الباحث: حسين صالح السبعاوي
تعتبر إيران دولة توسعية لا حدود لأطماعها في المنطقة العربية، فهي لا تكتفي بحدودها الدولية ولا يتوقف عدوانها على الدول المجاورة لها فقط بل وصل عدوانها إلى كامل المنطقة خصوصاً بعد احتلال العراق عام ٢٠٠٣ وفرض هيمنتها عليه مما جعل الطريق مفتوحاً أمامها إلى بقية الدول، خاصة دول بلاد الشام الأربعة الذي عاثت فيها فساداً من خلال دعمها المليشيات الطائفية لتمزيق هذه الدول، تحت غطاء “الموت لإسرائيل والموت لأمريكا” في الوقت الذي يعلم الجميع بأنه لو لا أمريكا ما استطاعت إيران التدخل بشؤون المنطقة العربية وفرض هيمنتها عليها، فهي حليف ستراتيجي لأمريكا ولكل عدو للمنطقة، كما هي أداة مستخدمة من قبل النظام الدولي لتمزيق المنطقة وتدميرها من خلال مشروعها المشؤوم ( تصدير الثورة ).
تطرقنا في الجزء السابق إلى الأطماع الفارسية في دول الخليج، وفي هذا الجزء سنتطرق إلى أطماعها في بلاد الشام:
١- سوريا: إن العلاقة بين النظام السوري وإيران هي علاقة ستراتيجية قديمة وقبل مجيء نظام الخميني عام ١٩٧٩ ، فكانت علاقة حافظ الأسد والد الرئيس السوري الحالي بشار الأسد مع شاه إيران قد نشأت منذ بداية السبعينيات أي منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة، ثم بعد سقوط نظام الشاه ومجيئ نظام الخميني بقيت هذه العلاقة مستمرة، كما كانت سوريا خير من يمثل المشروع الإيراني التوسعي من خلال تدخلها في لبنان سنة ١٩٧٦ بحجة منع الحرب الأهلية، في الوقت الذي كان يدعم طرفا على طرف ومارس القمع والتنكيل ضد كافة القوى الوطنية اللبنانية الرافضة لهيمنته على الدولة ومؤسساتها، ولم تنسحب القوات السورية إلا بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري سنة ٢٠٠٥ بقرار من مجلس الأمن الدولي رقم ١٥٥٩ في ٣٠ نيسان ٢٠٠٥.
ثم بعد ذلك بدأ التدخل الإيراني المباشر في سوريا من خلال الحرس الثوري والمليشيات المرتبطة به في العراق وأفغانستان ( مليشيات فاطميون ) بعد عام ٢٠١١ عندما ثار الشعب السوري ضد النظام العنصري النصيري الحليف الاستراتيجي لإيران، والذي أذاق الشعب كل أصناف العذاب والتنكيل به، فدخلت إيران مباشرة لحماية حليفها ومنع إسقاطه على يد الشعب، وقد استخدمت هي وحليفها كل أنواع القوة المفرطة ضد الشعب السوري حتى دمرت مدن بأكملها على رؤوس ساكنيها وهجرّت ملايين المواطنين وقتل مئات الآلاف على يد مليشياتها والحرس الثوري أمام أنظار العالم أجمع كل ذلك من أجل أن يبقى حليفها يعمل تحت عباءتها وتستخدمه سكيناً في خاصرة الدول العربية والإسلامية.
٢- لبنان: بدأ التدخل الإيراني المباشر في لبنان بعد انسحاب الجيش السوري ومليشياته سنة ٢٠٠٥ والذي أنجز المهمة بتدمير النسيج اللبناني المتنوع، بعد هذا التاريخ بدأت إيران بالتدخل من خلال “حزب الله ” التابع لها بقيادة حسن نصر الله بعدما أبعد الرئيس السابق للحزب صبحي الطفيلي الرافض للهيمنة الإيرانية على لبنان، وبمجيئ نصرالله أصبح الحزب أداة إيرانية تضرب به الشعب اللبناني حتى تمكن هذا الحزب من الهيمنة على القرار السياسي والأمني في لبنان، فلا يمكن تشكيل أي حكومة إلا أن تكون خاضعة لحزب الله وتنفذ مطالبه والتي هي بالأصل مطالب إيرانية، وها هو لبنان اليوم يعيش حالة إفلاس مالي وفساد في كافة مفاصل الدولة، وانتشار المخدرات سيما أن مليشيا حزب الله تعتبر من أكبر مهربي ومروجي المخدرات، مع فقدان للأمن بسبب الهيمنة التي يفرضها الحزب على لبنان الذي فقد مقومات الدولة وهذا هو ديدن المليشيات المرتبطة بإيران بأنها تفقد الدولة مقومات بقائها حتى يكون مفهوم اللادولة هو السائد فيها وهو الحاكم على الأرض.
