إن الغضب من قرار الرئيس ترمب بالعفو عن أربعة مرتزقة أمريكيين قتلوا 17 شخصًا في بغداد قد يجلب شكلاً من أشكال الراحة لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي والنخبة السياسية العراقية، على الأقل بالنسبة لهذه الأخبار، حيث سيكون الناس أكثر غضبا على ترمب من غضبهم على الطبقة السياسية العراقية الحاكمة.
إلا أن إهانة وظلم العفو عن حراس بلاكووتر لن يصرف انتباه العراقيين لفترة طويلة عن الضرر والإهانات التي ألحقها بهم قادتهم. حيث سيعود تركيز الناس قريباً، بعد أن شرّد قليلا في أحداث مذبحة ميدان النسور المروعة بخريف عام 2007 ، إلى حقائق اليوم المروعة، وآفاق العام المقبل الكئيبة.
خفضت الحكومة قيمة الدينار العراقي بنحو 20٪ مقابل الدولار. وبذلك يمكن للحكومة أن تحصل على المزيد من الدينارات من صادراتها النفطية المقومة بالدولار، والتي تسدد 90٪ من نفقات الدولة. دافع الكاظمي عن تخفيض قيمة العملة – وهو الأول منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 -، بالقول إنه كان “خطوة استباقية” للسيطرة على التضخم. لكن معظم العراقيين يواجهون الآن ارتفاعًا حادًا في تكلفة المعيشة، لأن الكثير مما يستهلكونه، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية، يتم استيراده بمشتريات مقومة بالدولار.
لا تزال هناك أخبار أكثر كآبة في مشروع ميزانية 2021 التي أقرتها حكومة الكاظمي مؤخرا وتنتظر موافقة البرلمان. كان الاقتراح الذي لا بد أن يحظى باهتمام كبير هو فرض ضريبة جديدة على دخول موظفي القطاع العام من المستوى المتوسط والكبار. سعى رئيس الوزراء إلى تخفيف وطأة هذا القرار وذلك بخفض راتبه بنسبة 40٪، وراتب الوزراء وأعضاء البرلمان بنسبة 30٪. إلا أن السكان الذين يعتبرون الطبقة السياسية بأكملها فاسدة بشكل لا يمكن إصلاحه من غير المرجح أن يتم تهدئتهم بهذه الإجراءات.
يواجه موظفو القطاع العام ضربة ثلاثية: فالحكومة التي تكافح من أجل دفع رواتبهم قد خفضت قيمة دخلهم، وبالنسبة للموظفين من المستوى المتوسط والكبار، تقترح اقتطاع نسبة 15٪ بشكل ضرائب. يُذكر أن الدولة العراقية هي أكبر رب عمل في البلاد، حيث يوجد نحو 4 ملايين شخص في القوائم الحكومية و 3 ملايين متقاعد. ومليون شخص آخر ضمن الضمان الاجتماعي.
لقد امتد الغضب المتضخم في القطاع العام فعليا إلى الساحات العامة، التي كانت مكتظة بالمحتجين المناهضين للحكومة منذ أكثر من عام. ففي وقت سابق من شهر كانون الأول ، فتحت قوات الأمن النار على موظفين حكوميين يطالبون برواتبهم في الشمال الكردي، مما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل.
ويشار إلى أن المتظاهرين قد سبق وأضرموا النيران في المكاتب الحكومية ومقار الأحزاب السياسية. حيث تستعد القيادة في بغداد الآن لمزيد من هذه الحرائق في جميع أنحاء البلاد. وسيوجه الكثير من الغضب إلى رئيس الوزراء، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى دعم من الشارع لدفع خطط الإصلاحات الاقتصادية الحيوية.
وعلى الرغم من كونه المسؤول الأول في الحكومة، إلا أنه لا يملك قاعدة سياسية خاصة به، ويمكنه أن يتوقع القليل من التضامن من الأحزاب السياسية العراقية، التي تعتمد على السيطرة على الوزارات والوكالات الحكومية للحفاظ على شبكات المحسوبية.
قد يكون الأسوأ من ذلك بالنسبة للكاظمي إذا استمرت أسعار النفط في الانخفاض وسط مخاوف من أن سلالات جديدة من فيروس كورونا ستطيل من الألم الاقتصادي. تفترض ميزانية العراق لعام 2021 أن النفط عند 42 دولارًا للبرميل. وحتى لو تركنا آثار الوباء جانباً، فقد يكون من الصعب الحفاظ على هذا السعر إذا خفف الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن العقوبات المفروضة على إيران ، مما سيسمح لها بزيادة صادرات النفط العام المقبل.
ويعتمد العراق بشدة على صادرات النفط في الإيرادات، وتقيده تخفيضات إنتاج أوبك من تصدير المزيد، ويشعر بالفعل بضغوط انخفاض الأسعار. تسعى الحكومة، وهي في حالة يأس، للحصول على مدفوعات مقدمة مقابل عقود طويلة الأجل. حتى الآن، وافقت شركة China ZhenHua Oil Co على ذلك، حيث وافقت على صفقة بقيمة 2 مليار دولار.
إلا أن ذلك لن ينقذ حطام الاقتصاد العراقي في 2020: ويعتقد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد قد انكمش بنسبة 12٪ هذا العام، وأن عجز الموازنة سيصل إلى 22٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وتتوقع الأمم المتحدة أن يتضاعف معدل الفقر في العراق إلى 40٪.
في ظل الاضطرابات السياسية القادمة، فإن التوقعات لعام 2021 ستكون أسوأ. وابتداءً من 21 كانون الثاني (يناير)، لن يكون لدى الكاظمي ترمب بعد الآن لتقديم تعهدات غير واقعية.
بنن بلومبرغ/بوبي غوش
ترجمة وتحرير: راسام

