أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
مثّلت القضية الفلسطينية إحدى مآسي التاريخ الكبرى وقع ظلمها على الأمة العربية عادة والشعب العربي في فلسطين خاصة.
أصبحت فلسطين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرة تحت الانتداب البريطاني، وأُدخل (وعد بلفور) في صك الانتداب، واستمرت مقاومة العرب لوعد بلفور والهجرة الصهيونية وحدثت انتفاضات عربية، وكانت بريطانيا قد قررت مشروع تقسيم من خلال لجنتها الملكية.
وعلى ما يبدو أن مشروع التقسيم كان وقعه السيء في نفوس الجميع وحصلت تجمعات جماهيرية في المدن العربية للتنديد بقرار اللجنة الملكية البريطانية تضامنا مع شعب فلسطين، وعدَّ القرار إجحافا بحق العرب والإسلام واعتداء صارخا على كرامة الأمم وحريتها.
– مشروع الكتاب الأبيض، كتاب (ماكدونالد):
أصدرت الحكومة البريطانية عام 1939 مشروعا سمي بـ (الكتاب الأبيض) أو ما يعرف بكتاب (ماكدونالد) بخصوص فلسطين وهو، بالحقيقة، وثيقة سياسية أصدرتها الحكومة البريطانية ردا على ثورة فلسطين عام 1936 بعد الموافقة الرسمية في مجلس العموم البريطاني في 23 أيار 1939 كسياسة تحكم فلسطين الانتدابية من عام 1939 إلى رحيل بريطانيا عام 1948 بعد الحرب العالمية الثانية.
دعت الوثيقة إلى إقامة وطن قومي لليهود في دولة فلسطين في غضون (10) عشرة سنوات، رافضة فكرة لجنة بيل بتقسيم فلسطين، كما حددت الهجرة اليهودية (75000) لمدة خمس سنوات، وقضت بأن المزيد من الهجرة سيتم تحديدها.
لم يلب الاقتراح المطالب السياسية التي اقترحها الممثلون العرب خلال مؤتمر لندن ورفضه رسميا ممثلو الأحزاب العربية الفلسطينية، كما رفضت الجماعات الصهيونية في فلسطين (الكتاب الأبيض) وقادت حملة من الهجمات على الممتلكات الحومية استمرت لعدة أشهر، ودعت إلى إضراب يهودي عام.
تم تنفيذ اللوائح الخاصة بنقل الأراضي والبنود التي تقيد الهجرة، ولكن في نهاية السنوات الخمس في عام 1944 تم استخدام (51,000) فقط من أصل (75,000) شهادة هجرة المنصوص عليها.
وعلى إثرها سمح البريطانيون باستمرار الهجرة إلى ما بعد الموعد النهائي لعام 1944 بمعدل (1500) شهريا حتى يتم ملئ الحصة المتبقية عن شهر كانون الأول 1945، حتى نهاية الانتداب عام 1948.
لم يتم تنفيذ البنود الرئيسة في النهاية بسبب معارضة مجلس الوزراء وبعد التغيير في الحكومة وفيما بعد الانشغال بالحرب العالمية الثانية.
بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية في أيلول 1939، أعلن رئيس الوكالة اليهودية في فلسطين (دافيد بن غوريون): “سنقاتل الكتاب الأبيض وكأنه لا حرب، ونخوض الحرب، وكأنه لا يوجد كتاب أبيض”.
ودعت اللجنة العربية العليا إلى حظر كامل ونهائي للهجرة اليهودية ونبذ سياسة الوطن القومي لليهود كليا.
أما مجلس عصبة الأمم فقد اختلف أعضاؤه حول تفسير مضمون الكتاب الأبيض لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية أدى إلى تعليق المداولات.
