شاهو القره داغي

في العاصمة العراقية بغداد وفي إحدى القاعات أثناء خطاب رئيس السلطة القضائية الإيرانية “إبراهيم رئيسي” ، وقف أحد الشباب المنتمين إلى الأطراف الموالية لإيران في العراق ، و صاح قائلا : يا إمامنا الخامنئي، إن لك في العراق رجال قد وقفوا أرواحهم على أكفهم ، وهم بانتظار إشارة واحدة منك للقضاء على أمريكا وقواعده في العراق ، وإننا لن نتركك أبدا حتى لو قتلنا و حرقنا ، ثم هتف مع الجمهور (لبيك خامنئي) مرات عديدة لإيصال رسالة إخلاصهم إلى خامنئي و استعدادهم للموت والتضحية في سبيله داخل العراق .
من حق الإنسان أن يعتنق أي دين أو مذهب أو يكون تابعا لطريقة دينية معينة و يمارس طقوسه بحرية ، ولكن عندما يتحول الأمر إلى الخضوع لقائد سياسي أجنبي والاستعداد للقتال في سبيله حينها يتحول الأمر إلى خيانة للبلد الأم و انحراف البوصلة و تقديم مصالح الآخرين على مصالح الوطن و فقدان القيمة الحقيقية و التحول إلى أداة بأيدي الآخرين .
بعد التظاهرات الأخيرة وخلال الأشهر الماضية وحتى اليوم ، دأبت العديد من القنوات الفضائية و وسائل الإعلام والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي ، على مهاجمة المتظاهرين و الناشطين والمعارضين للفساد في العراق و توزيع جملة من الاتهامات على المتظاهرين ، منها تهمة التعاون مع السفارات والتعامل مع دول أجنبية و أخذ الأموال من الخارج و تخوين الشباب لتبرير قتلهم بحجة العمالة للخارج.
وعلى الرغم من المطالبات المستمرة لهذه الجهات بتقديم الأدلة و البراهين التي تثبت هذه التهم أمام الإعلام ليتأكد الجمهور من حقيقة هذه الادعاءات ، إلا أن هذه الأطراف الموالية لإيران امتنعت عن تقديم أي دليل ، و استمرت على خطابها التحريضي دون أي دليل يؤكد ارتباط هؤلاء الشباب بأجندة خارجية .
ونتيجة لذلك أصبح هذا الشاب المتظاهر الباحث عن الوطن و المناضل في سبيل حقوق الانسان مطاردا خائفا بسبب ميليشيات القتل والخطف و الإجرام بسبب استمرار التحريض عليه و المخاطر الموجودة على حياته .
بينما رأينا بوضوح عشرات الشباب وهم يهتفون لقائد أجنبي في قاعة كبيرة داخل العاصمة بغداد و يعلنون عن ولاءهم و خضوعهم لأوامر المرشد الإيراني علي خامنئي و استعدادهم للقتال في سبيله ، و يستغلون موارد و قدرات الدولة العراقية و يتمتعون بالحماية وهم يقفون وراء تخوين المتظاهرين و الناشطين و تبرير قتلهم و استهدافهم من قبل الميليشيات .
انحراف المنظومة السياسية في العراق أثرت على كافة القطاعات و المجالات و أدت إلى انقلاب الكثير من المبادئ والقيم والثوابت الرئيسية ، حيث أصبح من يهتف لخامنئي وطنيا مدافعا عن سيادة العراق، بينما من يهتف للعراق أصبح مطاردا خائنا يحل دمه و يبرر قتله !
يطمح المواطن العراقي لرؤية العراق دولة قوية مستقلة و ذات سيادة حقيقية ، تبني علاقات مع الجميع على أساس المصالح المشتركة، إلا ان الأحزاب السياسية التي حكمت في العراق ومازالت تسيطر على زمام الحكم ترفض هذه المعادلة و تصر على إضعاف البلاد وتحويلها إلى ساحة للصراعات و المشاكل لضمان بقاء البلاد في حالة ضعف وتراجع على المستوى الأمني والسياسي والاقتصادي .
وبالتزامن مع هذه زيارة المسؤول الإيراني و تجديد الميليشيات لولائها الكامل للمرشد الإيراني علي خامنئي ولمشروع ولاية الفقيه ، كشفت مصادر سياسية مطلعة في بغداد عن هدنة أو تهدئة جديدة وراء وقف الهجمات على السفارة الامريكية في المنطقة الخضراء في بغداد ، بعدما طلب حكومة الكاظمي من إيران التدخل لوقف الهجمات الصاروخية التي تستهدف السفارة، حيث مر أكثر من شهر على آخر استهداف بواسطة صواريخ كاتيوشا للمنطقة الخضراء!
من الغريب أن يتحدث هؤلاء عن حماية السيادة العراقية وهم يهتفون لقائد اجنبي و يقصفون عاصمة بلادهم ثم يتوقفون عن القصف بناء على طلبات إيرانية دون أي تفكير في مصلحة بلادهم من هذه التصرفات العشوائية ، فهم لن يدركوا إطلاقا أنهم أدوات ومجرد وسائل يتم استخدامهم خلال فترة معينة ثم يتم التخلي عنهم لاحقا و ويتركون لمصيرهم عندما تختار إيران مصالحها القومية و تفضلها على وكلائها واذرعها في الخارج .
في ظل حماة السيادة المزيفة لم يعد للعراق ملامح الدولة المستقلة ، بل تحول إلى دويلة خاضعة لاستعمار خارجي ، حيث ينتشر في العاصمة صور الجنرال الإيراني “قاسم سليماني” و يهتف للمرشد الإيراني “خامنئي” و يعلن أكثر من 50 ميليشيا مسلحة ولائه لمشروع ولاية الفقيه ، ويتم التعامل مع العراق في إعلامهم كطرف مشارك في (محور المقاومة) وليس كدولة قائمة بذاتها ، فأين السيادة الوطنية للعراق؟
السيادة الحقيقية لن تتحقق بالوعود و الخطابات الرسمية و العبارات المكررة من قبل الرئاسات الثلاث في ظل السلاح المنفلت و حضور جهات تفاخر و تعتز بالانتماء الى المشاريع الخارجية ، ومادامت الدولة تتعامل مع هذه المشكلة حسب مقولة “الفيل في الغرفة” وتحاول تجنب هذا الموضوع وعدم الاعتراف به ، فإن المشاكل و الازمات سوف تتراكم و ترتفع كلفة العلاج لاحقا .

مقال خاص براسام