نظير الكندوري

بسبب كون الحالة السياسية والأمنية في العراق، اشبه ما تكون بحالة الرمال المتحركة التي تتغير معالمها سريعا، فمن الصعب أن نرصد طبيعة المتغيرات التي ستكون خلال هذه السنة، استنادا لما حدث في السنة الماضية. ولأجل هذا، فمن الأسلم أن تكون التوقعات والتنبؤات فصلية، لا سيما وأن مع نهاية الفصل الأول من هذه السنة، سيكون العراق أمام استحقاق انتخابي كبير ومثير للجدل، يتمثل في الانتخابات النيابية المزمع اقامتها في شهر حزيران/ يونيو القادم من السنة الحالية.
وسواء كان هذا الموعد حقيقيا أو ليس حقيقيا، بحسب رأي القوى السياسية العراقية المنقسمة فيما بينها على جدوى إقامة الانتخابات، لكنها شاءت أم أبت، تجد نفسها مشغولة بالتحضير لهذا الحدث. لأنه سيشكل نقطة فاصلة ومحورية في العملية السياسية العراقية، وإن نتائجها ستحدد الكثير من معالم النظام السياسي العراقي ومستقبله. هذا النظام السياسي الذي أقر رئيس الجمهورية برهم صالح بفشله واخفاقه حينما قال: “منظومة الحكم التي تأسست بعد عام 2003 تعرّضت إلى تصدع كبير، ولا يمكنها أن تخدم المواطن الذي بات محروما من أهم حقوقه المشروعة، لذا فنحن بحاجة ماسة إلى عقد سياسي جديد يؤسس لدولة قادرة ومقتدرة وذات سيادة كاملة”.
وبسبب سقوط الأحزاب الحالية الممسكة بالسلطة في أعين الجماهير العراقية، فمن المتوقع أن تقوم بخدعة تأسيس أحزاب رديفة لها ترفع بعض الشعارات المتوافقة مع طموحات الشباب المنتفض، كحجة لها في الفوز بالانتخابات القادمة.

السياسيون العراقيون يستقبلون الإدارة الأمريكية الجديدة
واستقبالا للقيادة الأمريكية الجديدة ورئيسها “جو بايدن”، تحاول القوى السياسية والفصائل العراقية التموضع من جديد، رغم أن عدد منها وبالذات الأطراف المقربة من إيران ليست متفائلة كثيرا به وترى ان “بايدن” سوف لن يتخذ سياسة مغايرة بشكل جذري في توجهاته ضد إيران واتباعها في العراق عن سلفه ترامب. لذلك فهي تحاول تأكيد موقفها الرافض لتواجد القوات الأمريكية في العراق، واستغلال الفترة الانتقالية، وفترة الأشهر الأولى من ولاية “بايدن” التي سيكون فيها مشغولا بالأوضاع الامريكية الداخلية، لتعبر عن رفضها ذلك، بضرباتها الصاروخية المستهدفة للسفارة الأمريكية، وضرباتها لعربات الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية.
من ناحيتها ستستمر الحكومة العراقية بقيادة مصطفى الكاظمي، بمحاولاتها لترويض المليشيات، لكن هناك حالة عدم تفاؤل بنجاح محاولات الكاظمي في هذه المهمة، استنادا للفشل الذي لحقه في الفترة السابقة، وسيطرة المليشيات على مفاصل مهمة من الدولة العراقية.
لكن الكاظمي، ربما سيحاول الاستفادة من الانقسام الحالي بين صفوف القوى الشيعية، والاعتماد على التيار الصدري للاستقواء به، لا سيما بعد أن فشل الصدر في إعادة ترميم البيت الشيعي التي دعا لها في الفترة الأخيرة، وبقاء الخلافات الشيعية البينية مستفحلة.

