لقد أعاد الاحتلال الأمريكي-البريطاني العراق الى قرون مضت من التخلف و الجهل والفوضى بعد أن غابت مؤسسات الدولة وخاصة القضائية منها، حيث تفشت الطائفية، والنزاعات الداخلية، والحروب الأهلية، والثارات، والجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، وانتشار السلاح المنفلت، والميليشيات المسلحة التي عاثت في أرواح الابرياء تنفيذاً لأجندة خارجية ولغايات تتعلق بالتخندق الطائفي، مما جعلت المجتمع العراقي يتعرض الى هزات عنيفة أفقدته تماسكه وخربت نسيجه الاجتماعي، وأصبح الاحتكام الى السلاح هو الفيصل في حل المشاكل العالقة بين العشائر، حيث تنامت خطورة النزاعات العشائرية في الكثير من المحافظات العراقية وتتسبب بسقوط ضحايا، وباتت تقلق السلم الأهلي والمجتمعي، مما دفع المواطن الى البحث عن بدائل تلبي حاجته لتأمين الأمن، واسترداد حقوقه، ومنها الرجوع الى بنى اجتماعية وعشائرية ودينية تؤمن له الحماية الأمنية والإجتماعية والمعيشية، نتيجة الفراغ الذي نتج عن غياب القانون، وتوقف مؤسسات الدولة التنفيذية وفشلها في أداء واجباتها، ووظائفها، بحيث أصبحت هناك سلطة اجتماعية فاعلة و موازية لسلطة الدولة في الكثير من القضايا المجتمعية، بل أنها تمردت على سلطة الدولة.

إن من ضمن المتغيرات التي طرأت على المجتمع العشائري العراقي هو تعدد الولاءات العشائرية بعد الاحتلال، خصوصاً وإن المحتل نجح في أستمالة الكثير من العشائر والشخصيات العشائرية في عموم العراق، وكسب ولائهم المطلق لتنفيذ مشروعه السياسي والعسكري الذي يضمن بقاء قواتهم في العراق، وذلك لاعتقاده بأن هؤلاء الشيوخ سيكونون قادرين على الحد من عمليات المقاومة العراقية على قواتهم، مقابل تقديم مغريات مادية أو صفقات مشبوهة تتعلق بالحصول على مناصب ومقاولات وامتيازات معينة، كما تميزت سياسة المحتل بالازدواجية في تعامله مع العشائر، حيث ضيق المحتل على العشائر التي حافظت على موقفها العروبي الرافض لمشروع الاحتلال والعملية السياسية وشارك أبنائها في مقاومته، حيث تعرض أبنائها للقتل والاعتقال والتدمير من قبل القوات المحتلة، بينما حظيت العشائر التي والت الأحتلال أو التي وقفت على الحياد باهتمام كبير وتسهيلات بمختلف المجالات، ورأينا كيف نجح الاحتلال في استمالة بعض العشائر والجهات السياسية لتشكيل الصحوات العشائرية في المناطق الغربية والشمالية من العراق لمقاتلة القاعدة عام2007م، وكذلك رأينا كيف نجحت إيران من خلال الميليشيات المسلحة التابعة لها في أستمالة وكسب ود العشائر في وسط وجنوب العراق ووظّفتها لمصالح طائفية ومادية وسياسية ومناطقية تتعلق بالنفوذ والمصالح ومشروعها الإقليمي في المنطقة.

أسباب أنتشار السلاح واستحوذ العشائر عليه:
يعتبر الاحتلال من أهم الأسباب التي أدت الى فوضى سياسية وأمنية عارمة أدت الى انتشار السلاح في العراق وخاصةُ لدى العشائر التي تطور مخزونها من السلاح ووصل الى مرحلة مخيفة وغير مسبوقة، وهذا يعود لأسباب متعددة منها عدم سيطرة القوات المحتلة على مخازن السلاح والعتاد التي كانت تمتلكها الدولة العراقية السابقة، مما جعل الكثير من العشائر العراقية وخاصةً في جنوب ووسط العراق تستولي على تركة كبيرة من الاسلحة والاعتدة تعود للجيش العراقي السابق، خاصةً وإن هناك الكثير من مخازن الاسلحة والاعتدة تنتشر على مساحات واسعة في المحافظات الوسطى والجنوبية، حيث تم الاستيلاء والسيطرة عليها من قبل هذه العشائر، أو من قبل بعض الأفراد الذين قاموا ببيعها في عموم العراق، علماً بأن الكثير منها أستخدم في تسليح العشائر العراقية، وللبيع في الأسواق السوداء التي أصبحت رائجة بشكل كبير بعد الاحتلال، على خلاف المناطق الغربية والشمالية التي أستخدمت هذه الاسلحة والاعتدة لمواجهة القوات المحتلة بعد عام 2003، وحتى خروجها من العراق عام 2011، وقد حل العراق بالمرتبة الثانية بعد اليمن في أعداد قطع السلاح المنتشرة خارج إطار المنظومة الأمنية في العراق.

