أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

إن تاريخ العراق بحاجة إلى التعمق في دراسة شخصيات كان لها دور أساسي في الحكم، ولم تتسع هذه الدراسات لتتناول حياة رجال السياسة أو القادة العسكريين جميعا سوى من كانوا داخل منظومة الحكم، بينما كان في الجيش العراقي أو المجامع العلمية أو في مجالات أخرى شخصيات بارزة لم تلق الدراسة والاهتمام والتحليل، ومنهم اللواء الركن (محمود شيت خطاب)، فهو شخصية موصلية عراقية عربية مرموقة في التاريخ المعاصر، فقد كان ضابط ركن وكفئا ومفكرا وباحثا إسلاميا، لكنه اشتهر كقائد عسكري، كما معروف عنه تنظيمه الشعر والكتابة التاريخية وخاصة (الدينية) منها ونشاطه السياسي ومواقفه ومقالاته ومؤلفاته، وأشعاره طافحة بحب الأمة وأرضها السليبة (فلسطين)، ومشاركته في الدفاع عنها في حرب ١٩٤٨م.

فمن هو (محمود شيت خطاب) المجاهد بقلمه وسلاحه :
هو (محمود شيت خطاب أحمد بن محمد) ولد بمدينة الموصل، محلة باب البيض، في الأول من كانون الأول عام ١٩١٩م، من أبوين عراقيين عربيين، كان والده شيت خطاب ينتسب إلى عشيرة (الدليم) من فخذ (المحامدة/ ألبو عزام).
نشأ في بيت جده بمحلة باب البيض وهي إحدى محلات مدينة الموصل العريقة، وكان جده (خطاب) ملتزما بتعاليم الدين الحنيف وشعائره، لذلك حث ابنه (شيت) على الالتزام الديني فضلا عن أنه كان يتمنى أن ينشأ من بين أسرته من يتفرغ لعلوم الدين، وعمد (خطاب) الجد إلى ارسال ولده (شيت) والد (محمود) إلى بعض شيوخ الموصل وأكثرهم علما للدراسة على أيديهم، منهم : الشيخ محمد الرضواني والشيخ عبد الله النعمة، والشيخ مصطفى بك، وداوم على طلب العلم حتى درس عددا من العلوم، فحقق أمنية أبيه الذي سره أن يكون ولده إماما له في الصلاة، واستمر بعمله في التجارة لمعاونة والده، وبعدما تزوج (شيت) رزق بأربعة أبناء، أكبرهم : محمود (لواء ركن)، ثم ضياء (رئيس محكمة تمييز العراق سابقا) وإحسان (فريق) وعبد الرحمن (عميد)، إضافة إلى خمس بنات.
هكذا نشأ وترعرع (محمود) في عائلة جبلت على حب الخير والتزمت بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف.
إذن كان للبيئة التي عاش فيها (محمود) أثرا جعله يؤمن بالقيم العربية الإسلامية، ليكون الإنسان في وطنه وأمته عاملا وعابدا، مخلصا ومجاهدا، للبناء والدفاع من أجل النهضة والقوة، من أجل الوقوف ضد القوى التي تحتل أو تحاول احتلال وطنه وتسلب حريته واستقلاله.
جاهد محمود شيت خطاب في سبيل الله بسلاحه وقلمه وماله، ليقف بوجه الظلم والظلمة، فكان لا يخاف في الله لومة لائم سواء أكان عسكريا أو مدنيا حينما يكتب بقلمه في مؤلفاته التي دعا فيها إلى الجهاد.
كان لدراساته العلمية والثقافية وتلقيه لعلوم الدين واللغة العربية في الجوامع ونشأته في عائلة محبة للعلم والعلماء واختلاطه مع العلماء الكبار ومشاركته في كثير من المعاجم العلمية العراقية والعربية على حد سواء، وتميزه في العلوم التاريخية والعسكرية أثر كبير في كتاباته التي اشتهرت في العراق والدول العربية.
