إن الفساد في العراق هو فساد مركب بين جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ويمارس في جميع دوائر ومؤسسات الدولة، ولو كان غير ذلك لقامت السلطات التشريعية والقضائية بوضع حد لهذه الظاهرة التي فتكت بالدولة العراقية، ولكن من يبيع ويسترخص دماء مواطنيه بهذه البشاعة ويقف متفرجاً ومباركاً لاشك بأنه سوف يسرق ويختلس ويقتل ويظلم ويسجن ما استطاع الى ذلك سبيلا، كما حصل في تفجيرات سامراء والكرادة وسيدة النجاة والحويجة وديالى والفلوجة والصقلاوية والرزازة وتسليم المناطق السنية الى تنظيم الدولة وغيرها الكثير، حيث تتحمل القيادة السياسية والاجهزة الامنية والعسكرية المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم التي جرت بسبب فسادها وطائفيتها، فعندما يعلن رئيس الوزراء بأنه “لا يريد كشف أوراق الفساد والارهاب بصورة علنية لكونه يريد المحافظة على استمرار العملية السياسية”، فهذا يعني بأنه يتستر على الفساد والارهاب طالما يجعلهم يستمرون بحكم العراق، وبهذا تكون العملية السياسية هي المعمل الكبير لتفقيس الفساد في العراق واستمراره، وبهذا يكون الإرهاب والفساد مطلوب محلياً وهو محمي من قبل الحكومة، بل هو جزء رئيسي من آلية عمل السلطة الحاكمة.

لقد أصبح المواطن في العراق يدرك بأن هناك دورة مغلقة لعملية الفساد في العراق يشترك فيها الجميع، بما فيها المواطن البسيط الذي أجبر على دفع الرشاوي في دوائر ومؤسسات الدولة لإنجاز معاملة أو لاستحصال حق أو لدرء مفسدة معينة، خصوصاً وإن مفهوم الدولة أصابه الكثير من العطب والغموض بسبب فساد وطائفية الطبقة السياسية الحاكمة التي تنفذ أجندة خارجية، وتعمل على تحقيق مصالح حزبية خاصة وضيقة بعيداً عن المصالح الوطنية، وبعيداً عن رؤية بناء دولة حديثة يسودها العدل والمساوة، وهذا ما يجعلنا نقول بأن القاتل حر طليق في العراق! وهو ينجو من فعلته بفضل السلطة الحاكمة التي تحمي المجرمين وبفضل السلطة القضائية التي أصبحت مسيسة وخاضعة لأجندة سياسية وطائفية، وكذلك السارق ينجو من فعلته وهو يسرح ويمرح لكونه فوق القانون، والعميل التابع لدولة خارجية أصبح يتباهى بعمالته وأصبح يتبوأ مناصب حيوية في الدولة بلا حسيب أو رقيب أو تجريم لذلك، والفساد يعم ويطم جميع مفاصل الدولة، والطبقة السياسية تتفرج على ذلك وتشترك فيه، بل وتباركه!

إن ما يجري من فساد يتعارض ويتناقض جوهرياً وظاهرياً مع شعارات القوى السياسية المتقاسمة للسلطة!، والتي تقاسمت المناصب وجعلت من الفساد جزءً من آليات بناء الدولة والنظام السياسي بعد عام 2003، وبنفس الوقت أصبح الفساد جزء أساسي من وسائل تثبيت السلطة كأمر واقع، بحيث أصبح الفساد سلوكاً يعلو على القوانين والانظمة والقيم الدينية والاخلاقية والوطنية، الأمر الذي تسبب في هدر ثروات البلد ونهب خيراته وافتقار شعبه، فعندما يقوم مسؤولين حكوميين بتهريب العملة الصعبة الى خارج العراق بشكل رسمي وغير رسمي فهذا يعني تخريب متعمد لاقتصاد البلد، بحيث أصبح هذا الأمر سياق عمل ممنهج لغسيل الاموال، وهذا البنك المركزي العراقي يستمر بمزاد بيع الدولار دون أن تكون هناك فائدة مالية راجحة من ذلك، بحيث أصبح مزاد بيع الدولار أحد أهم واجهات الفساد المالي، والذي يخدم إيران أكثر مما يخدم العراق وشعبه، علماً بأن إيران أصبحت تمتلك أكثر من (11) بنوك في العراق تعمل بشكل مستقل ولديها  اسبقية في التعامل مع البنك المركزي العراقي، كما أشترت حصة (6) عراقيين في مصارف عراقية مختلفة مما يعكس السيطرة والهيمنة الايرانية على القطاع المالي العراقي الذي يضربه الفساد من أعلى هرمه الى قاعدته، ناهيك عن الشركات الايرانية العاملة في العراق في جميع المجالات.

