إن تطور الاحداث في العراق دفعت الكثير من المراقبين والنخب العراقية للمراهنة على الانتخابات البرلمانية القادمة في6حزيران عام2021،لتغير الوضع القائم في العراق، كما يعتبرها البعض بأنها قد تشكل محطة مفصلية في تاريخ العراق، لوجود متغيرات كثيرة طرأت على المشهد العراقي، والتي يمكن أن تؤدي الى تغير حقيقي في الخارطة السياسية، بعد أن هيمنة الطبقة السياسية الفاسدة على المشهد العراقي طوال الفترة الماضية، خصوصاً وإن هناك حراك شعبي مستمر ومتصاعد نجح في الاطاحة بحكومة “عادل عبد المهدي”، ودفع الأحزاب والكتل السياسية التقليدية الى حراك محموم وغير مسبوق خوفاً على نفوذها من تطورات الاحداث، كما دفع البرلمان لإقرار قانون جديد للانتخابات، وكذلك تعيين مفوضية مستقلة جديدة للانتخابات.
إن جميع هذه التغيرات في المشهد السياسي دفعت الكثير الى التفاؤل المبالغ فيه، لأنهم تغافلوا عن الكثير من الحقائق التي يجب الوقوف عندها، ومنها إن بنية النظام السياسي الطائفي الحاكم في العراق لا تسمح بأجراء أي تغير من الداخل، لأسباب كثيرة منها طبيعة المنظومة السياسية الحاكمة، وارتباطاتها الخارجية، واختلافاتها السياسية الداخلية، التي قسمت ومزقت البلد على أساس عرقي وطائفي، بسبب مبدأ المحاصصة الطائفية التي قامت عليها العملية السياسية بعد عام2003، وبسبب التراكمات والتحديات السياسية، و الاقتصادية، والامنية، والمالية، والصحية التي خلفتها الحكومات الفاسدة السابقة التي تعاقبت على حكم العراق الى يومنا هذا.
إن المشهد السياسي العراقي سيشهد صراعاً محموماً بين الكاظمي والاحزاب السياسية التقليدية التي ستعمل على أسقاطه وأضعافه وتهميشه، بدأً من عدم إجراء الانتخابات في موعدها الذي حدده الكاظمي في6 حزيران عام2021، وصولاً الى محاولة احتوائه لبعض قيادات الحراك الشعبي لتشكيل عدد من الأحزاب السياسية لخوض الانتخابات القادمة، وهنا نقول بأنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن ضياع الاهداف التي أنطلق من أجلها الحراك الشعبي؟، كما نود أن نشير الى إن تحديد موعد الانتخابات ليس من صلاحية رئيس الوزراء حسب المادة(64)، من الدستور العراقي، والتي تنص على إن حل البرلمان يتم بتقديم بطلب من ثلث أعضائه، أو بطلب من رئيس الحكومة، وموافقة رئيس الجمهورية، ثم يتم التصويت على حل البرلمان بالأغلبية المطقة، ثم يطلب رئيس الجمهورية بعد حل البرلمان تحديد موعد للانتخابات المبكرة القادمة خلال(60)، يوماً علماً إن اللجنة القانونية في البرلمان الحكومي رفضت الاعلان الذي حدد فيه رئيس الوزراء موعد الانتخابات القادمة، وقالت أنه ليس من صلاحياته الدستورية، وهذا سيكون التحدي الأول، أما التحدي الكبير فهو في عدة أمور منها هل سيصوت البرلمان على حل نفسه؟، خصوصاً وأنهم يعلمون أنهم غير واثقين من العودة اليه مرة أخرى!، والأمر الأخر هل سترضى الكتل السياسية بالموعد الذي حدده رئيس الوزراء أم سيكون له رأي أخر؟.