احتلت القضية الفلسطينية حيزا في تفكيره منذ نعومة أظافره حتى وفاته، إذ أنه بذل نفسه في سبيلها مجاهدا ضد الصهاينة والبريطانيين. ومن الجدير بالذكر أن (محمود) قبل دخوله إلى السلك العسكري وبعده يؤكد على ضرورة العودة للإسلام لتحقيق النصر، وكانت له رؤى صادقة نابعة عن بصيرة نافذة مشتقة من فكره العسكري، فهو أول من نبه العرب إلى خطر امتلاك الصهاينة للأسلحة النووية، كما إنه توقع حرب ٥ حزيران ١٩٦٧م، وكان صادقا في وطنيته إذ وقف بوجه بريطانيا أثناء ثورة مايس ١٩٤١م، وجرح من جرائها جروحا بليغة، فضلا عن وقوفه بوجه المد الشيوعي في آذار ١٩٥٩م، وعذب بسببه تعذيبا شديدا بعد اعتقاله، حيث لم يسمح لهم بالانتشار في المنطقة التي يعمل فيها وناصر القوميين العرب.
ونظرا لتطلعه الجاد إلى الوحدة العربية فقد عمل في الجامعة العربية رئيسا لتوحيد المصطلحات العسكرية وكان يعتقد أن عمله هذا سيوحد العرب، واستغرق عمله هذا ما يقارب الخمس سنوات لإنجازه.
لم يكن (محمود) كاتبا في التاريخ الإسلامي فحسب، بل يعد أول من كتب في العسكرية الصهيونية، ونبه العرب إلى مخاطر العدو الصهيوني وحثهم على امتلاك الأسلحة النووية.
بعد هذا العرض الموجز تبين لنا أن (محمود شيت خطاب) عروبي إسلامي، وهذا واضح من خلال تتبع سيرة حياته.
ومن إحدى مواقفه القومية بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧م من خلال العدوان الصهيوني، كتب تقريرا مفصلا حلل فيه أسباب ونتائج المعركة، وماذا يجب أن يقوم به العرب والمسلمين، من أجل تفادي الخطر الصهيوني، ورفع التقرير إلى (عبد الرحمن محمد عارف) رئيس الجمهورية العراقية آنذاك، وإلى روؤساء وملوك العرب، وكتب في مقدمة التقرير، انني لا أحمل أي صفة رسمية في الحكومة أو الجامعة العربية، لكنني مسؤول تجاه بلدي وأمتي العربية وإخواني المسلمين كافة ومن الضروري أن نعمل ونتعاون من أجل تفادي الخطر القادم.
كرّم عدة مرات خلال حياته العسكرية والمدنية، فقد حصل على نوط الخدمة العامة لحركات مايس ١٩٤١م، ونوط حرب فلسطين ونوط الخدمة لحرب فلسطين ١٩٤٨م، ومنح وسام الرافدين من النوع العسكري من الدرجة الثانية، ووسام الاستحقاق اللبناني من الدرجة الأولى لجهوده العلمية عام ١٩٧٣م، ومنح أكبر وسام من جمهورية مصر العربية عن طريق جمع البحوث الإسلامية وهو (قلادة النيل) عام ١٩٨٧م لجهوده العلمية والعسكرية.
أفول نجم المجاهد محمود شيت خطاب :
صباح يوم الاثنين الموافق الثالث والعشرين من شهر شعبان لسنة ١٤١٩ هجرية الموافق الثالث عشر من كانون الأول عام 1998م لبى نداء ربه بعد أن قضى ليلته بالصلاة، وفي الساعة التاسعة صباحا – وكان وقتئذ متكئا على سريره – طلب من زوجته أن تقرأ له المعوذتين وسورة الإخلاص فضلا عن سورة (يس) وكان يردد ما تقرأه عليه، ثم ارتاح قليلا، وطلب أن تتشهد أمامه فتشهدت وتشهد هو بعدها عدة مرات حتى فاضت روحه إلى بارئها عن عمر يناهز التاسعة والسبعين عاما، وحمل نعشه إلى مثواه الأخير ودفن في مقبرة العائلة في أبي غريب ببغداد.
أسأل الله العظيم أن يتغمد المجاهد بقلمه وسلاحه (اللواء الركن محمود شيت خطاب) برحمته الواسعة ويسكنه فسيح جناته (مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) لجاهده في سبيل الله من أجل دينه وأمته طول حياته تاركا أثرا طيبا من مؤلفات منشورة ولمواقفه ومشاركته في الدفاع عن فلسطين – كما سنرى -.

مقال خاص براسام