د. عمر حامد شكر

شهد العراق بعد غزوه واحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والمتحالفين معها، عملية سياسية غير مسبوقة، أسستها أميركا ودعمها منذ ذلك الوقت ولغاية الآن. حيث تم بتاريخ يوم 13 يوليو/ تموز 2003 تأسيس ما سمي في ذلك الوقت بـ (مجلس الحكم العراقي) على أسس طائفية وعرقية وبقرار من الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر.
عُرف عن هذه العملية السياسية في العراق مبدأ “المحاصصة” أو مصطلح “لبننة” العراق، على غرار النموذج السياسي اللبناني القائم على تقاسم السلطة بين طوائف المجتمع اللبناني. كما بات مصطلح “العرقنة” إشارة إلى مبدأ المحاصصة المعمول به في عراق ما بعد 2003، والحالة الأمنية المتدهورة، يضرب فيه المثل، في المقالات والتحليلات على بعض الدول، ومنها لبنان نفسها، فبعد التفجيرات والاغتيالات والسيارات المفخخة التي شهدتها لبنان، خاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق في فبراير عام 2005، بات حال لبنان أشبه بحال العراق.

الانتخابات الرئاسية التركية ومرشح الطاولة المستديرة
بعد غد تنتظر تركيا انتخابات رئاسية وبرلمانية، تعتبر منعطفا تاريخيا في الحياة السياسية التركية، فإما أن يفوز مرشح تحالف “الجمهور”، الرئيس “رجب طيب أردوغان” بولاية رئاسية جديدة، وإما أن يخسر ويفوز أحد مرشحي المعارضة الثلاثة، وعلى رأسهم مرشح تحالف “الأمة” مرشح الطاولة السداسية، “كمال قليجدار أوغلو” لتتشكل حياة سياسية جديدة في تركيا. حيث تشير استطلاعات الرأي التركية أن “قليجدار أوغلو” هو المنافس الفعلي لـ”رجب طيب أردوغان”، وخاصة مع انسحاب المرشح “محرم أنجه” من السباق الرئاسي التركي.

وقد أعلنت الطاولة السداسية خارطة طريقها فيما لو فازت في الانتخابات المقبلة، ومن أبرز هذه المواد، أن تُدار تركيا في المرحلة الانتقالية عبر التشاور والتوافق، وأن يكون رؤساء الأحزاب الخمسة المتحالفين مع مرشح الطاولة السداسية “كمال قليجدار أوغلو”، نوابا لرئيس الجمهورية، وسيتم توزيع الحقائب الوزارية بين أحزاب الطاولة.

تعيين وإعفاء الوزراء، سيكون من خلال التشاور مع رؤساء الأحزاب، قرارات رئيس الجمهورية، مثل إعادة الانتخابات، وإعلان حالة الطوارئ، وسياسات الأمن القومي، والقرارات الرئاسية، تتم بالتوافق مع قادة الأحزاب، وتعيين رئيسي بلدية أنقرة وإسطنبول نائبين لرئيس الجمهورية، في الوقت الذي يراه الرئيس مناسبا، وضمن واجبات محددة.

هنا يمكن القول إنه في حال فاز مرشح الطاولة السداسية “كمال قليجدار أوغلو”، فستكون فترته مضطربة وغير مستقرة في حال تم الالتزام بهذه المواد، لأن الحكومة ستكون قائمة على التوافق في اتخاذ القرارات المصيرية، كما أن هذا الأمر سيشكل عثرة أمام رئيس الجمهورية، حيث لن يكون قادرا على اتخاذ أي قرار دون الرجوع إلى باقي الزعماء الخمسة في الطاولة.

وفي حال فوزه سيكون شكل الحكومة قائما على “المحاصصة” بين قيادات الطاولة السداسية، من خلال تقاسم السلطة، وهنا يمكن القول إن هذه الحالة ستكون أشبه بالوضع السياسي في العراق، القائم على تقاسم السلطة.

إن “تركيا دولة أكبر من أن يحكمها رئيس يتصرف بناء على أوامر الطاولة السداسية”، هكذا صرح الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، في إشارة لرفضه لخريطة طريق الطاولة السداسية. التي يمكن أن تضع الدولة التركية في مهب الريح والتهديد لكيانها القائم.

إن حضور الخطاب المذهبي والعنصري في الحملة الانتخابية للمرشح “كمال قليجدار أوغلو” زعيم الحزب الجمهوري العلماني، بقوله “أنا علوي”، والذي أثار الاستغراب لدى الكثير من الأتراك، فمن المعروف عن هذا الحزب تطرفه العلماني، فكيف يتم الحديث عن المذهب في حملته الانتخابية؟! يشير إلى أن عقلية المذهب حاضرة في هذه الانتخابات لاستمالة اتباع هذا المذهب، حيث تشير الأرقام أن نسبة العلويين في تركيا تصل إلى نحو 16% من مجموع السكان. بينما ينتمي نحو83% منهم للمذهب السني.
إن هذا الخطاب يذكرنا بخطاب بعض السياسيين ورجالات الدين في العراق الذين يلعبون على وتر المذهب وحقوقه المسلوبة دون تحقيق الحياة الكريمة لهم على مدى عشرين عامًا من حكمهم باسم المذهب، خاصة قبيل كل انتخابات برلمانية. وهنا نطرح تساؤلاً، هل تأثر بعض مرشحي الطاولة السداسية بالخطاب الطائفي لبعض زعامات عراق ما بعد 2003؟ الإجابة يجب أن تكون من أفواه مرشحي الطاولة السداسية وليس منا.

ربما يقول قائل: “إن زعامات الطاولة المستديرة لا يشبهون الزعامات السياسية التي عرفها العراق بعد 2003، فهؤلاء عاشوا في تركيا ولهم تجربة سياسية سابقة في عهد حكومات “حزب العدالة والتنمية” وما قبلها، فمنهم من تولى مناصب وزارية ومنهم أعضاء في البرلمان”، وربما يضيف القائل: “إنه من غير الممكن أن تشهد تركيا حياة سياسية قائمة على الطائفية على غرار المشهد العراقي، كونها دولة ديمقراطية وعلمانية”. وكما هو معروف الأمثال تضرب ولا تقاس، والدراسات المقارنة ليس بالضرورة أن تكون بين حالتين متشابهتين أو أكثر، بل هي وجدت لمعرفة نقاط الاتفاق والاختلاف بين الحالتين محل الدراسة. وعليه إن الالتزام ببنود خارطة الطريق التي اتفق عليها زعماء الطاولة المستديرة، في حال فوز مرشحهم، سيعيد التساؤل مرة أخرى، هل ستشهد تركيا “محاصصة” و”عرقنة” على غرار النموذج العراقي؟ كل هذا مرتبط بنتائج الانتخابات الرئاسية القادمة في الـ 14 من مايو/ أيار الحالي.

مقال خاص براسام