لقد كان للتدخلات الخارجية دور كبير في انتشار السلاح بعد أن قامت دول الجوار بإدخال الكثير من الاسلحة الى الميليشيات المسلحة لذا تعتبر هذه الدول من أهم أسباب تدفق وانتشار السلاح في العراق، حيث كان للتدخلات الخارجية تأثير كبير في انتشار وتسليح العشائر العراقية، خاصةً وإن إيران قامت بتشكيل الكثير من الميليشيات المسلحة التابعة لها في العراق قبل وبعد الاحتلال الأمر الذي جعل هذه الميليشيات تمتلك وتستحوذ على الكثير من الاسلحة والاعتدة لتنفذ أجندة خارجية ولمصالح ضيقة، وهناك أعتراف رسمي من قبل ايران بأنها سلحت ونظمت وقدمت الدعم المالي والاستخباري لهذه الميليشيات التي عملت خارج إطار الدولة على الرغم من دمجها بالأجهزة الأمنية عام2004م، ولكنها مع ذلك بقيت محتفظة بسلاحها وعتادها، وهذا الأمر جعل الكثير من العشائر العراقية تستفيد من هذه الميليشيات التي أصبحت تمارس تجارة الاسلحة والمخدرات بشكل غير مسبوق، لذا فالميليشيات الطائفية المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة تعتبر من أهم مصادر توفير السلاح للعشائر في جنوب العراق، كون الكثير من أفرادها وقياداتها هم من أبناء هذه العشائر الذين انتموا لهذه الميليشيات التي تقوم بتجهيزهم بالأسلحة والتجهيزات، لذا فالقضية معقدة ومركبة ومرتبطة بأجندة خارجية، لذا فهم يعتبرون من أهم مصادر الأسلحة للعشائر التي يحاولون شراء وكسب ولائها من خلال تقديم هذه الاسلحة لهم، تمهيداَ لاستثمارهم لغايات أنتخابية وسياسية تتعلق بالمصالح، والنفوذ، والمنافسة الداخلية بين الاحزاب والكتل السياسية التي تمتلك أجنحة مسلحة.
إن فشل الأحزاب السياسية والطبقة الحاكمة في بناء دولة وطنية تحقيق الحماية والأمن والاستقرار والضبط الاجتماعي للمجتمع العراقي هي أحد أسباب تغول العشائر وانتشار السلاح، لأن هذه الأحزاب السياسية والدينية الطائفية لها ولاءات خارجية تعمل على هدم فكرة بناء الدولة الوطنية الجامعة، وتعتبر حكومة المالكي التي حكمت العراق لفترتين وزارية امتدت من عام 2006 ، ولغاية عام 2014، هي أحد الاسباب الرئيسية لهذا الفشل، بعد أن قدمت مقاربة الحل الأمني في معالجة المشاكل الداخلية مستنداً على شراء الولاءات السياسية والعشائرية، الأمر الذي أدى الى انتشار السلاح خارج إطار الدولة وخاصةً لدى العشائر في جنوب العراق مع علمه بأن هذا السلاح سيكون له تأثير كبير على أستقرار الدولة، حيث أستخدمت الحكومات سياسات طائفية في تقديم السلاح كهدايا وهبات لشراء الذمم، وكذلك لإعطاء الموافقات على حمل السلاح وخاصةً شيوخ العشائر مع بعض الهبات المالية وذلك لاستمالتهم ودعمهم في خوض الانتخابات المحلية والبرلمانية، بل إن الحكومة عملت على تقديم شيوخ غير مؤهلين وغير رسميين ولكن ولائهم مضمون لهذه الحكومة، لذا تجد بأنهم مدعومين من قبل الدولة وخاصةً حكومة المالكي التي اعتمدتهم على حساب الطرف الأخر من الشيوخ الأصليين مما جعل المنافسة تحتدم بينهم بشكل كبير، مما أثر على العلاقات الاجتماعية ضمن العشيرة الواحدة بسبب السياسات الداخلية التي أتبعتها حكومة المالكي في تسليح الميليشيات والعشائر لحماية مصالح النظام الحاكم وتنفيذ مشروع السياسي.

إن تشكيل ميليشيات مسلحة بعد صدور فتوى الجهاد الكفائي في حزيران عام 2014، من مرجعية النجف لقتال تنظيم الدولة استغلته حكومة المالكي وإيران والعشائر التابعة لهم لتشكيل ميليشيات مسلحة بغطاء رسمي، ولكنها في الحقيقة هي ميليشيات طائفية تعمل خارج إطار الدولة، وتتبع لمرجعيات دينية مختلفة داخلية وخارجية، حيث فتحت إيران مخازنها لتشكيل هذه الميليشيات وتنظيمها ثم دمجها وجعلها كجزء من القوات المسلحة العراقية، كما إن الكثير من العشائر في جنوب العراق أتخذت من هذا التهديد ذريعة لتخزين الكثير من الاسلحة في مدن الجنوب بدوافع سياسية وطائفية وخارجية بحجة الدفاع عن الوطن وعن أنفسهم بأعتبار هذا السلاح رديف للقوات الأمنية، ولكنه في الحقيقة هو تهديد لأمن الوطن والمواطن البسيط لأنه أستخدم لتصفية الحسابات الشخصية والداخلية، كما أصبح تجارة رائجة في السوق السوداء لمنافع شخصية وهذا يجري بتواطؤ حكومي، حيث فتحت الحدود مع دول الجوار وتدفق السلاح للعراق بشكل غير مسبوق، الأمر الذي أدى الى انتشار أسواق بيع الاسلحة و الاعتدة، بعد أن فشلت القوات الأمنية وخاصةً قوات حرس الحدود في ضبط الحدود مع دوار الجوار، مما جعلها مفتوحة أمام عمليات التهريب وتجارة المخدرات والاسلحة، بحيث تحولت الكثير من المناطق الجنوبية الى أسواق لبيع الاسلحة و الاعتدة، مع غياب كامل للأجهزة الأمنية وضعفها في تطبيق القانون.