شاهو القره داغي

بالرغم من نجاح الإطار التنسيقي في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة (محمد شياع السوداني) وتقديم الأخير مجموعة من الوعود والتعهدات بخصوص العديد من الملفات المتعلقة بالخدمات والأمن والاستقرار والسيادة وإنفاذ القانون وحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن الأيام الأولى للحكومة الجديدة تؤشر على غياب أي تغييرات حقيقية في مواقف الحكومة وخاصة في الملفات المهمة والحساسة، ومن الواضح أن الأطراف الداخلية والخارجية التي كانت تتحدى الدولة والحكومة سابقاً مستمرة على مسارها دون وضع أي اعتبار للحكومة الجديدة التي ظهرت عليها ملامح الضعف منذ الأيام الأولى نتيجة لمجموعة من المواقف والأحداث التي تكشف مسار الحكومة خلال الفترة القادمة.

يُعد عملية اغتيال المواطن الأمريكي في بغداد الاختبار الأول لرئيس الحكومة الجديدة الذي وعد في برنامجه الوزاري بحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء السلاح المنفلت، حيث نجحت عناصر مسلحة مجهولة الهوية من قتل مواطن أمريكي كان يعمل منذ سنوات على تعليم اللغة الإنجليزية ويسعى لرفع مستوى التعليم لدى العراقيين، وبالرغم من القطعات الأمنية المنتشرة داخل العاصمة وكاميرات المراقبة والتشديدات الأمنية، إلا أن المجموعة المسلحة نجحت في الفرار والإفلات من العقاب، وبالرغم من تشكيل الحكومة للجنة تحقيق لمتابعة الملف، إلا أن الجهات الأمنية فشلت في العثور على الفاعلين رغم مرور أسبوع كامل على الحادثة، ما يعطي إشارات سلبية حول الأداء الأمني للحكومة الجديدة وقدرة الأطراف المسلحة على تحدي الدولة والاستمرار على الممارسات الغير قانونية والانتهاكات الحقوقية بحق المواطنين والأجانب.

كانت حادثة مقتل المواطن الأمريكي امتحاناً للسوداني في مدى قدرته على مواجهة الفصائل والميلشيات المسلحة التي أيدت حكومته، وبالتالي مواجهة النفوذ الإيراني داخل العراق، ولكن يبدو أن السوداني يخشى من مواجهة هذه الجماعات التي لا تُعتبر جماعات محلية مسلحة، بقدر ماهي أذرع عسكرية لدولة خارجية تستخدمها لتحقيق الأهداف وحماية المصالح السياسية والاقتصادية، وعلى الرغم من تفاؤل بعض المراقبين بالحكومة الجديدة باعتبارها ستكون حكومة قريبة من الميلشيات وهي سوف تحترم أجهزة الدولة لدعم الحكومة القريبة منها، إلا أن الأحداث الحالية تؤكد عقلية الفصائل المسلحة والتي تعمل على إضعاف الدولة وأجهزة الحكومة بغض النظر عن من يقود رئاسة الوزراء، حيث تُدرك هذه الأطراف أن قوة الدولة سيعني بصورة مباشرة إضعاف اللادولة والتي تشمل كافة الميليشيات والجماعات المسلحة، وبالتالي نجحت هذه الأطراف في إرسال رسالة واضحة للأطراف الداخلية والخارجية بطريقة تفكيرها ومسار عملها خلال فترة الحكومة الحالية.

من الطبيعي أن تُسجل هذه العملية في حساب الجماعات الموالية لإيران التي اعتادت على ارتكاب هذا النوع من الجرائم منذ سنوات، ومن اللافت للنظر أن تقريراً لشبكة “فوكس نيوز” الأمريكية طالبت بتحميل إيران المسؤولية عن الهجوم على المواطن الأمريكي في بغداد، باعتبار أن المليشيا التي نفذت هذا الهجوم هي بلا شك منبثقة عن واحدة من أكبر الميليشيات الشيعية المدعومة من قبل إيران، مثل عصائب أهل الحق أو كتائب حزب الله، وهذا يعني أن الأطراف الداخلية والدولية تعرف جيدا الطرف المتورط بهذه الجريمة حتى لو تم استخدام جماعات فرعية أو عناوين جديدة لتنفيذها للحفاظ على مساحة جيدة للتنصل من المسؤولية في حال أدى الأمر إلى تصاعد ردات الفعل على المستوى المحلي أو الدولي.

ومن جانب آخر شكلت الانتهاكات الإيرانية الجديدة المباشرة تحدياً إضافياً للحكومة الجديدة في العراق، حيث قصفت إيران يوم الاثنين الماضي مقرات أحزاب كردية معارضة في كردستان العراق، ما أودى بحياة شخصين و إصابة ثمانية آخرين، وأكد جهاز مكافحة الإرهاب في كردستان أن الهجوم الإيراني تم تنفيذه بالصواريخ والطائرات المسيرة المفخخة على مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في قضاء كويسنجق بمحافظة أربيل وحزب كوملة بالقرب من قرية زركويز في محافظة السليمانية، حيث تم استخدام نحو 10 صواريخ وطائرات مسيرة خلال الهجوم الذي تسبب بوقوع الكثير من الأضرار و عمليات نزوح ونشر حالة من القلق والهلع لدى المواطنين في هذه المناطق.

وعلى الرغم من اعتراف الحرس الثوري الإيراني بتنفيذ العملية والتهديد بالاستمرار في تنفيذ هذه الهجمات، إلا أن وزارة الخارجية العراقية اقتصرت على اتخاذ موقف الإدانة الشديدة للقصف مع التعهد باتخاذ إجراءات دبلوماسية عالية المستوى ضد الهجمات الإيرانية! ومن المعروف أن لغة التنديد والاستنكار لن تساهم في إيقاف الاعتداءات الإيرانية، وخاصة أن الحكومة الحالية حكومة مقربة من طهران ومن الواضح أنها لن تقدم على اتخاذ خطوات قد تضر الجانب الإيراني أو اللجوء إلى الورقة الاقتصادية التي من المحتمل أنها الوسيلة الأنجح لدفع طهران لمراجعة سياساتها واحترام السيادة العراقية وعدم الإقدام على قصف المناطق المدنية والمأهولة بالسكان دون مراعاة السيادة العراقية.

قيادات الإطار التنسيقي كانت توجه اللوم إلى الحكومة السابقة بقيادة الكاظمي وتتهمه بالتساهل في حماية السيادة العراقية، بينما اليوم اختارت موقف الصمت والمشاهدة على الرغم من سيطرتها على الحكومة والجهاز التنفيذي وقدرتها على إصدار كل قرار من شأنه أن يساهم في إيقاف الاعتداءات الإيرانية المستمرة والتي تعتبر محاولة إيرانية لتصدير الأزمة الداخلية إلى الخارج وهي ترى أن العراق أفضل ساحة لهذا الأمر بسبب ضعف الدولة وغياب السيادة ووجود أطراف سياسية تبرر القصف الإيراني بدلا من الوقوف ضده.

مقال خاص براسام