الباحث : حسين صالح السبعاوي

مثلما تفلس الشركات والمؤسسات التجارية ماليا وتعجز عن تسديد ما بذمتها من أموال للعاملين والدائنين كذلك تفلس الأحزاب والقوى السياسية وتفقد حاضنتها الجماهيرية وتتفكك تنظيماتها الحزبية نتيجة عجزها عن تسويق مخططاتها وبرامجها ووعودها التي قطعتها للجمهور، فالافلاس السياسي هو عجز السلطة عن مواجهة التحديات والأخطار التي تحيط بها أو تعجز عن تحقيق أهدافها، وبهذا الانسداد والافلاس السياسي ستفتح المجال أمام المجتمع الدولي للتدخل في الأمر إلى جانبها أو نيابة عنها لمواجهة التحديات ومعالجة الانسداد الذي شل حركتها .
يعاني العراق اليوم حالة من الإفلاس السياسي بعدما فشلت الأحزاب الحاكمة عن إدارة الدولة ومعالجة المشاكل الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، والسبب الرئيسي لهذا الإفلاس هو عدم اعتماد مبدأ المواطنة في إدارة الدولة واستبدالها بالطائفية السياسية مما أدى إلى إقصاء أصحاب الكفاءات وتقديم الفاسدين لتولي المسؤولية في مفاصل الدولة المهمة وكانت النتيجة فقدان الأمن، وانتشار الفساد، وتفتيت اللحمة الوطنية التي يتمتع بها العراق بسبب تنوعها المذهبي والعرقي والقومي .

ومن علامات الإفلاس السياسي في العراق :
١- جميع الأحزاب التي تأسست عليها العملية السياسية استبدلت أسمائها الأصلية بأسماء أخرى بسبب الرفض الشعبي لها، مثلا حزب الدعوة سمى نفسة دولة القانون، المجلس الأعلى غير إسمه إلى تيار الحكمة، وهكذا البقية لم يبق حزب بإسمه الحقيقي حتى يشترك به في الانتخابات .
٢- في محاولة يائسة بدأت الأحزاب بجلب واجهات جديدة بعدما احترقت الوجوه الاصلية لها ورفضها الشعب فجاؤوا ببعض الشباب من الإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني لعلهم يعيدون لهم الحاضنة الجماهيرية .
٣- اللجوء إلى القوة وإرهاب الناس من خلال مليشياتهم التي تصول وتجول في المدن وترهب المدنيين، بينما لو كانت هذه الأحزاب لها مشاريع سياسية حقيقية كان الأجدر بها أن تبني قوات أمنية مهنية ووطنية ولا تحتاج إلى مليشيات وأجنحة مسلحة .

لقد تحولت هذه الأحزاب إلى دكاكين سياسية مغلقة وتعيش حالة من الانفصام مع الشعب وباتت تستجدي إتباعها للحضور لأي تجمع انتخابي تروم القيام به، والسبب هو كثرة الوعود التي قطعتها لجمهورها ولم تف بها، وقد تكررت هذه الوعود قبل كل انتخابات تجرى حتى أدركت الجماهير بأنه يراد لها أن تكون مطية تمتطيها الأحزاب للوصول إلى السلطة ثم تتركها، من هنا فقدت الثقة بينهما وأدت إلى هذه القطيعة التي نشاهدها اليوم، وفي محاولة يائسة بدأت الأحزاب الطائفية بنشر اذرعها المسلحة في بعض المدن لغرض إرهاب المواطنين مدعية بأن هناك مؤامرة تستهدف المذهب والمقدسات ولا بد من التصدي لها وهذا ما فعله التيار الصدري يوم 8 شباط عندما انتشرت مليشياته ( سرايا السلام ) في بغداد والنجف وكربلاء بحجة حماية المقدسات ! وقد تناسى التيار الصدري بأن هناك دولة فيها عدد كبير من المؤسسات الأمنية من جيش وشرطة وأمن وطني ومخابرات يزيد عدد منتسبيها على المليون منتسب وإن انتشارهم هذا كان على حساب الدولة ومؤسساتها الأمنية، ومن الجدير بالذكر أن تنظيم داعش لم يستطيع دخول بغداد والنجف حتى عندما سيطر على ثلث أراضي العراق عام ٢٠١٤ فكيف يستطيع الآن دخولها ! لكنه الإفلاس السياسي الذي يعاني منه التيار الصدري بعدما افتضح أمره وبانت ازدواجيته التي كان يمارسها سابقا، كذلك تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم أراد أن يثبت للفرقاء السياسيين بأنه صاحب جمهور عظيم وانتشار واسع فأقام تجمعا (انتخابيا) يوم ١٢ شباط الجاري ولو لا دفعه مبالغ نقدية للحضور مع وجبة طعام ونقل مجاني لكي يحضر الفقراء هذا التجمع لعجز أن يجمع حتى عددا بسيطا من الجماهير، فهذا هو الإفلاس السياسي الحقيقي الذي يعجز الحزب أن يجمع أتباعه بإرادتهم ورغبتهم إلا مقابل وجبة طعام ومبلغ من المال، وهذا الحال يجري على بقية أحزاب السلطة قاطبة .

