د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للبحوث الاستراتيجية
الحلقة الثانية / حصار الكوت
شجع احتلال البصرة القادة العسكريين البريطانيين على طلب التقدم نحو بغداد وأوضح السير برسي كوكس، رئيس حكام الحملة السياسية، في برقية بعثها إلى نائب الملك في الهند ، بأنه يرى التمسك باحتلال بغداد وعدم تركها ، وقد أخذت حكومة الهند على عاتقها تحقيق فكرة الزحف نحو بغداد بعد تعيين الجنرال جون نيكسون لقيادة عمليات في ما بين الشهرين بين في 9 نيسان 1915 وخولته الزحف الى بغداد، إذ كان مقتنعاً بأن القوة المتوفرة لديه تكفي للقيام بالعمليات المطلوبة.
تقدمت الحملة البريطانية عن طريق نهر دجلة باتجاه بغداد وكانت بقيادة الجنرال ( طاوزند ) الذي كان يعتقد في ضوء خبرته السابقة ضعف مقاومة الاتراك وإن قواته لن تجد صعوبة في احتلال بغداد.
اما العثمانيون فقد عمدوا إلى تجميع قواتهم وشكلوا لجنة لتحصين مدينة بغداد، والدفاع عنها وحدثت اول معركة بين طرفين بالقرب من الكوت في 27 ايلول 1915 استمرت نحو عشرين ساعة اشتبك فيها الأسطولان البريطاني والتركي، وانتهت بانتصار البريطانيين وانسحاب العثمانيين الى خطوط دفاعية جديدة أقاموها قرب المدائن بعد أن خسروا ( 17000 ) قتيل وجريح و 1289 أسيرا، ثم واصل البريطانيون تقدمهم نحو بغداد بعد استعدادات دامت ستة اسابيع.
استعد العثمانيون بقيادة نور الدين لملاقاة البريطانيين قرب المدائن وحصلوا على امدادات عسكرية من الاناضول وفي يوم 21 تشرين الثاني، هاجمت القوات البريطانية القوات العثمانية، ودارت معركة ضارية بين الجانبين وخلال المعركة عززت القوات العثمانية بفرقة جديدة، بقيادة خليل بك، ألأمر الذي مكن العثمانيين من توجيه ضربة قوية للبريطانيين مما اضطرهم الانسحاب والتراجع نحو الكوت، بعد ان تكبدت خسائر فادحة بلغت في يوم 22 تشرين الثاني وحده 4511 قتيلا.
استغلت القوات العثمانية الانكسار البريطاني واستثمرت الفوز وقامت بتعقب القوات البريطانية المتراجعة وتمكنت من محاصرتها في مدينة الكوت في كانون الاول 1915 م.
استطاعت القوات النظامية العثمانية ومن معها من المجاهدين المتطوعين تحطيم التحكيمات الدفاعية التي أقامها الجيش البريطاني في مدينة الكوت.
والكوت هي مدينة تقع على نهر دجلة على بعد 350 كم من البصرة ونحو 180كم من بغداد وعدد سكانها في عام 1915م يناهز ال 6500 نسمة.
دام حصار الكوت للمدة من اوائل كانون الاول 1915 إلى اواخر نيسان 1916، وكان رجال الدين وشيوخ العشائر ومعهم المتطوعين قد توجهوا إلى الكوت لمساندة القوات النظامية العثمانية، وتم تزوديهم بعدد من المدافع والرشاشات ونحو اربعين صندوق من الالغام المائية وغيرها من المستلزمات الحربية مما كان له الاثر الكبير في فشل المحاولات البريطانية المتكررة للوصول الى القطاعات المحاصرة في المدينة.
وقد عانى اهل الكوت وكذلك القوات البريطانية المحاصرة فيها اشد انواع الجوع والبرع والبرد والعذاب، وخصوصا في المراحل الاخيرة من الحصار، لأنهم كانوا قبل ذاك كانوا يدخرون الحبوب والدبس والتمر والزيت وبعض الاطعمة، الا أن السلطات البريطانية المحتلة كانت تقوم بتفتيش دوري عن الحبوب في البيوت فأن وجدوا كيسين صادروا احدهم والاخر يبقى، وإن عثروا على كمية كبيرة صادروها، وقد اعلنت السلطات البريطانية عن مكافأة لكل من يرشدها إلى مخازن ومخابئ الحبوب عند الاهالي، من خلال هذه الاجراءات يبدو أن الاطعمة والاغذية والحبوب بدأت بالنفاذ من مخازن ومعسكرات الانكليز فمن الواضح أنهم لم يعتقدوا أو يتصوروا أن هذا الحصار سيطول كل هذه الفترة.
عانت القوات البريطانية من شحة مواد الوقود من الحطب وخشب الاشجار ، فلم يترك الجنود البريطانيون شيئا، فقد نهبوا كل الاخشاب التي وجدوها بما في ذلك شبابيك بعض البيوت وأبوابها، كما انتزعوا سقوف السوق الخشبية.