إن استمرار الحراك الشعبي في مدن الجنوب العراقي، والعاصمة بغداد، منذ تشرين الماضي أحداث انقلاباً وانقساماً كبيراً في الشارع العراقي، بالرغم من عدم ظهور قيادة موحدة لهذا الحراك الشعبي تبين أهدافه، وأسباب انطلاقه، ومشروعه المستقبلي، وخياراته الاستراتيجية في التعامل مع الوضع العراقي، الأمر الذي عقد الوضع بشكل كبير، وخلط الأورق، وأضعف من قوة الحراك بشكل كبير، وهنا لابد أن نشير الى المحاولات المتعددة لاحتواء هذا الحراك المقلق للطبقة السياسية الحاكمة، والذي هدد أركان النظام السياسي الشيعي الحاكم بقوة، والذي لم يتوانى عن استخدام القوة والعنف المفرط للسيطرة على هذا الحراك المقلق للنفوذ الايراني والميليشياوي بالعراق، بعد أن سقطت كل الشعارات التي كانت ترفعها هذا الطبقة السياسية والمسلحة حول الحاضنة الشعبية، وحماية المذهب، والطائفة، والمظلومية، بعد أن استخدمت القوة بقسوة لقمع هذه المظاهرات، التي نجحت في كسر حاجز الخوف، بعد أن قدمت الكثير من التضحيات، لذا فالتحدي كان ولا يزال خطيراً وكبيراً ، خصوصاً مع التواطؤ والضعف الحكومي، في حماية القتلة، والتستر على المجرمين الذين تلطخت ايديهم بدماء الابرياء من الشعب العراقي، كما إن مجريات الأحداث أظهرت فشل الحكومة في تحقيق مطالبهم المشروعة، كما فشلت أجهزتها الأمنية في توفير الحماية اللازمة للمتظاهرين.
لقد نجح الحراك الشعبي في أرباك المشهد وقلب الطاولة على الطبقة السياسية الحاكمة، وجعلها تتخبط بعد أن فشلت في احتواء الحراك أو السيطرة عليه، وبنفس الوقت فشل الحراك الشعبي في العراق في ظهور قيادة موحدة تعمل على فرض واقع سياسي جديد، بعد أن تأمرت عليه قوى داخلية وخارجية متعددة لأنهائه، وقد استطاعت القوى السياسية التقليدية الحاكمة أن تحتوي وتلتف على الكثير من قوى الحراك لإجهاضه بشكل كامل، باستخدام شتى الاساليب ومنها القوة المميتة، وما جرى من فض لساحات التظاهر في بغداد والبصرة وذي قار يعطي دلالة واضحة على ذلك، بعد أن فشلت الحكومة في حماية الحراك وتواطأت مع القتلة والمجرمين، وتسرت على جميع الجرائم التي ارتكبوها ضد قيادات الحراك، كما عملت الطبقة السياسية على شراء الكثير من الذمم لشخصيات مؤثرة بالحراك، وحسب التسريبات بأن هناك اتفاق جرى مع بعض قيادات المتظاهرين وبين حكومة الكاظمي التي دعتهم لترتيب أوراقهم من خلال تشكيل أحزاب وتكتلات سياسية لخوض الانتخابات القادمة لأجراء التغير المنشود، ولكن سرعان ما سيكتشف المتظاهرين وقيادات الحراك الكذب والخداع الذي تعرضوا له من قبل الكاظمي، ومن قبل قيادات دينية أخرى، وهي محاولة لأنهاء الحراك واحتوائه، وسيعود الحراك بقوة كما حصل في محافظة البصرة ومحافظة ذي قار التي رفضت هذا الاتفاق.
إن دخول لاعبين جدد للمشهد العراقي وبشكل علني للساحة السياسية والامنية بعد عام2014، عقد المشهد العراقي بشكل كبير، وجعلنا أما دولة موازية للدولة الرسمية التي فقدت زمام الامور في العراق، بسبب ضعفها وتواطؤها وعدم قدرتها على مواجهة هذه الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج نطاق الدولة، بحيث أصبحت هناك دولة فوق الدولة الرسمية هي من تدير الاوضاع السياسية، والامنية، والاقتصادية، وهي من تحدد وترسم سياسية الدولة الداخلية والخارجية، وهي قادرة على فرض أرادتها السياسية بقوة السلاح، كما حصل في كثير من الملفات مثل حادثة “البوعثية” في منطقة “الدورة”، واغتيال “الهاشمي” في بغداد، أو كما حصل في مخرجات الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد، أو حادثة عشيرة “العساكرة” في “الناصرية”، أو حتى حادثة قرية “الفرحاتية”، أو “المزاريع” في قضاء “بلد” بمحافظة “صلاح الدين”، أو أتفاق مدينة “سنجار” يضاف الى ذلك الاملاءات الخارجية والاقليمية التي تفرضها أيران، من خلال أدواتها السياسية والمسلحة والتي تتقاطع مع مصالح العراق العليا، وتتقاطع مع الرؤية الحكومية للدولة التي أذعنت واستسلمت بشكل كامل لإرادة الميليشيات المسلحة، التي بدأت تتعامل معها على أنها قوة قادرة وأمر واقع، وبدأت تتجنب الاصطدام بها، لأن من يملك السلاح بالعراق يملك السياسية، بعيداً عن الدستور، والقانون التي جمدت ووضعت على الرف، ولا تذكر أو تستدعى ألا بالأمور التي تتوافق مع رؤية هذه الميليشيات المسلحة.