حروب الوكالة في الساحة العراقية
وفيما يتعلق بالصراع الأمريكي – الإيراني وتأثيراته على العراق، فبالرغم من انخفاض حدة التوتر في الفترة الأخيرة بين الجانبين، على الأقل في شقها العسكري، إلا أن هذا لا يمنع من استمرار صراعهما بالوكالة، وبالذات في الساحة العراقية. فإيران التي لا تبدي أي استعداد للتخلي عن العراق، يقابله إصرار من الولايات المتحدة على بقاء نفوذها فيه. وعلى هذا فإن الصراع بينهما للاستئثار بالعراق سوف يستمر، وسيتم استغلال الانقسام الشيعي الحالي من قبل الطرف الأمريكي، في إذكاء نار حرب بالوكالة مع الطرف الإيراني المتواجد في العراق. لذلك فإن من المرجح أن يقوم الكاظمي (المحسوب على الطرف الأمريكي) بإقناع الأمريكان بدعم الصدر وتياره، بل وربما ينضم إليهم “حشد النجف” ذو المرجعية التابعة لرجل الدين “علي السيستاني”، في مواجهة المليشيات الولائية المحسوبة على الطرف الإيراني. والأمر الذي سيذكي نار هذه الحرب هو أن أعين الجناحين المتصارعين ترنوا إلى الانتخابات المبكرة القادمة في شهر حزيران/ يونيو القادم، مما سيجعلهما يدخلان في صراع سياسي كبير، ربما يتطور في بعض مراحله إلى صراع عسكري يثبت كل طرف منهما قوته على حساب الطرف الثاني. وستزداد حدة هذا الصراع كلما اقتربنا من موعد الانتخابات التي لا يفصلنا عنها سوى خمسة أشهر من الأن.

الكاظمي يعمل على زيادة حظوظه في الانتخابات القادمة
في هذه الاثناء، سيحاول الكاظمي تحقيق انجاز اقتصادي يساعده في رقع شعبيته والفوز بالانتخابات القادمة، بعد أن فشل في تحقيق الكثير من وعوده التي قطعها على نفسه. ففي هذا الإطار، من المتوقع أن تشهد علاقات العراق الاقتصادية بتركيا، تقدما خلال الاشهر المقبلة، وإقامة مشاريع جديدة. سيكون انشاء معبر جديد مع تركيا بشكل مباشر دون المرور بإقليم كردستان. بالإضافة إلى المباشرة في الربط السككي معها والذي يتوقع أن يصل خط سكة الحديد إلى ميناء الفاو الكبير ليكون جزءا من طريق الحرير المار بالأراضي العراقية. وهي مشاريع عملاقة ستعزز من رصيد الكاظمي الشعبي إذا ما تم انجازها، ناهيك عن اطلاق المنحة التركية للعراق والتي وعدت بها في مؤتمر المانحين بالكويت ومقدارها 5 مليار دولار. فيما يندرج توقيع اتفاق انشاء مشروع الفاو الكبير مع شركة دايو الكورية، في نفس هذا الإطار. تزامنا مع نجاحات محدودة سنلاحظها في الأشهر المقبلة، على مستوى علاقات العراق الاقتصادية مع السعودية.
بالمقابل فإن الأطراف العراقية الموالية لإيران، ستقف بالضد من كل تلك المشاريع، لأنها بالمحصلة ستحد من الفوائد الاقتصادية الإيرانية. ففي الوقت الذي نجحت تلك الأطراف في إفشال عدد من المشاريع الاستثمارية السعودية في العراق، ستسعى بذات الطريقة لتقويض فرص تركيا الاستثمارية ايضا، وتعطيل مشاريع كوريا الجنوبية في ميناء الفاو، وستقف حجر عثرة أمام أي انجاز يحاول الكاظمي تحقيقه في الفترة المقبلة. أما فيما يتعلق بالحراك الجماهيري والتظاهرات الشعبية بوسط وجنوب العراق، فإن من المرجح أن تتصاعد مرة أخرى بعد أن أصابها الضعف بسبب الضربات القوية التي تلقتها من جانب المليشيات الولائية. لكن التصعيد هذه المرة، يرجح له أن يتخذ من رجل الدين “علي السيستاني” وفصائل “حشد العتبات”، كحامي لتحركات المتظاهرين، كما أن الكاظمي سيدعم توجهات المتظاهرين هذه المرة، لأنها ستكون بالضد من خصومه الولائيين، مما يصب في خدمته سياسيا.

