آخر التطورات حول البرنامج النووي الإيراني الذي امتد لعقود هي مسألة من اغتال العالم النووي الإيراني رفيع المستوى محسن فخري زاده في 27 تشرين الثاني (نوفمبر). وسيكون من الحماقة أن يعلن أي شخص مسؤوليته لكي لا يتعرض لمخاطر الانتقام. كالعادة، إيران تلوم الكيان الصهيوني، يشار هنا إلى أنه تم إلقاء اللوم على الكيان الصهيوني أيضًا لدوره في اغتيال علماء نوويين إيرانيين آخرين عامي 2010 و 2012. علما أنه حتى وقت كتابة هذا التقرير، لا يوجد دليل قاطع على ذلك. ومع ذلك، فإن تزايد المشاعر المناهضة، يمكن أن تصبح عاملاً مساعدًا لحرب الشرق الأوسط القادمة.
إن الجدول الزمني والأسباب التي تقف وراء برامج إيران النووية والصاروخية موثقة جيداً. وكذلك معارضة معظم الدول الأخرى لها في الشرق الأوسط والعالم. كما تم توثيق التدخل الايراني الإقليمي، سواء كان ذلك في مجال الإمداد بالتكنولوجيا والموارد أو جهود تحديد الأسلحة ونزع السلاح. علما أن إيران دعت إلى إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط ووقعت على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لعام 1968. كانت هذه واحدة من العديد من معاهدات الحرب الباردة وما بعد الحرب الباردة التي تهدف إلى الحد من الصراع حول التسلح ونزع السلاح.
في الوقت نفسه، سعى الزعيم الإيراني “الخميني” منذ عام 1984 للحصول على الكهرباء النووية المدنية وهذا أمر مقبول لدى المجتمع الدولي. تم تدريب الموظفين الإيرانيين من قبل الصين وباكستان، ووافقت روسيا على بناء محطة الطاقة النووية. ومع ذلك، كانت هناك أسباب للاشتباه في أن هذا وسيلة للحصول على القوة النووية العسكرية وفي عام 1996 وافق الرئيس الأمريكي بيل كلينتون على فرض حظر على إيران لمحاولتها امتلاك أسلحة نووية. إن سبب القلق الأمريكي منذ عام 1996 هو أنه بالإضافة إلى البرنامج النووي، تمتلك إيران أيضًا برنامجًا صاروخيًا مستمرًا، وفقًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأصبحت منذ عام 2003 ذات قدرة على إيصال سلاح نووي إلى أهداف في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وتهدف إلى العالمية.
لقد ازدادت دواعي القلق العالمية بسبب تورط إيران في الحروب الأهلية بما في ذلك سوريا واليمن ولبنان، ودعم الجماعات غير الحكومية في لبنان وغزة، ومهاجمة السفن المدنية في الخليج، ومراوغتها المستمرة كدولة مسلمة شيعية مع غالبية العالم الإسلامي السني. وهو ما يؤدي إلى احتمال تصعيد النزاعات المتعددة في المنطقة. وبالتالي، كانت هناك جهود للتفاوض مع إيران للحد من الصراع وتحديد الأسلحة. وآخرها كانت خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، الموقعة في 14 يوليو 2015.
عندما تم انتخاب دونالد ترمب رئيسًا للولايات المتحدة عام 2016 تعرض للضغط من قبل رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، الذي كان معارضا لخطة العمل الشاملة المشتركة، لفرض عمليات حظر وعقوبات على إيران. خلال مايو/ ايار 2018، سحب ترمب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015 وفرض إجراءات اقتصادية قاسية على إيران. بينما واصلت الدول الموقعة الأخرى احترام الاتفاقية. تبع ذلك تردد أمريكي وصهيوني في ما يجب القيام به بعد ذلك والتداعيات الأكبر على سياسة الولايات المتحدة. ثم أصبح فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية لعام 2020 حافزًا للتغيير حيث قال بايدن في حملته الانتخابية إن أمريكا ستعود إلى اتفاق 2015 مع إيران.
قيل إن دونالد ترمب، بعد خسارته في الانتخابات، سعى إلى خيارات لضرب إيران. وأن كبار مستشاريه اقنعوه عن القيام بذلك، رغم أنه من غير الواضح ما إذا كان قد استقر على خيار مختلف.
بعد ذلك، في 17 نوفمبر/ تشرين ثاني، عزز كل من الكيان الصهيوني والمملكة العربية السعودية رسالتهما المتفق عليها بأن إيران لا يمكنها أبدًا امتلاك قدرات نووية وصاروخية باليستية. تحدث نتنياهو إلى بايدن عبر الهاتف حول عرض وزير الخارجية الإيراني “محمد جواد ظريف” المتكرر بأن إيران مستعدة للعودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، الذي كان يجري التفاوض عليه خلال إدارة أوباما وبايدن. في هذه النقطة، لم يظهر شيء خارج عن المألوف عندما يتعلق الأمر بإيران. وبدا أيضًا أن هناك اندماجًا في المصالح بين ترمب (لأيامه المتبقية في المنصب) والكيان الصهيوني والمملكة العربية السعودية ضد إيران.