لاشك إن هناك الكثير من العوامل التي ستتدخل بالانتخابات القادمة ومنها المال السياسي، والتمويل الخارجي، بالإضافة الى استخدام السلطة لمصالح شخصية وحزبية ضيقة من قبل الطبقة السياسية الحاكمة وسيكون لها الاثر الكبير على الانتخابات القادمة، وجميع هذه العوامل ستلعب دوراً مهماً في تغير نتائج الانتخابات المقبلة والتلاعب بها، لذا لا يمكن لنا أن نصدق بما يقوله الكاظمي، أو الذي يحاول أن يروج له بأنه ستكون هناك انتخابات نزيهة وشفافة، وأنها ستكون الفاعل الاقوى والاكبر في تغير الواقع المزرى الذي وصل اليه البلد، لذا فهو يلعب لعبة قذرة لاحتواء وانهاء الحراك الشعبي من جهة، وكسبه لدعمه في الانتخابات من جهة أخرى، علماً أنه وقف عاجزاً عن نصرة الحراك وحمايته، لذا فالمعركة ستكون محتدمة ومبكرة بين الكاظمي وبين الكتل والاحزاب السياسية كلما تقربنا من الانتخابات القادمة، ورأينا كيف تم تعطيل الموافقة على قانون الاقتراض لدفع رواتب المتقاعدين والموظفين رغم تمريره.
قد يتوهم الكثير إن تغير الوضع السياسي القائم سيكون من خلال الانتخابات المبكرة، أو من خلال تعديل قانون الأحزاب، أو أصدر قانون انتخابات جديد، أو تعين مفوضية مستقلة للانتخابات القادمة، ولكنه يتناسى أو يتغافل عن الحقيقية المرة التي لا يريد البعض أن يقر بها، وهي إن أحزاب الاسلام السياسي التي تتحكم بالمشهد السياسي العراقي لن تسمح بتغير الوضع القائم بهذه السهولة ومهما كانت النتائج مكلفة، كما إن النفوذ الخارجي الايراني كبير ولن يسمح لأي طرف بتغير المعادلة القائمة على الارض، لأنها هي تتحكم بالوضع العراقي وحسب مصالحها، ومن خلال أدواتها التي وظفتها سياسياً، وعسكريا، وأمنيا، واقتصادياً، وهي قادرة على فرض ارادتها بقوة السلاح على الوضع القادم لذا لن تقبل المساس بنفوذها من قبل أي جهة كانت.
إن التغيير الحقيقي الذي ينشده المواطن العراقي سيواجه تحديات متعددة، كما يحتاج الى أرادة سياسية قادرة على إصدار قرارات، واليات، وقوانين، تنفذ على الجميع ويتم الالتزام بها، كما نحتاج الى مشروع سياسي وطني جامع واضح الأهداف، كما يحتاج الى تغيرات سياسية حقيقية في بنية الهيكل السياسي للدولة، وعلى أساس مصالح العراق أولاً، وهذا يجب أن يتضمن كتابة أو تعديل الدستور وأنهاء المحاصصة الطائفية التي قامت عليها العملية السياسية، كما يحتاج لتغير الطبقة السياسية الفاسدة التي حكمت العراق وأوصلته لدولة فاشلة، كما أنه يحتاج الى إصلاحات أمنية، وعسكرية، وقضائية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وصحية، ويحتاج الى تغيرات فكرية لمعالجة الوضع الطائفي المزرى الذي وصل أليه العراق بفضل هذه العملية السياسية البائسة، كما نحتاج لمعالجة ملف الفساد المالي والإداري المستشري بدوائر الدولة، كما نحتاج الى وقف ومنع وتجريم التدخلات والارتباطات الخارجية للأحزاب السياسية، والميليشيات المسلحة، كما نحتاج الى أرادة سياسية وقدرات عسكرية لحصر السلاح بيد الدولة، ومحاسبة الميليشيات التي تعمل خارج نطاق القانون، مهما كانت ارتباطاتها وانتمائها السياسي، لذا فلا يمكن الحديث عن انتخابات قادمة يمكن أن تغير الوضع العراقي مع جميع هذه التحديات.
