الباحث: حسين صالح السبعاوي

الإعلام سلاح ذو حدين، وهو أداة بيد من يستخدمه، فإن استخدمه في الخير ونشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة ورفع مستوى الوعي لدى المواطن والحرص على المصالح العامة فهو سيكون أفضل أداة تؤدي دورها، أما إذا استخدمه في نشر الرذيلة وتمجيد الفاسدين وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية بين أبناء المجتمع فسيكون هذا الإعلام سكينا يقطّع به أوصال أبناء الوطن الواحد ويدخلهم في صراعات دموية الرابح فيهم خسران.

إن الإعلام الذي يتخلى عن مواثيق الشرف الإعلامي ما هو إلا إعلام هدم وتدمير للشعوب سيما أن الإعلام يعد من الأدوات الفاعلة في التغيير السياسي أو الثقافي وركن من أركان الدولة، ومن أهم هذه المواثيق؛ التمسك بالقيم الإعلامية من صدق وجرأة وإنصاف وتوازن واستقلالية مع تنوع إيجابي ليس لاعتبارات تجارية أو سياسية على حساب المهنية، والسعي للوصول إلى الحقيقة وإعلانها بشكل لا غموض فيه ولا ارتياب في صحته، إضافة لذلك الترحيب بالمنافسة النزيهة دون السماح لها بالنيل من مستويات الأداء لكي لا يصبح السبق الصحفي هدفا بحد ذاته، وأيضا تقديم وجهات النظر والآراء المختلفة دون انحياز لأحد الأطراف، كما يجب التعامل بموضوعية مع التنوع الذي يميز المجتمع بكل ما فيه من مذاهب وقوميات وأعراق ومعتقدات، مع مراعاة الشفافية في التعامل مع الأخبار ومصادرها وفق المعايير الدولية، والاعتراف بالخطأ فور وقوعه والمبادرة إلى تصحيحه، والتمييز بين الخبر والتحليل لتجنب الوقوع في فخ الدعاية والتكهن، ولا بد لرجل الإعلام أن يكون أنيقا وحسن المنظر والاهتمام بالزي اللائق بالإعلامي على خلاف ما نشاهده اليوم من بعض الإعلاميين سواء من النساء أو الرجال من عدم اهتمامهم بكل ما ذكر في أعلاه، هذه بعض بنود ميثاق الشرف الإعلامي الذي يفترض أن تتبناه جميع القنوات الفضائية وكافة الوسائل الإعلامية المقروءة أو المسموعة.

إن الاحتلال الأمريكي والإيراني عمد منذ الأيام الأولى لاحتلال العراق على حل وزارة الثقافة والإعلام مثلما قام بحل جميع الأجهزة الأمنية وترك أبناء هذه الوزارة بكافة مؤسساتها من مذيعين وفنانين وصحفيين وكوادر إعلامية أخرى بجميع الاختصاصات يواجهون مصيرهم من دون أي رعاية من قبل الدولة، بل كانت توجه لهم التهم وتتعامل معهم بازدراء حتى هاجر أغلبهم إلى المنفى خوفا من البطش أو الاعتقال، مقابل ذلك عمد الاحتلال على فتح عشرات القنوات الفضائية ومئات المواقع الإخبارية وطباعة الصحف المحلية بكل أشكالها إضافة لقنوات اليوتيوب والتلكرام بدون ضوابط قانونية أو موافقات رسمية بحجة حرية الإعلام، فأصبح العراق يعاني من فوضى إعلامية، حيث تمارس هذه المواقع والقنوات دورا سيئاً بعيدا عن المبادئ والقيم الإعلامية ومواثيقها، فلكل حزب قناة فضائية ولكل جماعة مسلحة قناة، بل أحيانا يمتلك أشخاص متنفذون قنوات خاصة بهم، سيما أن أغلب هذه القنوات لا تعرف شيئا عن الإعلام الهادف، بل على العكس نجدها تمارس أدوارا مشبوهة ساهمت في عمليات غسل الأدمغة من خلال تمجيد الطائفية وإثارة الصراعات المذهبية، كما ساهمت هذه القنوات في شق الصف الوطني وتفتيت اللحمة الوطنية بين أبناء المجتمع من خلال يلي:

١- إثارة الطائفية: لقد أنشأت عشرات القنوات الفضائية التي تمجد الطائفية وتثير الصراعات المذهبية بين أبناء المجتمع العراقي المتنوع مذهبيا وعرقيا وقوميا، وقد ساهمت هذه القنوات بالاقتتال بين أبناء المجتمع راح ضحيته آلاف الأبرياء.