أما حال الجنود البريطانيين فقد أخذوا يأكلون لحم القنافذ ، كذلك الكلاب والقطط التي شح وجودها في المدينة، وحينما جاء الجراد ابتهج البريطانيون كثيرا ، وصار الهنود يبحثون عن انواع من الحشائش والنباتات البرية ليطبخوا منها طعاما.
واجه طاوزند مشكلة كبيرة عندما قرر ذبح الخيول ، فقد رفض تناولها الكثير من جنوده وكان اغلبهم من الهندوس، واستخدم طاوزند من جانبه سياسة التشجيع لمن يأكل لحم الخيل من جنوده الهنود فأمر بترقيتهم رتبة بينما أمر بتنزيل رتبة للرافضين ، فأسفر قراره عن نتائج جيدة ، كان طاوزند قد اختار اثناء حصار الكوت دارا في وسط البلد، وأمر طاوزند بتحصين الدار وتغليف سياجات السطح بصفائح حديد وقاية لها من خطر القنابل. ويقول طاوزند في مذكراته: ( كان العدو طول مدة الحصار يرمي مقري بالقنابل رميا دقيقا بلا انقطاع).
بذل البريطانيون جهودا كبيرة في إرسال باخرة محملة بالمؤن والاطعمة إلى الكوت، وكانت الباخرة راسية في العمارة، وبلغت حمولتها (270) طنا من المواد الغذائية، وتطوع عدد من البحارة ليكونوا على متنها عند مسيرتها إلى الكوت، وتحركت الباخرة الساعة السابعة مساء في 24 نيسان، وكان الأتراك قد وضعوا بمعونة الخبراء الالمان سلكا معدنيا عبر النهر، وحينما وصلت الباخرة إلى السلك، بدأت تنحرف في سيرها، تبعا للسلك حتى توقفت في الضفة اليمنى من النهر، فهجم عليها الأتراك واستولوا على ما فيها من مواد غذائية ، كما أسروا الأحياء من البحارة.
– استسلام طاوزند :
يبدو ان هذه الباخرة كانت ألأمل الوحيد لطاوزند ، وحينما يئس من وصولها، بعث في صباح يوم 26 نيسان 1916م، برسالة إلى علي نجيب قائد القوات التركية التي تحاصر الكوت يعلمه انه مخول من قبل القائد العام بالمفاوضات، وطلب هدنة ، وبعد ساعة أرسل رسالة اخرى إلى القائد التركي العام خليل باشا، وفي المساء وصل الكوت ضابط تركي يحمل الجواب من خليل باشا، يقول فيه، أن طاوزند وجنوده سوف يلقون في تركيا استقبالا جيدا، لما أبدوه من بسالة في الدفاع عن الكوت طيلة الأشهر الماضية.
في 29 نيسان أمر طاوزند بتدمير مدافعهم الموجودة في الكوت وكان عددها اربعين مدفعا كذلك اخذ الجنود البريطانيون يدمرون اسلحتهم كي لا يستفاد منها العدو.
بعد ظهر ذلك اليوم ارتفعت الأعلام البيضاء على الخطوط الامامية دلالة على الاستسلام، فأقبل من المعسكر التركي ضابط برتبة عقيد اسمه (نظام بك) وهو راكب على فرسه وورائه رتل طويل من الجنود الاتراك تتقدمهم الطبول.
خاطب خليل باشا طاوزند انه سيرسله إلى اسطنبول حيث يحل ضيفا عزيزا على الامة التركية، اما قواته فسوف ترسل إلى اماكن في الاناضول معتدلة المناخ.
ومن الجدير بالذكر انه كانت قد جرت معارك ضارية لتخليص البريطانية من الحصار ، وكان الفريق ايمار قائدا للقوات المكلفة بإنقاذ قوات طاوزند، إلى انه لم يفلح، وقد تكبد البريطانيون حوالي ( 140 ) الف بين قتيل وجريح واسير، وهزيمة كبرى للجيش البريطاني على يد الجيش العثماني، واخيرا فإن استسلام طاوزند كانت ضربة قوية لسمعة البريطانيين، حيث وصف المؤرخ البريطاني بان موريس: فقدان الكوت بأنه الاستسلام الأكثر شناعا واذلالا في التاريخ البريطاني العسكري.
المصادر المعتمدة :
1 عبدالرحمن البزاز ، من الاحتلال إلى الاستقلال ، ط2، القاهرة، ص79 وما بعدها.
2 للتفاصيل والاستزادة، ينظر: مجيد خدوري ، اسباب الاحتلال البريطاني للعراق، ( الموصل، 1933).
3 اسماعيل نوري، موقف اهالي بغداد تجاه القوات العثمانية خلال الحرب العالمية الاولى، بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي بغداد، مدينة السلام، في الحضارة الاسلامية، للفترة من 7-9 كانون الاول 2008 – ونظمه جامعة اسكودار تركيا – إسطنبول.
4 جريدة المدى ، الملاحق، سعدون ثامر، مئة عام على حصار الكوت 1916، في 3/ 4/2016.