٣- الأردن: في عام ٢٠٠٤ حذر العاهل الأردني عبدالله الثاني أثناء زياراته للولايات المتحدة الأمريكية من خطورة المشروع الإيراني على المنطقة وقد استخدم مصطلح “الهلال الشيعي” الذي تريد إيران إنشاءه، والذي يبدأ من العراق مرورا بسوريا ولبنان ثم الأردن، وقد كرر الملك الأردني هذا المصطلح وخطورته في تموز ٢٠٢٢ وقد دعا لتشكيل تحالف عربي لمواجهة هذا المشروع، لكن يبدو أن هذا التحذير لم يجد آذاناً صاغية من قبل الأنظمة العربية.
هناك سؤال يطرح نفسه: لماذا الأردن يحذر من المشروع الإيراني ويستشعر الخطر علما أنه لا يوجد في المملكة الأردنية من الأقليات الشيعية الطائفية المرتبطة بإيران ؟
والجواب: إن إيران لا تعتمد على المليشيات الشيعية فقط في توسعها في المنطقة، بل تستغل حاجة الدول الفقيرة فتقدم على بناء المشاريع الخدمية كغطاء لثبيت قدمها فيها من خلال بناء الحسينيات وتشييد القبور والمزارات الوهمية – كما يحصل الآن في العراق وسوريا من انتشار المزارات الوهمية – وأيضا من الوسائل التي تستخدمها إيران هي ترويج المخدرات التي تدمر الشعوب، وكما هو معلوم أن إيران ومليشياتها أكبر مروجي المخدرات في الدول العربية والإسلامية، ولأن الأردن له حدود برية بمئات الكيلو مترات مع سوريا وتواجد المليشيات على هذه الحدود فمعنى ذلك أن الخطر موجود والمواجهة قائمة اليوم أو غدا.
٤- فلسطين: تعتبر إيران أول دولة مسلمة اعترفت بالكيان الصهيوني عندما أعلن دولته عام ١٩٤٨ حيث اعترفت إيران “باسرائيل” كدولة عام ١٩٥١ في زمن شاه إيران السابق، وبعد مجيئ نظام الخميني عام ١٩٧٩ ودخوله الحرب مع العراق كان الصهاينة من أكبر الداعمين لإيران وما فضيحة “ايران غيت” ببعيدة عندما اتفق الصهاينة والأمريكان على تجهيز إيران بالأسلحة في حربها ضد العراق.
أما اليوم فبدأت إيران تغير من إسلوب التخادم الذي يربطها مع العدو الصهيوني من خلال دخولها إلى المقاومة الفلسطينية ورفع شعارات “الموت لإسرائيل” وإعلانها عن تقديم (الدعم) للمقاومة مستغلة بذلك محاصرتها من قبل الأنظمة العربية وذهابها إلى التطبيع مع العدو الصهيوني، كل ذلك لغرض تحسين سمعتها الملطخة بدماء المسلمين وبنفس الوقت السيطرة على حركات المقاومة الفلسطينية والتحكم بمساراتها وقدرتها على المواجهة حتى تبقى أسيرة لسياستها الابتزازية والتي لا تؤثر على العدو الصهيوني، وبهذا تكون إيران والعدو الصهيوني هما المستفيدان من الوضع الفلسطيني القائم الآن.
أهم الوسائل التي اعتمدتها إيران في مشروعها التوسعي:
١- الحرس الثوري الإيراني.
٢- المليشيات الطائفية في الدول العربية والإسلامية مثل ( الحشد الشعبي في العراق، حزب الله في لبنان، لواء فاطميون من أفغانستان وباكستان…)
٣- استغلال الدول الفقيرة من خلال تقديم المساعدات مقابل نشر الطائفية والثقافة الإيرانية تحت مظلة جمعيات خيرية أو مراكز بحثية وهذا النوع يطلق عليه ( البروليتاريا ).
أما سبب (نجاح) المشروع الإيراني في المنطقة العربية فهو غياب المشروع العربي للمواجهة والتصدي لمشاريع إيران التوسعية، فلا بد من مشروع يواجه المشروع، ولا يمكن الإعتماد على الحليف الدولي الذي يظهر لنا عداءه لإيران ويخفي علينا تحالفه معها.
مقال خاص براسام