– جمعية أصدقاء فلسطين في باريس 1944:
كان الشباب العربي الدارسين في الجامعات الفرنسية خاصة في باريس يتواصلون فيما بينهم وهم من أقطار المشرق والمغرب العربي، خاصة تكشفت لديهم عن كثب ألاعيب الصهيونية العالمية ومطامعها وبتشجيع من الدول الاستعمارية لها، وكانت فلسطين هي المحور الأساسي لهذه اللقاءات. وعلى إثرها أسس هؤلاء الطلبة جمعية (الشباب العربي) وانتخب عبد الجبار الجومرد (العراق) رئيسا لها واتخذت من (نادي الجزائريين) بباريس الذي كان يرأسه (الفضيل الورتلاني) وضمّت في كنفها أعضاء من مختلف الأقطار العربية، وكانت هذه الجمعية تعقد اجتماعات ولقاءات دورية للتداول من أجل العمل لدعم نضال فلسطين.
في صيف عام 1937 عقد الطلبة العرب اجتماعا في باريس قرروا على اثره عقد مؤتمر للطلبة العرب الأول في بروكسل للفترة من 27-29 كانون الأول 1938، على أن يحضره سائر الطلبة العرب الدارسين في جامعات أوربا الغربية لدراسة أوضاع الوطن العربي، سياسية كانت أم اقتصادية واجتماعية، ولتحتل في الوقت نفسه القضية الفلسطينية وسبل الدفاع عنها مكان الصدارة، وتم جمع التبرعات لتغطية نفقات المؤتمر، وقد استطاع المؤتمر تحقيق الإجماع بالدفاع عن فلسطين.
نشطت الحركة الصهيونية في باريس عقب نزول قوات الحلفاء في فرنسا في حزيران 1944 ومن ثم هزيمة الألمان، حيث لم تشهد الساحة الفكرية والسياسية في فرنسا قبل عام 1944 نشاطا لمنظمات صهيونية على النطاق السياسي، بل كان هذا النشاط يتبلور في بعض المظاهر الثقافية والتعليمية، غير أن تطورات الأحداث أنتجت منظمات سياسية تتولى مهام الدفاع عن مصالح الجالية اليهودية، لأنها تشكل خلية منفصلة عن المجتمع الفرنسي حسب ادعاءات الأوساط الصهيونية فضلا عن عملها لتحقيق فكرة “تحويل فلسطين إلى دولة يهودية”.
تحرك الطلبة العرب في باريس للوقوف بوجه هذا النشاط الصهيوني ودعايته، وقاموا بتأسيس (جمعية أصدقاء فلسطين العربية) في صيف عام 1944، اتخذت من (نادي شمال أفريقيا) بباريس مقرا لها الذي يقع في (شارع ميشيل) المرقم (115).
تم انتخاب هيئة إدارية من بين المنتمين إليها قوامها خمسة عشر عضوا، واختاروا عبد الجبار الجومرد (العراق) رئيسا لها ونجيب صدقة (لبنان) سكرتيرا لها، وضمّت الهيئة الإدارية كِلا من: إبراهيم مغيرة وأبو بكر مهدي وعثمان العاتبة والطبيب حشيشة وأحمد الأشرف (من أقطار المغرب العربي) ومحمد القصاص والسيد البدوي ومحمود قاسم (مصر) وأحمد علوي وعوني بركات ومحمود بلولان وعبد الوهاب حومد سلطان (سوريا) ونجيب صدقة وسعيد دويهي (لبنان).
