أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مثلما استطاع (بيرقدار) إثبات كفاءة ومقدرة في توطيد السلطة المركزية وإخضاع بعض الإمارات الكردية إبان فترة حكم السلطان (محمود الثاني)، استطاع أيضا إثبات مقدرته الإدارية والاصلاحية طول فترة ولايته للموصل، وما أن تولى السلطان (عبد المجيد الأول) مقاليد السلطة (١٨٣٩ – ١٨٦١م) حتى أصدر فرماناً أبقى بموجبه (بيرقدار) واليًا على الموصل، وفي سنة (١٨٤١م) لحق بهذا الفرمان فرمانًا آخر أبقى بموجبه (بيرقدار) واليًا على الموصل لحسن قيامه بمهام منصبه، وبذلك يعد (بيرقدار) أول والٍ عثماني استطاع أن يبقى في ولايته هذه السنين الطويلة.
ولتنفيذ برنامجه الإصلاحي كان لابد لبيرقدار من تأسيس حكومة قوية متنفذة في ولاية الموصل، سواء في المركز أو في توابعه، وذلك من خلال تعيينه للموظفين الإداريين الأكفاء الذين كانوا تحت مراقبته مباشرة.
وبغية تأمين الموارد المالية الكافية لتمويل مشروعه الإصلاحي، لجأ بيرقدار إلى اتخاذ إجراءات عدة أبرزها قيامه بجمع تجار الموصل ووجهائها وأعيانها من الأسر الموصلية المعروفة ومن شيوخ الأصناف والزمهم بدفع مبالغ من المال لتعزيز ميزانية الولاية.
شكلت الضرائب والرسوم مصدرا آخر من مصادر تمويل خزانة ولاية الموصل، فبالإضافة إلى المكوس والخراج والجزية – التي ابدلت بالخراج – وضريبتي الأسواق والمسقفات، لجأ (بيرقدار) إلى استيفاء مبالغ مقطوعة من الأهالي، والتي حددها بـ (٢٥) قرشا لكل بيت وقرشا واحدا عن كل رأس غنم، وعشر المحاصيل الزراعية، وقد تم تخصيص المبالغ المستحصلة لدفع رواتب الجند والموظفين وخطباء الجوامع، وكان من عادته إرسال فاتورة الإصلاحات إلى الحكومة المركزية.
كما استفاد بيرقدار من مادة الكبريت التي كانت تشتهر بها الموصل، فقام بنصب طاحونة على ضفة النهر وربطها بمنجم الكبريت، وبدأت الطاحونة بإنتاج كميات كبيرة من الكبريت تجاوزت حاجته لصنع البارود، حتى تكدس الكبريت في الأسواق فقام بتصديره إلى بغداد.
أما بالنسبة لإعماله الإصلاحية داخل مدينة الموصل فكانت باكورة هذه الاعمال بناءه لـ (دار الحكومة) وكانت تعرف بـ (القشلة)، ولفظ (قشلة) تركي ومعناه (المبنى الكبير المخصص لإيواء الجند)، وابتدأ العمل بها سنة ١٨٤٢م.
تألف البناء من قسمين :
القسم الأول (القشلة المدنية)، والذي تألف من دوائر الولاية ذات الصلة بأمور المجتمع المدني، أما القسم الثاني (القشلة العسكرية) والتي جرى تصميمها وفق التصميم العسكري العثماني، فهناك القوات الخيالية (السباهية) وأخرى لقوات المشاة (البيادة) مع وجود مكان للأرزاق والمؤن، كما تم تزويدها بالمياه، وأما القسم الآخر فكان بمثابة (خسته خانه) والذي عد في وقته أول مستشفى عسكري تقام في العراق، وكان الغرض منه تأمين الخدمة الصحية للفرقة (١٢) من الجيش العثماني، ومقرها الموصل، فيما خصص الطابق الثاني من هذه البناية لمبيت الوالي، فضلا عن جامع تقام فيه الصلوات التي كان يحضرها منتسبو القشلة من العسكريين والموظفين المدنيين، وتجدر الإشارة إلى أن هذه البناية انتهى العمل بها في نفس السنة.
شغل الجانب العسكري الحيز الأكبر من اهتمام (بيرقدار)، إذ يعود إليه الفضل بإلغاء القوة المعروفة بـ (الهاتية) ويعني (المرتزقة)، وأحل محلها قوات (الدرك) والتي سبق لبيرقدار أن استقدمها عند وصوله والتي شكلت فيما بعد نواة للجيش الهمايوني السادس.
ومن المفيد بالإشارة إلى أن الجيش العثماني قبل سنة ١٨٤٨م تألف من خمس فيالق، تألف الفيلق الأول من (جنود الخاصة) ومقره إسطنبول، والجيش الثاني (جيش السعادة) ومقره أدرنه ثم (جيش الروملي) في مناستر في مقدونيا و (جيش الأناضول) ومقره أرزنجان، والجيش الخامس في سوريا ويعرف باسم (عربستان)، وفي هذه السنة أصدرت الدولة العثمانية أوامرها بتشكيل الجيش الهمايوني السادس وفيلق العراق والحجاز والذي ارتبطت ادارته مباشرة بنظارة الحربية وكما سبق الإشارة فقد قام (بيرقدار) سنة ١٨٣٥م بتطبيق قانون القرعة العسكرية، كما أنشأ معملا لصنع القنابر (القنابل) والمدافع والبارود أطلق عليه (الطوبخانة)، حيث ذكرت المصادر أنه استعان بخبرة اسطة (رجب) خبير صناعة الألغام في راوندوز، والذي تمكن من صناعة (٨٠) مدفعا، وكان هذا المعمل يزود بالنحاس والذي كان التجار الأرمن ينقلونه عبر الموصل إلى بغداد ومنها إلى البصرة حيث يتم صهره هناك لعمل المدافع وكانت تحمل على الجمال أو في عربات تصنع محلياً، أما بالنسبة للعمال فقد استقدم المساجين للعمل في المعمل.
كما حاول (البيرقدار) القضاء على ظاهرة التسول في الأسواق والازقة وبدأ الناس في وقته يراعون الآداب الشرعية والآداب العامة وذلك لتجنب العقاب الذي يحدده الوالي الذي اشتهر بشدته وقسوته اللتين استطاع بهما أن يفرض النظام.

وفي معرض استعراضنا لمجمل إصلاحات (البيرقدار) لم نؤشر إلى اهتماماته العلمية، وهي ما سنتحدث عنها في الحلقة القادمة.

المصـــــادر المعتمــدة :
– ساطع الحصري، البلاد العربية والدولة العثمانية، (القاهرة، ١٩٥٧م).
– أحمد علي الصوفي، خطط الموصل، الجزء الأول، الموصل ١٩٥٣م).
– سعيد الديوه جي، بحث في تراث الموصل دراسة في المصادر التاريخية لتراث وخطط مدينة الموصل (الموصل، ١٩٨١م).
– إبراهيم خليل أحمد، التشكيلات الإدارية والعسكرية في ولاية الموصل أواخر العهد العثماني، مجلة بين النهرين العدد ٣٧، ٣٨، ١٩٨٢م.

مقال خاص براسام