أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
طويت مسألة الصراع والمنافسة الألمانية – البريطانية فيما يتعلق بمشاريع السكك الحديدية إبان نشوب الحرب العالمية الأولى، لتبدأ مسألة جديدة تمثلت بانفراد بريطانيا بتنفيذ هذه المشاريع خدمة لأهدافها الاستعمارية ومصالحها.
لذا سنتحدث عن سكك الحديد أثناء الاحتلال البريطاني للعراق (1914 – 1918م).
أولى الاحتلال البريطاني أهمية لمشاريع السكك الحديدية لغرض تسهيل نقل القوات العسكرية والمؤن، لا سيما بعد هزيمة القوات البريطانية في معركة الكوت في كانون الأول 1015م، تلك الهزيمة التي أفرزتها، وعلى حد قول جون نكسن (Niexon John) (قائد القوات البريطانية آنذاك) عدة أسباب منها: رداءة طرق المواصلات وطول خطوط الإمدادات والنقص الذي كانت تعانيه القوات البريطانية في المؤن والمعدات لعدم وصولها في الوقت الملائم، ولمعالجة هذه المعاناة في طرق المواصلات، طرحت فكرة إنشاء السكك الحديدية في العراق لأول مرة من قبل آرثر بارت(ِArther Bart) – قائد القوات البريطانية في البصرة، إذ اقترح مد سكة حديد إلى الناصرية للمساعدة في حل القضايا التموينية لقوات الاحتلال، لكن حكومة الهند لم تشجع الموضوع، وتكررت المحاولة عندما تولى (جون نكسن) شؤون القيادة الذي أكد على حكومة الهند بضرورة تزويد الجيش البريطاني بسكة حديد لمدها إلى الناصرية لأغراض عسكرية وسياسية وتجارية، لكن حكومة الهند لم توافق على ذلك حتى عام 1916م أعلنت بريطانيا عن تاسيس مديرية للسكك الحديدية والتي اختير لادارتها أحد منتسبي مصلحة السكك الحديدية الهندية ويدعى ح. وايت (H. Cwhit) وتزامن هذا الإجراء مع تولي وزارة الحرب البريطانية مهمة الإشراف على حملة العراق بدلا من حكومة الهند.
كان أول إجراءات بريطانيا في هذا المجال هو إرسال قوات عسكرية مجهزة بالقاطرات البخارية مع خطوط السكك الحديدية والوسائد الخشبية، حيث وصلت أول شحنة إلى العراق في عام 1916م، وبوشر بمد أول خط حديدي عند رصيف ميناء البصرة، كما أرسلت بمعية هذه القوات كوادر إدارية وفنية والتي اشتملت على عدد من الضباط البريطانيين والهنود وبنحو (150) عاملا فنيا في اختصاص مد ورص الألواح فضلا عن وجود معاون مفتش وثلاث (سواق قاطرة) وناظرين فنيين للعربات والقاطرات، وقد تفرع من هذا الخط الحديدي عددا من الخطوط الفرعية التي ربطت بين المعسكرات البريطانية ومخازن التجهيز التي وصلت أطوالها إلى 30 كم.
وفي 22 نيسان 1916م صدرت الأوامر من وزارة الحرب البريطانية بمد سكة حديد البصرة – الناصرية والتي غدت العمود الفقري للسكك الحديدية العراقية، ومن الجدير بالذكر أنه قد واجه مهندسي السكك صعوبات ومشاكل عديدة، كان في مقدمتها عدم القدرة على اجراء المسح الفني لبعض المناطق نتيجة للهجوم الذي كانت تتعرض له هذه الفرق من قبل بعض العشائر ولا سيما عشيرة ابن الرشيد وعشائر أخرى إلى جانب الضغوطات التي مارستها القيادة العسكرية والتي كانت تلح على انهاء الخط – وبمقتضى الضرورة العسكرية – بأسرع وقت ممكن.
وعلى ما يبدو كانت هناك عوامل أخرى كان لها تأثيرها في تحديد اتجاه هذا الخط، منها السيطرة على مصادر المياه – ولا سيما الابار – بغية تحقيق هدفين رئيسيين، أولهما تأمين احتياجات القوات العسكرية البريطانية من مياه الشرب، وثانيهما القضاء على انتفاضات القبائل العراقية الثائرة، ومن جانب آخر تجاوز القائمون على مد هذا الخط المناطق المعرضة للفيضانات.
أنجزت الفرق البريطانية العاملة هذا الخط في 29 كانون الاول 1916م، على الرغم من الصعوبات الكثيرة التي جابهتها، وكان الخط بطول (212) كم، حيث اتسم بقلة تكاليفه قياسا إلى بقية المشاريع التي تم إنجازها وذلك لسهولة الأرض وانبساطها مما جعلها سهلة المراس، فضلا عن ندرة الأنهر والقنوات التي كانت تحتاج إلى إقامة القناطر مما سهل مد السكة.
وكإجراء مكمّل فقد أقيمت عدة مراكز شرطة أوكل اليها مهمة حماية خطوط السكك الحديدية ومحطات القطار التي تم إنشاؤها وبأعداد متفاوتة من منطقة إلى أخرى، وبسبب حاجة القوات البريطانية المحتلة للأحجار وباقي المواد الأولية في جبل سنام والتي يمكن الاستفادة منها في بناء الخطوط الحديدية، فقد بوشر بإنشاء خط فرعي من سكة حديد بصرة – ناصرية، وهوخط بصرة – زبير – جبل سنام بطول 37 كم وبنظام (متري)، لذا وصلت عدد المحطات بين الشعيبة والناصرية (24) محطة.