لقد حذر “المركز العالمي للدراسات التنموية” ومقره العاصمة البريطانية “لندن” في تقرير له من “انهيار الثقة بالقطاع المصرفي العراقي إذا ما استمرت عمليات تهريب الدولار من دون السيطرة عليها”، كما أوضح بـ”أن محاولات البنك المركزي العراقي منع تهريب الدولار باءت بالفشل، إذ يستمر سعر الدينار بالتراجع أمام الدولار، مما يفاقم من معاناة العراقيين ويرفع أسعار السلع”، ويقدر التقرير بأن ثلثي مبيعات البنك المركزي العراقي في ما يعرف بـ”نافذة بيع العملة”، لم تستفد منها السوق العراقية على مدى العقدين الماضيين، علماً بأنها تراوحت عند مستويات (250) مليون دولار يومياً، الأمر الذي أدى لخسارة البلاد مبالغ مالية لا تقل عن (400) مليار دولار، حيث يقول “برهان المعموري” عضو “لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب” عام 2016، بأن البنك المركزي العراق باع (312) مليار دولار في مزاد العملة، (80%) من هذا المبلغ ذهب الى خارج العراق، ناهيك عن الإهمال المتعمد داخل النظام المصرفي العراقي الذي تسبب بتلف (7) مليار دينار عراقي في عام 2018، حيث يقول “محافظ البنك المركزي العراقي” آنذاك “علي العلاق” بأن تلف هذا المبلغ جاء بسبب دخول الأمطار إلى أحدى خزانات بنك الرافدين” والقائمة تطول.

سوف أسوق لكم بعض الأمثلة على ما يجري من عمليات فساد كبرى في الوزارات ودوائر ومؤسسات الدولة العراقية والتي جرت خلال الأعوام الماضية بدأً من 2004 وصولاً الى عام 2023، ومنها من أعلن عنه من قبل اللجان المختصة بالرقابة المالية، فمثلاً يقول رئيس لجنة النزاهة النيابية “بهاء الاعرجي” في عام2012بأن هناك (16) ألف معاملة تقاعد مزورة، بينما تقول هيئة النزاهة في عام2013 بأنها إحالة (6) ألاف متهم بالفساد الى المحاكم المختصة، كما أنها تضيف بأن هناك بليون دولار تم تهريبها من قبل مسؤولين كبار من بينهم ثلاثة وزراء الى الخارج ولم يتم استردادها، كما أكدت بأن هناك (37) مسؤولاً متهمين بالعملية نجحوا بالفرار الى الخارج ولم تتم مقاضاتها”، كما إن هناك تورط لكبار المسؤولين المنتمين للائتلاف الحاكم بهذا الفساد، بما فيها صفقات السلاح الأوكراني والروسي، ومشروع بناء المدارس الحديثة، ومشروعات اعمار مدينتي الصدر والشعلة، وانشاء الملاعب، و مشروع ماء الرصافة الكبير، وجميع هذه الملفات يتم تسويفها بأساليب قانونية من قبل جهات متنفذة تورطت فيها.

يقول رئيس الوزراء “حيدر العبادي” بأن كلفة الخسائر الاقتصادية خلال ثلاث سنوات من المعارك مع تنظيم الدولة تقدر بأكثر من (100) مليار دولار، كما تشير المعلومات الى نهب (121) مصرفاً من قبل تنظيم الدولة في محافظات الانبار ونينوى وصلاح الدين وكركوك، ويقدر المبلغ الذي تم الاستحواذ عليه بمليار دولار تقريباً، وهذا المبلغ رغم ضخامته فهو لا يعني شيء أمام سرقة واحدة جرت في المصارف العراقية، ومنها أتهام المديرة السابقة التي ترأست المصرف العراقي للتجارة (TBI) من عام 2011 الى عام 2016 وأسمها “حمدية الجاف” بعدد من قضايا الفساد الاداري والمالي والإضرار بالمال العام، بمبلغ مقداره حسب القرارات الجنائية الصادرة عن المحاكم المختصة بـ (1،116،024،788) مليار دولار، و (90،786،020،500) مليار دينار عراقي، كما إن هناك عدة أحكام صدرت بحق المدير الاسبق للمصرف أعلاه “حسين الارزي” بتهم منح قروض دون ضمانات أو بضمانات لا تتلائم أو أقل من قيمة القروض المقدمة، علماً بأن المدانة “الجاف” هربت الى خارج العراق وتم توقيفها في دولة الإمارات العربية المتحدة في شباط عام 2023 على خلفية ذلك ولا نعرف هل سيتم اطلاق سراحها واغلاق القضية كما جرى مع “فلاح السوداني” و”نور زهير” أم لا؟.

وأخيراً قبل أن أبدأ بعرض ملفات الفساد أقول: لا شك بأن ملف الفساد في العراق كبير جداً و لا يمكن حصره، ولا توجد هناك إحصائيات دقيقة حول ملفات الفساد في الدولة العراقية بعد عام 2003 لكثرتها وتشعبها، كما إن المعلومات تشير الى إن حجم الفساد المخفي هو أكثر بكثير مما تم إعلانه، ومع هذا سوف أذكر بعض الامثلة على الفساد في قطاعات الدولة المختلفة وخاصةً الملفات والقضايا التي ظهرت الى العلن، حيث تشمل هذه الملفات : الفساد السياسي، والمالي، والأداري، والاقتصادي، والصحي، والزراعي، والصناعي، والتعليمي، والعسكري، والضريبي، والتجاري، والقضائي، والمنافذ الحدودية والقطاع المصرفي، وأليك أن تتصور حجم الفساد المالي والإداري والتزوير الذي شمل كل مفاصل الدولة العراقية من تزوير الشهادات الجامعية الى تزوير الانتخابات الى الشركات الوهمية وغيرها، وسأبدأ بالفساد السياسي….