نتائج الإفلاس السياسي :
ينعكس الإفلاس السياسي سلبا على جميع أفراد الشعب وعلى الدولة ومؤسساتها خلافا لإفلاس الشركات والمؤسسات الاقتصادية، ليشمل ضرره كافة المناحي السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فمن نتائجها:

١- الجانب السياسي : إن إفلاس القوى السياسة الحاكمة في العراق وغياب القوى الوطنية والاصلاحية عن المشاركة في إدارة الدولة أدى إلى انسداد الحالة السياسية في العراق وأعطى المجال لتدخل وهيمنة القوى الخارجية على العراق وخاصة إيران حيث هيمنت على القرار السياسي وأصبحت هي المتحكم فيه وتسيره وفق مصالحها الخاصة .

٢- الجانب الأمني : عجزت الأحزاب السياسية من بناء قوات أمنية مهنية تحمي الوطن والمواطن من أي اعتداء خارجي واعتمدت على المليشيات التابعة لها للقيام بمهمة الجيش والشرطة خشية من أن تنحاز القوى الأمنية يوما ما إلى الشعب فكانت أزمة الثقة قائمة بين المؤسسات الأمنية والقوى السياسية مما أدى إلى أن تحل المليشيات محل الجيش الوطني فظهرت الأزمات الأمنية من قتل وتعذيب وانتهاك لحقوق المواطن .

٣- الجانب الإقتصادي : رغم كل الموارد التي يمتلكها العراق إلا أنه دخل مرحلة الإفلاس والعجز المالي بسبب الفساد المستشري في الدولة وسوء إدارة الموارد المالية التي انعكست سلبا على جميع أفراد الشعب .

٤- الجانب الإجتماعي : الإسلوب الطائفي المقيت الذي اعتمدته السلطة الحاكمة أدى الى تمزيق اللحمة الوطنية بين أفراد الشعب ودخلوا في صراعات عقيمة الرابح فيها هو آخر من يخسر وقد راح مئات الآلاف من الضحايا وهجر الملايين من ابناء الشعب، وكل هذا تتحمله الأحزاب السياسية الحاكمة في العراق .

إن العراق اليوم على مفترق طرق ، والعملية السياسية لا يمكن إصلاحها أو ترقيعها بسبب الخرق الكبير الذي أصابها من ظلم وفساد ومحسوبية وطائفية وافلاس سياسي شامل وعام فهل نستبدل الشعب أم نستبدل السلطة لإنقاذ العراق !؟ لابد من عملية سياسية جديدة تنقذ العراق مما هو عليه الآن وتعيد إليه هيبته بين الدول والمنطقة وتلم شمل أبنائه المهجرين والنازحين ليساهموا في إعادة بنائه وتكون المواطنة هي المعيار التي يقيم على أساسها المواطن.

مقال خاص براسام