كان من المؤمل تحقيق الاتصال بين البصرة وبغداد، إلا أنه برزت ثغرتان حالتا دون ذلك، وخاصة في سكة حديد وادي الفرات، الأولى كانت بين الحلة ومفرق أور والتي تأجل إنجازها إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتذرعت القوات البريطانية المحتلة التأجيل بعدم إمكانية توفير مستلزمات إنجاز هذا الخط. أما الثغرة الثانية فكانت بين بغداد والحلة، حيث بوشر بانجازها في مطلع عام 1918م، وبطول (97,5) كم وبمقياس (عريض)، وتفرع عن هذا الخط خط فرعي آخر ربط ما بين مدينة الحلة والكفل، حيث استهدفت قوات الاحتلال من إنشائه تحقيق عدة أهداف منها: إحكام سيطرتها على المنطقة فضلا عن تأمين نقل حاجة جيش الاحتلال من المحاصيل الزراعية من الكفل إلى الحلة ومن ثم إلى بغداد.
أما بالنسبة لخطوط السكك الحديدية على محور نهر دجلة، فقد واجهت قوات الاحتلال، صعوبات عدة أثرت سلبا على سرعة انجاز الخطوط، يقف في مقدمتها كثرة الأنهار وصعوبة وصول السفن البحرية المحملة بمواد السكك الحديدية إلى القرنة، ناهيك عن صعوبة تأمين الأيدي العاملة، لكن الضرورات العسكرية الملحة أجبرت بريطانيا على تجاوز هذه الصعوبات ومحاولة البدء بتنفيذ عدد من خطوط سكك الحديد.
بدأت المرحلة الاولى من السكك الحديدية التي تم إنشاؤها على نهر دجلة في آيار 1917م، تم خلالها إنشاء خط حديدي ما بين القرنة والعمارة، وفي أعقاب إخفاق القوات البريطانية المحتلة في السيطرة على الكوت، فقد ابتدأ العمل بإنشاء خط لسكة الحديد بين الكوت وبغداد على الضفة اليسرى من نهر دجلة، والذي بدأ العمل فيه في أيار 1917م، وانتهى العمل به أواخر نفس العام، كما هو الحال بالنسبة لباقي الخطوط، فقد تم إنشاء عدد من المحطات ومنها محطة الهنيدي في بغداد (قرب معسكر الرشيد) والتي استخدمت معملا لتصليح القاطرات ومخزنا للمواد الإنشائية. ومن الجدير بالذكر أنه – لضرورات عسكرية بحتة – مد هذا الخط إلى منطقة شيخ سعد – السدة (سنبات) على بعد ثمانية أميال شرق الكوت منها قرية عتاب على بعد 10 أميال جنوب الكوت باتجاه نهر الفرات وذلك عام 1917م، حيث بلغ طول هذا الخط 30 ميلا.
بعد إتمام مد خط الكوت – بغداد لم يبق من مشروع بصرة – بغداد على نهر دجلة سوى مرحلتين: الأولى بين القرنة والبصرة التي تم إنشاؤها، والثانية لم يتم إنجازها وهي المسافة الواقعة بين العمارة والكوت، حيث بررت سلطات الاحتلال عدم إنجازها بقلة المواد الإنشائية وعدم توفر الأيدي العاملة، وقد تم إلغاؤه نهائيا واستعاضت عن السكك الحديدية باستخدام وسائل النقل النهري.
ومن الخطوط الأخرى التي تم إنجازها هو خط بغداد قره غان (جلولاء حاليا) – كفري الذي انتهى العمل به في حزيران عام 1917م، وكان من المقرر لهذا الخط أن يصل إلى الحدود الإيرانية لكن العمل تأخر إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الاولى.
بعد احتلال الفلوجة في 19 آذار 1917م، قامت قوات الاحتلال البريطاني بتشييد خط للسكك الحديد يصل بين بغداد والفلوجة، وعلى الرغم من أن خط سكة حديد بغداد – فلوجة من محور نهر دجلة، لكنها كانت لخدمة الفعاليات العسكرية على محور نهر الفرات، ثم جرى تمديد الخط إلى سن الذبان وقد بلغ طول الخط (66,8) كم، وأنشأت على طول هذا الخط ثماني محطات، وهي: بغداد، الكاظمية، التاجي، خان المشاهدة، سميكة، بلد، سامراء.
وفي الوقت نفسه تم إكمال الخط هذا الذي أنشأته ألمانيا بين بغداد وسامراء ومنه إلى تكريت ثم بيجي وصولا إلى الشرقاط، كما تم إنشاء العديد من المحطات بين الشرقاط وبيجي، وسامراء وبيجي، وتكريت وبيجي.
في الحلقة القادمة سنعرض نظرة نقدية لواقع السكك الحديدية في العراق (1914 – 1918م)، هل كانت من أجل خدمة العراق أم لتحقيق مصالح بريطانيا وأهدافها وخاصة العسكرية منها.
المصادر المعتمدة:
1 – سر أرنولد ويلسون، بلاد ما بين النهرين بين ولائين، ترجمة فؤاد جميل، الجزء الاول، (بغداد، 1969م).
2 – جير ترودبيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر الخياط، (بيروت، 1971م).
3 – شكري محمود نديم، حرب العراق 1914 – 1918م، (بغداد – 1954م).
4 – طه الهاشمي، مفصل جغرافية العراق، (بغداد، 1930م).
5 – غسان العطية، العراق نشأة الدولة 1918 – 1921م، تقديم حسين جميل، ترجمة عطا عبد الوهاب (لندن، 1988م).
مقال خاص براسام