الانقسام الكردي سيستمر
أما فيما يتعلق باللاعب السياسي الكردي، فإن من المرجح استمرار الانقسام الكردي وتفاقمه، لا سيما بين الحزبين الرئيسيين. ويعود سبب ذلك الى فشل وصول القيادات الكردية إلى حل ناجح مع الحكومة المركزية بما يتعلق بحصتها من الميزانية العامة ورواتب موظفيها. وسيحفز هذا الفشل، على خروج الجماهير الكردية مرة ثانية بتظاهرات واحتجاجات شعبية مناهضة لحكومتهم المحلية. بل ويمكن أن تتجدد المطالبات السياسية والشعبية، بربط رواتب موظفي إقليم كردستان بالوزارات الاتحادية، للتخلص من الحلقة الوسط المتمثلة بحكومة الإقليم. ومن شأن ذلك كله إذا ما تحقق، تقويض سلطة الإقليم لحساب دعم سلطة المركز في بغداد، وهو هدف تنشده بغداد بقياداتها السياسية الشيعية، على اختلاف توجهاتها.
وسيساعد من حدة الانقسام الكردي، تواجد حزب العمال الكردستاني في مناطق إقليم كردستان. لأن من المرجح أن تشهد الأشهر القادمة، عمليات عسكرية مشتركة ما بين القوات الحكومية وقوات البيشمركة التابعة لمسعود بارزاني، وبمساعدة جوية ولوجستية واستخباراتية من الجانب التركي ضد أماكن تواجد حزب العمال. بنفس الوقت فإن من المتوقع أن تقوم إيران بالانحياز إلى صالح الأحزاب الكردية الداعمة لحزب العمال وتقوم بدعمها، والمتواجدة في المناطق المحاذية لإيران (محافظتي السليمانية وحلبجة). هذا الأمر ربما سيسفر عن صراع حقيقي يهدد بانقسام سياسي وجغرافي للمناطق الكردية، ما بين سلطة البارزاني وسلطة الطالباني.

الأحزاب السنية ستبقى عنصرا سياسيا غير فاعل
الأحزاب السنية فقط ستبقى هي الأقل نشاطا على الساحة السياسية العراقية خلال الفترة القادمة. ويرجح أن تستمر صراعاتهم الداخلية، في الوقت الذي سيكون تفاعلهم مع ما يحدثه الفاعلين الأساسيين (الشيعة والكرد) بسيطا وغير مؤثر. وسيستمر عجزهم عن الدفاع عن مصالح مكونهم. وهناك توقعات بتراجع دورهم شيئا فشيئا، في مقابل تصاعد دور الموقف الشعبي السني، الذي يفوق حاليا في طروحاته موقف الأحزاب السنية. ومثال ذلك ما فعله الموقف الشعبي السني من تأثير فاعل على مستوى دفاعهم عن أوقاف السنة التي كانت هناك محاولات لمصادرة العديد منها مؤخرا.
من جهة أخرى، يرجح أن يفشل محمد الحلبوسي رئيس البرلمان الحالي، في الحفاظ على زعامته للمكون السني رغم جهوده في شراء العديد من النواب السنة. ومرد ضعفه يعود إلى خلافاته مع داعميه السياسيين السابقين من الكرابلة (محمد الكربولي وجمال الكربولي)، وانزعاج داعميه الخليجيين. وهذا يجعلنا نرجح عدم وصوله للبرلمان مرة أخرى في الانتخابات القادمة. أما باقي الأحزاب السنية، فإن المتوقع هو استمرار قيامهم بالدور الذي يقومون فيه، كظل للأحزاب الشيعية خلال الأشهر القادمة، واستمرار خلافاتهم الداخلية، إلا إذا اسفرت المصالحة الخليجية، وكذلك المصالحة السعودية – التركية، عن توحيد لمواقف دول الخليج مع الموقف التركي في دعمِهم للأطراف السنية وباقي الأطراف العراقية غير الموالية لإيران. لكن يبقى هذا الاحتمال غير مؤكد، لا سيما في ظل وجود تنافس تركي – خليجي على العراق اقتصاديا حتى وقتنا الحالي.
وعلى هذا، فإن من غير المتوقع أن يحدث شيء كبير في الساحة العراقية يعود بالنفع لصالح الشعب العراقي خلال فترة الربع الأول من السنة الحالية، وسيبقى العراق مفتوحا لجميع الاحتمالات، بعد الانتخابات المبكرة القادمة في حزيران القادم.

مقال خاص براسام