إن الذي ينشد التغير في العراق ويريد المشاركة بالانتخابات القادمة يجب عليه أن يتأكد من إن المشاركة في الانتخابات ستؤدي الى التغير الفعلي والحقيقي لمعالجة الأوضاع السيئة التي يمر بها العراق، ولن تكون خطوة لإعطاء الشرعية للأحزاب الفاسدة للعودة مرة أخرى للمشهد السياسي، كما عليه أن يتأكد إن هذه الانتخابات ستكون نزيهة وشفافة وخارج تأثير السلاح، والمال السياسي، والتدخلات الخارجية، ولن تشهد أي عمليات تزوير، وهذه لا يمكن التأكد منها بسبب ضعف الحكومة، وعدم وجود قوانين رادعة، وبسبب وجود دولة موازية تمتلك سلاح منفلت يعمل خارج نطاق الدولة، لذا فجميع المؤشرات تشير الى إن النظام السياسي سيعيد أنتاج نفسه من جديد مع تغيرات بسيطة في المشهد العراقي، لسحب البساط والشرعية من الساحات المنتفضة، ولكي يبررون استخدام القوة ضد هذه الساحات بعد الانتخابات، لذا فهناك مؤامرة كبيرة تحاك ضد الحراك الشعبي يقودها الكاظمي والاحزاب السياسية الحاكمة لأنهاء الحراك لذا يجب الانتباه اليها.
إن وعود الكاظمي بالتغيير من خلال اجراء الانتخابات في موعدها المقرر هو سراب لا حقيقة له، فالانتخابات يمكن لها أن تغير في الاسماء والمناصب، ولكنها لن تغير النظام السياسي الحاكم، كما إن من يسمع الطبقة السياسية تتكلم عن القوانين الصادرة لترتيب الانتخابات المبكرة القادمة يقول إن هذا البلد يحكمه القانون والدستور ولا أحد يتجاهلها أو يتجاوز عليها، وعلى القوانين التي صدرت وهي كثيرة، فمثلاً الدستور التي أقرته الاحزاب السياسية الحاكمة لا تلتزم به، ولا بالكثير من القوانين الأخرى التي تم تشريعها، ألا بالقدر الذي يتوافق مع توجهاتهم وأهدافهم فقط، لذا يتم التجاوز عليها من قبل الجميع، فما الذي يجعلنا نعول هذه المرة على القوانين التي صدرت بأنها ستغير الوضع العراقي؟، وكيف لنا أن نعول على إن الجميع سيلتزم بما سيصدر من قوانين ونتائج ونحن نرى الميليشيات كل يوم تخرق القانون، والدستور، والقضاء، وتتجاوز على الحكومة؟، فلا يمكن للكاظمي أو الطبقة السياسية أن تستغفلنا مرة أخرى.
وفي الختام نقول بأن الكاظمي كذب وأخلف عندما أطلق وعوده في معالجة ملفات كثيرة ومنها: حصر السلاح بيد الدولة، وفرض القانون وهيبة الدولة، واستعادة سيادة الكاملة، كما وعد بفتح ملف الفساد المالي، وتقديم قتلة المتظاهرين للقضاء، بعد أن قال خلال زيارته لمجالس العزاء لكثير من الناشطين والشخصيات القيادية التي تعرضت للاغتيال على يد الميليشيات بأنه ولي الدم، وأنه سيقدم القتلة لينالوا جزائهم العادل، ولكنه فشل في تنفيذ جميع هذه الوعود بسبب سطوة الاحزاب والميليشيات المسلحة على الوضع العراقي، فكيف لنا أن نصدق بما يوعد به الأن؟، من إن الانتخابات القادمة ستكون نزيهة وأنها ستغير الوضع القائم في العراق!، علماً إن هناك ملفات كثيرة يمكن أثارتها ضد الكاظمي ومنها الازمة المالية، وعدم قدرة حكومته على دفع الرواتب، وهذا يعني أنه سيكون هناك مظاهرات تشرينية خاصة بالموظفين، وهنا سيتعرض الكاظمي لخسارة كبيرة على جميع المستويات.

