من المحتمل أن تكون إيران وميليشياتها الموالية لها قد وافقوا على وضع حد للهجمات التي تشنها على القوات الأمريكية في العراق حتى نهاية عام 2021. فبحسب الأنباء، التقى قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاني بممثلين عن خمس ميليشيات في العراق، في النجف وبغداد في 27 يوليو / تموز الماضي وأبلغهم بهذه الأوامر، وذلك من أجل خفض التصعيد مؤقتًا. كما أخبر -قاني- المسؤولين العراقيين في 28 يوليو / تموز الماضي أن إيران ستنتهج سياسة “انتظر لترى”، لكنها ستأمر فصائلها الموالية لها بمهاجمة القواعد الأمريكية في أربيل وحرير إذا لم تنسحب القوات الأمريكية بحلول نهاية عام 2021. من جهتها لم تتحدث الولايات المتحدة عن انسحاب مماثل قد يحدث.
من المرجح أن تطيع فصائل الميليشيات أوامر قاني. فقد أعلنت “هيئة تنسيق الفصائل” عبر بيان لها أن الميليشيات ستظل مستعدة لشن الهجمات وستقوم بذلك إذا لم تسحب الولايات المتحدة قواتها من العراق. وتضم الهيئة ممثلين عن وكلاء إيران الرئيسيين في العراق ، بما في ذلك المنظمات الإرهابية حسب تصنيف الولايات المتحدة ككتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وحركة حزب الله النجباء. واتهم بيانها الولايات المتحدة بإعادة تسمية قواتها في العراق بشكل مخادع “لإطالة أمد الاحتلال” ، وتهيئة الظروف للتصعيد مرة أخرى في المستقبل.
المتوقع أن تبقي إيران ووكلائها وتيرة المضايقات على القوات الأمريكية على منحى منخفض حتى نهاية عام 2021. حيث التقى قاني بمسؤول كبير في كتائب حزب الله ورئيس أركان قوات الحشد الشعبي “أبو فدك المحمداوي” في بغداد يوم 27 يوليو/ تموز. لتتصاعد احتمال اصدار أوامر من قبل (أبو فدك) بإعادة شن أعمال عنف ضد القوات الأمريكية مع تجنب الهجمات واسعة النطاق التي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد غير مقصود. كما أنه من المحتمل أن تكون العناصر المسلحة التابعة لكتائب حزب الله قد تورطت في ست هجمات بالعبوات الناسفة على قوافل لوجستية عراقية تنتمي للتحالف بقيادة الولايات المتحدة في الفترة مابين 29 يوليو إلى 1 أغسطس. ليعتبر الأمر زيادة في وتيرة الهجمات مقارنة بالأشهر الأخيرة. كما أطلقت العناصر الموالية لإيران صاروخين على السفارة الأمريكية في بغداد في 29 يوليو، نفت كتائب حزب الله المسؤولية عنها وألقت باللوم على الولايات المتحدة.
وتشير هذه العمليات إلى أن الهجمات بالعبوات البدائية الصنع المستمرة تستهدف المقاولين العراقيين وبالتالي لا تخاطر بسقوط ضحايا أميركيين، بالإضافة للهجمات الصاروخية قصيرة المدة والتي من غير المرجح أن تسبب أضرارًا كبيرة، تأتي هذه الأعمال فقط لمواصلة الضغط على صناع القرار الأمريكيين. ومن المحتمل أن يستمر وكلاء إيران في شن هذه الهجمات لتذكير الولايات المتحدة بأن الهجمات واسعة النطاق يمكن استئنافها إذا لم تنسحب الولايات المتحدة.
من المرجح كذلك أن تضع إيران والفصائل الموالية لها شروطًا سياسية بشأن استئناف الهجمات الرئيسية ضد القوات الأمريكية في العراق بحلول نهاية عام 2021. فبحسب ما ورد فقد أمر قاني الوكلاء بتشكيل لجنة برلمانية للضغط على الحكومة سياسيًا لتنفيذ عملية الانسحاب الأمريكي. فقد التقى قاني مع الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري في بغداد في 27 يوليو الماضي لمناقشة تنسيق اللجنة والمقاربة بالوكالة لانتخابات العراق في أكتوبر 2021. العامري يقود ثاني أكبر كتلة برلمانية في العراق، تحالف الفتح، وأشاد بشكل غير معهود بفريق رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بعد الحوار ووصف نتائجه بأنها “إنجاز وطني”.