أصدرت إدارة ترمب بيانًا في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني بعنوان “أهمية العقوبات على إيران”، قالت فيه إن تحركات الإدارة ضد إيران جعلت العالم أكثر أمانًا ولا ينبغي التراجع عنها – في إشارة إلى انسحاب ترمب في مايو/ ايار 2018 من خطة العمل الشاملة المشتركة.
في 22 نوفمبر/ تشرين ثاني، سافر نتنياهو إلى المملكة العربية السعودية، حيث ورد أنه التقى ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان”. كانت الزيارة هي الأولى من نوعها في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والتي نفى المسؤولون السعوديون فيما بعد حدوثها بسبب طبيعتها المثيرة للجدل. وفي وقت لاحق، في 22 نوفمبر/ تشرين ثاني، أعاد الوزير السعودي عادل الجبير صياغة خطوط نتنياهو الحمراء بشأن إيران، قائلاً: “لقد أوضحت المملكة العربية السعودية أنها ستبذل قصارى جهدها لحماية شعبها وحماية أراضيها”. بل إنه ذهب إلى حد القول إن المملكة نفسها ستسعى لامتلاك أسلحة نووية إذا حصلت إيران على أسلحة نووية.
وفي اليوم التالي، 23 نوفمبر/ تشرين ثاني، استيقظ الشرق الأوسط على الأخبار التي تفيد بأن طائرات الكيان الصهيوني ضربت ثمانية أهداف في سوريا بما في ذلك موقع في مطار دمشق الدولي يستخدم كمقر إيراني. وجاءت الضربة ردا على متفجرات وضعها الحرس الثوري على حدود سوريا مع الكيان الصهيوني. في وقت لاحق من ذلك اليوم، قام وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بجولة في مرتفعات الجولان، وهي الأولى منذ اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الصهيونية عليها، وكان أيضًا أول من يزور مستوطنة في الضفة الغربية. وفي ذلك اليوم أيضًا حث الملك سلمان، في خطابه السنوي أمام مجلس الشورى السعودي، وهو أعلى هيئة استشارية حكومية، العالم على اتخاذ “موقف حاسم” لمواجهة جهود إيران لتطوير برامج الصواريخ النووية والباليستية.
إذا كانت نتيجة الانتخابات الأمريكية هي الحافز للإعلان عن زيارة نتنياهو إلى المملكة العربية السعودية، فربما كانت الزيارة التاريخية تبعث برسالة إلى إدارة بايدن القادمة ومن جبهة موحدة ضد إيران: بأنه لا عودة إلى اتفاقية 2015.
وفي حين أنه لم يتم تطبيع العلاقات الرسمية حتى الآن بين الكيان الصهيوني والمملكة العربية السعودية، فمن المحتمل أن تكون الزيارة المبلغ عنها إشارة إلى إيران لمراقبة الأحداث الإقليمية المتغيرة بعناية. ربما تزعج إيران أيضًا اتفاقات إبراهام بوساطة الولايات المتحدة والموقعة بين الكيان الصهيوني والإمارات والبحرين، ثم تطبيع العلاقات مع السودان. قد تكون هذه علامات على تنامي التعبئة الدبلوماسية، وربما العسكرية، ضد إيران.
بعد خمسة أيام من زيارة نتنياهو المزعومة للسعودية، اغتيل محسن فخري زاده، عالم الفيزياء النووية الإيراني.
هناك العديد من الأسئلة التالية. هل كان خيارا أمريكيا لوقف أو إبطاء برنامج إيران النووي والصاروخي؟
هل كان الكيان الصهيوني أم السعودية تكرر الرسالة لإيران بأن هناك أفعال أعلى من الأقوال؟ هل هو طرف ثالث كان ينوي دفع إيران لمهاجمة الكيان الصهيوني؟ هل كانت نوايا شخص ما لتقويض خيارات بايدن الدبلوماسية؟ هل سيؤدي هذا إلى تقليص الصراع أم العكس؟ لماذا أعلنت إيران يوم الأحد عن نيتها إلغاء الوصول الإشرافي لمنشآتها النووية وتحديد مواعيد نهائية لخطوات متعددة يجب اتخاذها لتسريع بنيتها التحتية النووية وتحسينها وإنتاجها؟
من العدل أن نقول إنه مهما كانت الإجابات على هذه الأسئلة، هناك شيئان من المعقول أن نلخصهما. أولاً، الأحداث التي أحاطت بالاغتيال هي رسائل قوية لإيران وغيرها من خارج المنطقة بأن عليها أن تنتبه إلى التقارب المتزايد بين الكيان الصهيوني والسعودية وتعزيز التحالف الإقليمي والعالمي بعد اتفاق إبراهام. ثانيًا، من المعقول الاعتقاد بأن مسار الأحداث يظهر أنه لا يوجد شيء منقوش على الحجر. فمن ناحية، يمكن للخصوم السابقين (الكيان الصهيوني والمملكة العربية السعودية) تطبيع العلاقات الدبلوماسية ومن ناحية أخرى أن التصعيد الإقليمي ممكن دائمًا.
اي انتر ناشيونال/ جلين سيجل
ترجمة وتحرير: راسام