لاقت الجمعية بعد شروعها بالعمل تجاوبا ودعما من الجالية العربية في باريس، فضلا عن المناصرين للقضية الفلسطينية من الفرنسيين الذين كانوا يقومون بالتبرع لدعم نشاطاتها، وقامت الجمعية بطبع المناشير والنشرات الإعلامية التي توضح أحقية الشعب العربي في فلسطين، داحضة في الوقت نفسه مزاعم الصهيونية ومن ضمن نشاط الجمعية الإعلامي أقدم رئيس الجمعية (عبد الجبار الجومرد) في عام 1945 على طبع كتاب ألّفه باللغة الفرنسية بعنوان (مأساة فلسطين العربية) بغية إطلاع الرأي العام العالمي عامة والفرنسي بشكل خاص على الخطر الصهيوني، وعلى الجريمة التي سترتكبها الصهيونية العالمية بدعم وإسناد من الاستعمار على أرض فلسطين العربية. وقد طبع هذا الكتاب في شركة توباكو للنشر الفرنسية وبلغت تكاليف الطبع (40) ألف فرنك فرنسي، وقامت الجمعية بتوزيع هذا الكتاب على المؤسسات الاجتماعية والقنصليات الأجنبية والمكتبات والمقاهي ودور الطباعة والنشر، ولأجل إيصاله إلى أكبر عدد ممكن من الناس حددت الجمعية سعر بيعه بمبلغ زهيد وهو فرنك فرنسي واحد.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الكتاب المذكور ترك صدى إعلاميا مؤثرا، بحيث قامت العناصر الصهيونية بشراء كميات كبيرة من نسخه التي وزعت على المكتبات وقامت بإحراقها.
– مأساة فلسطين العربية:
اعتمد (عبد الجبار الجومرد) في مؤلفه هذا على مصادر عديدة، ووثائق أساسية ورسمية متناولا فيه القضية الفلسطينية منذ جذورها الأولى حتى عام 1945، وقد قدّم من خلاله قضايا أساسية أهمها أن فلسطين ليس بالإمكان أن تُعدّ أرضا لليهود بل أن الصهيونية ليس لها أي حق بفلسطين وأرضها، كما طرح مسألة في غاية الأهمية وهي أن حل ما يسمى بـ “المسألة اليهودية” على حساب منح فلسطين العربية (لليهود) تتعارض مع منطق التاريخ وتطوره، كما فنّد مزاعم “وعد بلفور” الذي أصدرته الحكومة البريطانية في تشرين الثاني 1917 لاسيما خلال ارتباطه ببنود الانتداب البريطاني على فلسطين.
ومن حيث تعارضه مع البند (22) من الميثاق سواء ذلك عند إقرار المؤسسات أو في التطبيق، مؤكدا وجوب أن يؤدي تطبيق الانتداب في آخر المطاف إلى إعطاء الاستقلال لهذا القطر العربي.
وفضلا عن ذلك فقد تصدى الجومرد إلى قضية “الهجرة الصهيونية” التي كانت ضد الإرادة العربية وضد القوانين التي لم ترع حرمة حقوق سكان عرب فلسطين.
وكانت الغاية من الكتاب بالأساس هي إطلاع الرأي العام الغربي والفرنسي منه بشكل خاص على الجوانب العادلة لكفاح العرب العادل إزاء الغزو الصهيوني الجديد المتحالف مع الإمبريالية بغية الحفاظ على هوية فلسطين العربية.
يُعدُّ هذا الكتاب من طلائع الكتب التي صدرت في تلك الفترة عن القضية الفلسطينية باللغة الفرنسية، ونال اهتمام الصحافة الفرنسية والعربية والعراقية، في وقت كان فيه الصهاينة ينتهزون أية فرصة للدعاية وتزييف الحقائق هناك.
المصادر:
أولا: يوسف هيكل، فلسطين قبل وبعد، (بيروت، 1971).
ثانيا: ناجي علوش، الحركة الوطنية الفلسطينية أمام اليهود والصهيونية 1882-1945، (دار الطليعة، بيروت، 1978).
ثالثا: عبد التواب أحمد سعيد، العراق والقضية الفلسطينية 1939-1947، (كلية الآداب، جامعة عين شمس، 1978).
رابعا: عدنان سامي نذير، عبد الجبار الجومرد نشاطه الثقافي ودوره السياسية، (الموصل، مكتبة كاردينيا، ط2، 2020).
مقال خاص براسام