من المرجح أن يركز العامري على تلك اللجنة وسبلها السياسية لطرد القوات الأمريكية. وقد أنشأ قاني هذه اللجنة لتوفير قشرة رقيقة من الشرعية لهجمات بالوكالة مستقبلية واسعة النطاق عندما تجد اللجنة أن القوات الأمريكية لا تنسحب بشكل جماعي. من المرجح أن تقرر اللجنة عدم انسحاب القوات الأمريكية خلال الفترة بين انتخابات 10 أكتوبر/ تشرين الأول وتاريخ 31 ديسمبر / كانون الأول، الذي حدده المفاوضون الأمريكيون والعراقيون لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي.
وستسمح هذه المهلة الزمنية للسياسيين المتحالفين مع إيران بالتركيز على الاستعدادات للانتخابات والحفاظ على الاستقرار الداخلي، إضافة لمساحة زمنية لإيران ولعملائها العراقيين للاستعداد بشكل أكبر لدورات التصعيد المستقبلية. ويمكن لرئيس الوزراء القادم في العراق أن يأمر من جانب واحد بالطرد الكامل للقوات الأمريكية من العراق في حال حصول تحالف الفتح على نتيجة انتخابية تخول لهم اختيار رئيس الوزراء المقبل.
ويظل هذا السيناريو غير محتمل ولكنه يشكل خطورة على المصالح الأمريكية. كما ستستمر بعض الجماعات التي تعمل بالوكالة لإيران في خطابها العدائي ودعواتها لشن هجمات على القوات الأمريكية من أجل محاولة استرضاء قاعدتهم فقط. ومع ذلك، فإن الجماعات الأكثر انزعاجًا من نتيجة الحوار من المرجح أن تقوم بهجمات واسعة النطاق خارج الأراضي العراقية لاتباع توجيهات إيران.
إيران قد تواصل هجماتها -بالوكالة- ضد القوات الأمريكية في سوريا أو عبر استهداف الطائرات الأمريكية أو القواعد الأمريكية في أماكن أخرى من المنطقة. وقد أعلنت كتائب حزب الله مسؤوليتها عن هجمات سابقة على قواعد أمريكية في سوريا وهددت بشن هجمات في المستقبل أيضًا. وقد شن وكلاء إيران ما لا يقل عن ثلاث هجمات صاروخية وطائرات بدون طيار على منشآت أمريكية في سوريا بين 28 يونيو و 10 يوليو 2021. ومن المحتمل أن يكونوا قد ادعوا زيفًا عدة هجمات أخرى. وقد تستمر هذه الهجمات حتى مع تراجع تصعيد الجماعات التي تعمل بالوكالة في العراق في الفترة التي تسبق الانتخابات العراقية، لكن من غير المرجح أن تزعزع الهجمات في سوريا استقرار العراق، إلا أنها كفيلة بمضايقة صناع القرار الأمريكيين لدفعهم لقرار الانسحاب الكامل. وقد يحاول وكلاء إيران إلحاق خسائر أمريكية في سوريا لفرض تكلفة سياسية على إدارة بايدن، كما فعلوا عبر هجوم 28 يونيو.
وتعمل الميليشيات على تطوير قدرات صواريخ أرض- جو جديدة لتهديد العمليات الجوية الأمريكية. حيث أكدت هيئة التنسيق التابعة للفصائل المسلحة أنها قد تهاجم “أي طائرة أجنبية في الأجواء العراقية” إذا ما قررت الولايات المتحدة عدم انسحابها.
وقد تستهدف إيران ووكلائها أيضًا القواعد الأمريكية خارج العراق وسوريا إذا تصاعدت التوترات في الأشهر المقبلة. حيث أكد متحدث باسم كتائب حزب الله في 27 يوليو / تموز أن الفصائل المسلحة يمكنها استهداف أي قاعدة أمريكية في أي دولة عربية أو غير عربية يمكن أن يستخدمها الأمريكيون لشن هجمات داخل العراق. وتمتلك كتائب حزب الله قدرات بعيدة المدى للطائرات بدون طيار يمكن أن تصل إلى الكويت والأردن وتركيا وإسرائيل والمملكة العربية السعودية. كما أنه من المحتمل أن تكون مسؤولة عن هجمات الطائرات بدون طيار السابقة التي استهدفت سوريا والعراق وكردستان العراق والأردن وإسرائيل والمملكة العربية السعودية. الهدف النهائي لإيران هو تقليص الوجود العسكري الأمريكي ونفوذها ليس فقط في العراق وسوريا ولكن في جميع أنحاء المنطقة. ويمكن أن ينذر الخطاب الإيراني والخطاب بالوكالة بالدفع نحو (طرد) القوات والطائرات الأمريكية من العراق وسوريا والشرق الأوسط بأكمله.

كاثرين لاولور، نيكولاس كارل / كريتيكال ثريتس