول النفط في العالم بقيمة(15)، ترليون دولار وأضاف قائلًا: إن الجيش العراقي أبيد!، ولديهم جيش ضعيف!، وهو مجتمع فاسد!، ولو عاد الأمر ألي فسآخذ النفط منهم” ، كما حاول أن يربط بين الجماعات الإرهابية والنفط، في تبريرات قدمها أمام وكالة الاستخبارات الأمريكية للاستيلاء على نفط العراق، وقال: “كان على بلاده أن تأخذ النفط من العراق منذ عام 2003، ولو فعلت ذلك وقتها لما ظهر تنظيم الدولة”، وأضاف “ربما ستكون هناك فرصة أخرى”، علماً أنه بين عن رغبته وطموحه في السيطرة على نفط العراق وأخذه بقوة السلاح حين قال: “سأضع قوات أمريكية لحماية شركات النفط في العراق، وسنأخذ كل الثروة، والمنتصر يستحوذ على الغنائم”، وفي رده على سؤال ما هو الحد الأدنى الذي يجب على العراقيين دفعه مقابل تحريرهم؟، قال: “على أقل تقدير عليهم أن يدفعوا لنا(1،5)، ترليون دولار على أقل تقدير”، لذا فمن الاسباب التي استوجبت تواجد القوات الأمريكية في العراق هو الحصول على النفط العراقي، ولكن المفاجأة كانت بصدور قرار البرلمان العراق في5كانون الثاني2020، والذي يقضي بخروج القوات الاجنبية من العراق، بعد أن خولت الحكومة بموجبه إكمال الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا القرار، والذي جاء كرد على مقتل “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس” بضربة جوية أمريكية، لذا تحاول واشنطن المماطلة والالتفاف على هذا القرار من خلال تخفيض القوات وحصر تواجدها بقاعدتين فقط.

• الحد من النفوذ الايراني: لقد كانت توجهات أدارة “دونالد ترامب” واضحة وشديدة في التعامل مع الملف الايراني، وخاصةً عندما وصف الاتفاق النووي الإيراني “، بأنه الأسوأ في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية” وإنه “خطأ تاريخي”، ويعتبره جائزة قدمتها أدارة “بارك أوباما”، لإيران على سلوكها الإقليمي التخريبي في المنطقة، والتي ساهمت في تنامي الدور الإيراني في العراق والمنطقة، وقد أكد الرئيس الأمريكي “ترامب”، في مقابلة له على قناة “سي. بي. أس” إنه من المهم الإبقاء على قاعدة عسكرية أمريكية في العراق في إشارة الى قاعدة عين الأسد قائلاً ” حتى تتمكن واشنطن من مراقبة ايران على نحو ما لأنها تمثل مشكلة حقيقية “، كما أضاف في مقابلة له مع محطة إيه. سي. سي قائلاً :”كان يجب أن لا نترك العراق، فقد شكلنا هناك فراغاً كبيراً، وقد قامت إيران بملء ذلك الفراغ”، كما إن وزارة الخارجية قد بينت سياستها تجاه ايران والتي تقوم على “تغير سلوك النظام وليس تغير النظام”، وهذا يفسر لنا عدم رغبة واشنطن في المواجهة المباشرة مع طهران، رغم الاستفزازات الايرانية ومنها اسقاط الطائرة المسيرة الأمريكية في20يونيو/حزيران عام2019، الأمر الذي فهمته طهران وتعاملت معه، لذا فقد تم الانسحاب من الاتفاق النووي كونه لا يفي بما تريده إدارة “ترامب” التي تدعو لكتابة اتفاق جديد، كما شددت العقوبات الاقتصادية لدفع ايران للقبول على الجلوس لطاولة مفاوضات لتحقيق الأهداف التالية وهي:
(1)دفع ايران لطاولة المفاوضات لكتابة أتفاق نووي جديد.
(2)الحد من برنامج الصواريخ الباليستية الايرانية.
(3)الحد من تدخلها الإقليمي، وتوسعها التخريبي المزعزع لأمن المنطقة واستقرارها، وخاصة نفوذها المزعزع لاستقرار العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، والبحرين.
(4)منع ايران من التموضع في سوريا ومنعها من الوصول الى البحر الأبيض المتوسط.
(5)إيجاد نوع من التوازن مع التواجد الايراني في العراق.

• مواجهة تنظيم الدولة ومحاربة الارهاب: لقد عملت ادارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بعد دخولها للبيت الأبيض في20يناير/ كانون الثاني عام2017، على تصعيد العمل العسكري ضد تنظيم الدولة، وتنظيم القاعدة في العراق، وسوريا، من خلال قيادة التحالف الدولي الذي يضم أكثر من(67) دولة، كما عملت الإدارة على زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق بحجة محاربة تنظيم الدولة، ولاستعادة مكانتها، التي تراجعت بسبب انسحابها من العراق، وعدم تدخلها في الكثير من الملفات الساخنة بالمنطقة، كما أنها تأتي للحفاظ على مصالحها الحيوية في المنطقة، توافقاً مع دورها التاريخي وبما يؤمن التزاماتها الأمنية تجاه النظام السياسي الحاكم في العراق، واتجاه الدول الحليفة لها في المنطقة، بما فيها العودة لإيجاد نوع من التوازن مع النفوذ الإيراني الذي تمدد بشكل كبير في العديد من دول المنطقة، وخاصة في العراق بحجة تقديم المشورة والمساعدة للقوات الحكومية، الأمر الذي زعزع الأمن والاستقرار في العراق ومنطقة الخليج العربي، كما إن الانكفاء الأمريكي وفر فرصة كبيرة للتنظيمات المسلحة لإعادة بناء نفسها بصورة قوية وشرسة، والتي شكلت تهديداً مباشراً للنظام السياسي الحاكم في العراق، والذي توج ذلك بالسيطرة على الكثير من المدن الحضرية، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية للعودة بذريعة محاربة الارهاب، ووجود تنظيمات إرهابية، ولتلافي الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه أدارة “بارك أوباما”، لذا فقد عمد التواجد العسكري الأمريكي على مواجهة تنظيم الدولة لتحقيق الأهداف التالية وهي:
(1)استعادة المدن التي سيطر عليها تنظيم الدولة في العراق، وسوريا، وأنهاء ما يسمى بدولة الخلافة.
(2)تقديم الدعم الجوي، والاستخباري، واللوجيستي، والتدريبي، والفني، للقوات الحكومية ولحلفائها على الأرض بدون التدخل العسكري المباشر.
(3)القيام بتنفيذ عمليات نوعية ومحددة تتضمن القيام بإنزالات جوية، وتنفيذ ضربات جوية وصاروخية تستهدف القيادات الميدانية، ومراكز القيادة والسيطرة، ومراكز التمويل.
(4)منع التنظيم من استعادة نشاطه وإعادة بناء تنظيمه مرة أخرى، بما فيها منعه من السيطرة على المدن مرة أخرى.