الباحث : حسين صالح السبعاوي

بعدما كان العراق الموحد هو البيت الجامع لكل العراقيين عربهم وكردهم وتركمانهم وجميع مذاهبهم وأطيافهم جاء الإحتلال الأمريكي ليحتل هذا البيت العظيم ثم بدأ يشجع فيه الدعوات الطائفية والعرقية والمذهبية واختار من كل ملة أسوءهم ليكون ممثلا عنهم في هذا المشهد المسرحي الهزيل الذي يراد منه إثارة النعرات الطائفية بين المجتمع العراقي وترك كل واحدٍ منهم ينادي بإسم طائفته وقوميته متناسيا البيت الكبير الذي جمع كل هؤلاء تحت سقفه عبر آلاف السنين .
قبل أيام ظهرت دعوات لبعض الزعماء الشيعة في العراق بترميم بيتهم الطائفي في الوقت الذي هم من يحكم العراق منذ ٢٠٠٣ وإلى الآن ويدعون أنهم أغلبية، فكيف لأغلبية تحكم بلد متعدد المذاهب والأعراق أن تتكلم بهذه الطريقة !؟
إن المتعارف عليه في بقية دول العالم أن الأقليات هي من تتكلم عن تجميع أتباعها وترميم بيتها حفاظاً عليها من الذوبان وسط الأكثرية فتطالب بتشريعات قانونية للحفاظ على هويتها ولغتها… أما في العراق اليوم فنجد من يحكم ويدٌعي أنه أغلبية يتكلم بهذا الكلام !
لكن هم يعلمون جيدا بأنهم لا أغلبية ولا يستطيعون الحكم إلا بالنهج الطائفي المقيت الذي لا يملكون مشروعاً غيره لإدارة الدولة .
إن هذه الدعوات لإنشاء بيوت العناكب على حساب العراق العظيم لم تأت من فراغ بل جاءت بعدما انتفضت عليهم حاضنتهم الشعبية التي كانوا يعتبرونها عمقهم الاستراتيجي في وسط وجنوب العراق وأغلقت دكاكينهم السياسية. ومع قرب الإنتخابات المقبلة أدرك هؤلاء الطائفيين إفلاسهم السياسي فجاءت هذه الدعوات الطائفية لتجييش الشارع لعلها تعيدهم إلى الواجهة مرة أخرى وهذا هو شأنهم قبل كل إنتخابات يبدأ الشحن الطائفي واستيراد المشاكل والخلافات التاريخية بين المسلمين قبل ١٤٠٠ عام لإثارة الفتنة التي لعن الله من أيقظها، ثم يبدأ مسلسل التفجيرات هنا وهناك وتليها الاعتقالات على الهوية من مكون واحد ومعلوم وهكذا الحال قبل كل إنتخابات تجرى في العراق. لكن بعدما ظهرت عيوبهم وانكشفت عوراتهم وثار الشعب عليهم بدأت دعوتهم لترميم البيت الذي هم من أساء إليه .
ألا يعلم هؤلاء بأنهم السبب الرئيسي في كل ما يعاني منه الشارع الشيعي في العراق وهم السبب في كل معاناة الشعب العراقي عموما ؟
إن شيعة العراق بخير لو تركتهم هذه الطبقة السياسية التي أثرت ثراءً فاحشاً على حساب المواطن الشيعي البسيط والذي يعاني من ضنك العيش وسوء الخدمات ثم ختمت جهدها بقتل شبابه واعتقال الآلاف منهم بسبب مطالبتهم بالحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم .
ثم ماذا لو طالبت بقية القوميات والمذاهب في العراق كما طالب هؤلاء بترميم بيتهم الصغير فمن يرمم البيت العراقي الكبير إذا كل ملة ترمم بيتها ؟ أليست هذه الدعوات انفصالية ولا تصب في المصلحة الوطنية بل تدمر وحدته ونسيجه الإجتماعي، أليس من الأوّلى بكم أن تدعوا لترميم البيت العراقي الذي يجمع كافة العراقيين خصوصا وأنتم بيدكم الآن المال والسلطة ؟
سوف تبقون دائرين حول مشروعكم الطائفي المقيت الذي جئتم به ليمزق العراق إرباً إرباً وترقصون على اشلائه من أجل مصالحكم الشخصية وخدمة للجارة السوء إيران التي لا تريد للعراق الخير عبر تاريخها .
إن المتابع للشأن العراقي بعد ٢٠٠٣ يجد أن العرب السنة أكثر من عانى من ظلم الإحتلال ومن حلفائه فهم الأكثر في عدد المعتقلين والأكثر في عدد النازحين والمهجرين والأكثر معاناة من الإقصاء والتهميش والاستهداف سواء على الهوية أو حتى على الإسم ومع كل هذا لم نجد من يتكلم منهم عن الانفصالية والبيوتات الطائفية والعرقية والمناطقية… ولو فُعِلَ بغيرهم كما فُعِلَ بهم لتعاون مع شياطين الإنس والجن وليس مع أمريكا والغرب من أجل الخلاص من هذا الظلم الذي نزل بهم، لكن مع كل هذا تجدهم متمسكين بوحدة العراق الذي هو بيت الجميع حفاظا على اللحمة الوطنية من التفتيت والتمزيق وأمام هذه الروح الأبية والمشاعر الوطنية الجياشة تجد الحكومات الطائفية تسعى جاهدة لشيطنهم وتكيل لهم التهم والافتراءات !
وكما قال الشاعر :
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ****** على المرء من وقع السهام المهند
لا ينكر بأنه كانت هناك دعوات لإنشاء الأقاليم بسبب ما عانوه من أبناء جلدتهم لكن كل هذه الدعوات كانت خافتة وخجولة رغم أنها كانت لإنشاء أقاليم إدارية ضمن العراق الواحد .
إن هذه الطبقة السياسية تفتقد إلى شخصية رجل الدولة الذي يمثل الجميع ويلجأ إليه الجميع ويحمل معه المشروع الوطني الجامع الذي يحفظ من خلاله وحدة البلاد وحقوق مواطنيه جميعا وليس كما هو الحال في العراق كل ينادي بطائفته وقوميته وكأنهم غرباء على العراق وهم كذلك .
إن هذه الدعوات الطائفية ما زادت العراق إلا بؤساً وتخلفاً وقد أصابت أبناء الطائفة وأضرت بهم قبل أبناء المكونات الأخرى ومصداق ذلك انتفاضة شباب تشرين الذي يعتبر أغلب رجالاتها من الوسط والجنوب العراقي فلو كانت هذه الدعوات لصالحهم لما خرجوا على دعاتها لكنهم أدركوا بأن هذه الدعوات لا تتعدى المصالح الحزبية والشخصية لدعاتها والمذهب منهم بريء وحاشا المذهب أن يسمح بالقتل ونهب المال العام وإيذاء الآخرين لكنها أشبه بدعوات الكهنة الذين كانوا في خدمة الفرعون الذي أراد إستعباد العباد له من دون الله .
( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت )
وأخيرا : إن هذه الدعوات ما هي إلا خدمة للمشروع الأمريكي والإيراني اللذين توافقا على إحتلال العراق ومن ثم تمزيقه إلى كانتونات مذهبية وعرقية لكي لا يكون له أي دور في المنطقة بحكم ثقله العربي وموقعه الجغرافي وليس للطائفة الشيعية في العراق أي مصلحة فيه وهي تعاني كما يعاني بقية الشعب العراقي بكل طوائفه وقومياته من هذا الواقع المرير الذي صنعه الإحتلال بمساعدة من تعاون معه في الداخل .
قال تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )

مقال خاص براسام