٢- نشر الرذيلة: إن من بنود ميثاق الشرف الإعلامي أن لا يبث تفاصيل الأخبار المخلة ولا تنقل صورهم، بينما تتسابق القنوات الفضائية اليوم بنشر مثل هذه الأخبار المخلة والمدمرة للأسرة سيما قضايا الاغتصاب والمثلية والمشاكل الزوجية والتركيز على التافهين لصناعة قدوات سيئة للشباب.

٣- حماية الفاسدين: وذلك من خلال التضليل وقلب الحقائق لتجعل من البريء ضحية ومن السارق والمجرم قدوة، حتى شاع الفساد بكافة مؤسسات الدولة مع صمت إعلامي تجاه الفاسدين.

٤- السكوت عن الانتهاكات: حيث الإعلام ساكت عما يتعرض له الشعب العراقي عموما وخاصة ما يحدث في السجون العراقية ضد المعتقلين، بينما في الوقت نفسه تشيطن الأبرياء.

٥- إثارة الصراعات الحزبية: والتي يدفع ثمنها المواطن من خلال عمليات التسقيط السياسي والاستهداف الشخصي من أجل مصالح حزبية أو الحصول على المال.

أما الأسباب التي أوصلت الإعلام العراقي لهذا المستوى، فكثيرة منها:
١- غياب المهنية والجهل بمبادئ الإعلام الأساسية: فنجد الكثير من المذيعين ومقدمي البرامج التلفزيونية لم يحصلوا على شهادات إعلامية من الكليات والجامعات المتخصصة أو من مؤسسات إعلامية معتبرة.

٢- المال السياسي: أفسد الإعلام من خلال شراء ذمم الإعلاميين واستخدامهم في مواجهة الخصوم من خلال نشر الفضائح والتسقيط السياسي.

٣- غياب الأمن: لقد شاهدنا كيف تهاجم المليشيات مقرات القنوات الفضائية وتحرقها بسبب تعرضها لقادة المليشيات والأحزاب، فمن الصعب اليوم أن يتكلم الإعلامي المهني من داخل العراق عن الفساد والقتل والخطف وما تمارسه المليشيات من انتهاكات ضد المواطنين الأبرياء.

٤- هجرة الإعلاميين: حيث هاجر الأكفاء إلى الخارج وعملوا في مؤسسات أخرى عربية أو عالمية، بسبب التهديد وغياب المهنية، مما أدى إلى حدوث فراغ كبير في الإعلام العراقي.

٥- غياب الرقابة والمحاسبة: الحكومة وهيئة الإعلام خصوصا تتحاشيان مراقبة ومحاسبة أي وسيلة إعلامية إذا كان مالكها صاحب نفوذ أو يقود فصيلا مسلحا.

إن نظام المحاصصة الطائفية والحزبية لا يمكن أن ينتج عنه إعلام مهني واحترافي يخدم القضايا الوطنية الكبرى، ويساهم في وعي الجماهير، ويكون له دور حقيقي كسلطة رابعة في دولة المؤسسات.

إن كثرة القنوات الفضائية والمواقع الإخبارية لا يعني بالضرورة بأنه هناك حرية التعبير وإعلام حر، بل أحيانا تكفي بضعة قنوات على عدد أصابع اليد تعمل وفق ميثاق وطني وشرف إعلامي مع مهنية عالية وحياد تام بعيدا عن التأثير الحزبي والمال السياسي لتؤدي دورها في نشر الأخبار الحقيقية والحوارات السياسية الهادفة والبرامج النافعة، على خلاف ما نشاهده اليوم من أخبار مزيفة وحقيقة غائبة، مع نشر كل سلبيات المجتمع والتركيز عليها، أما البرامج الحوارية فنجدها مجموعة شتائم بين المتحاورين كل يدافع عن حزبه وسيده بعيدا عن المصلحة الوطنية.
إن إعلام الاحتلال في العراق اليوم قد أعطى للعالم صورة سوداوية وبشعة عن الشعب العراقي ومسخ هويته التاريخية والحضارية من خلال العفن الفني والإعلامي الذي تبثه هذه القنوات التي ساهمت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على نشر الرذيلة وتضليل المجتمع عن الانتهاكات التي يتعرض لهت المواطنين وشرعنة الفساد ونهب المال العام، بينما يفترض بوسائل الإعلام أن تتصدى لكل هذه الجرائم وتدافع عن المظلومين وتفضح الفاسدين وتساهم في حفظ المال العام.

مقال خاص براسام