تبدو خطط إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” جاهزة على الأغلب، من أجل إنهاء الحرب الأمريكية التي استمرت لـ 20 عامًا في أفغانستان. لكن، علينا ألا نتوقع أي نهاية قريبة للحرب في العراق، والتي لا تزال مستمرة منذ 18 عامًا.
الجنرال في مشاة البحرية فرانك ماكنزي تحدث لمجلة Military Times بتقرير نُشر في أبريل/ نيسان الماضي، حيث قدم أربعة أسباب منطقية لاختيار البقاء في العراق: تنظيم الدولة “داعش”، إيران، بغداد، وأفغانستان. حيث احتج بها من أجل عذر “بقاء أمريكا في العراق”. لكن كل عذر كان واهيًا، إذ لا يوجد أي تبرير لإطالة أمد السمعة السيئة التي حصل عليها الجيش الأمريكي بسبب أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية.
ماكنزي تحدث أولًا قائلًا: “سنكون هناك -العراق-، وحلفاؤنا في الناتو أيضًا. من أجل إنهاء الحرب مع تنظيم الدولة داعش”. لكن، ماذا يعني هذا الأمر؟ فمهمة استعادة الأراضي العراقية انتهت منذ أربع سنوات، ونفس الأمر في سوريا. كما أن زعيم تنظيم الدولة “داعش” أبو بكر البغدادي قد قتل خلال غارة أمريكية عام 2019. “قدرة التنظيم على النشاط مجددًا منخفضة للغاية في الوقت الراهن”. هكذا قال الجنرال بول كالفيرت، الذي قاد حرب الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها ضد التنظيم في العراق وسوريا.، خلال حوار له مع موقع Defense One في مارس/ آذار الماضي.
على الرغم من إشارة كالفرت إلى أن وضع تنظيم داعش قد يتغير، فيمكن قول نفس الأمر عن الجماعات المتطرفة في الشرق الأوسط، والتي تعتبر عدوة للولايات المتحدة. لكنها ليست سوى تهديد محدود الخطورة، لا يبرر بقاء الاحتلال المستمر في العراق. فكرة “القضاء على التنظيم” بالمعنى الذي يتخيله ماكنزي (القضاء على جميع بقايا التنظيم عبر الوسائل العسكرية) فكرة غير واقعية إلى حد كبير. كما أن هذا الأمر ليس ضروريًا من أجل أمن الولايات المتحدة. أي أن ملاحقة بقية مقاتلي تنظيم “داعش” من دون سبب وجيه، ليس سببًا في البقاء في العراق.
السبب الآخر الذي ذكره ماكنزي، كان إيران. حيث قال: “إذا أرادت طهران منا مغادرة العراق، فهذا سبب كاف من أجل البقاء”. كما أضاف: “أعتقد أن إيران لا تزال متمسكة بسياسة إخراج الولايات المتحدة وشركائها من المنطقة”. صحيح أن إيران تريد إخراج الولايات المتحدة من العراق، وصحيح أن واشنطن تملك علاقة عدائية مع طهران، لكن ذلك لا يمنع من حقيقة أن البقاء في العراق نكاية في إيران، هو ضرب من ضروب تخريب الذات. كما أنه يقوض الأهداف الدبلوماسية، ويجعل احتمال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أكبر. كما يعرض القوات الأمريكية لمخاطر لا داعي لها، ولن ينجح في إبعاد إيران من جارتها الشرقية.
وبالحديث عن بغداد، فقد انتقل ماكنزي من مشاعر الحقد، إلى تزييف الحقائق. حيث قال: “من المهم للغاية أن ندرك رغبة الحكومة العراقية في بقاء القوات الأمريكية في العراق”. وهذا ببساطة ليس صحيحًا. ففي مارس الماضي، أشار رئيس وزراء العراق “مصطفى الكاظمي” إلى أمله في إنهاء الجولات الأخيرة من المحادثات بين العراق والولايات المتحدة من أجل الحد من التدخل العسكري داخل بلاده. حيث قال في حوارات سابقة: “حققنا في فترة وجيزة للغاية، ما فشلت الأسلحة في تحقيقه. ففي غضون أشهر، تمكنا من تقليص حجم القوات الأمريكية في العراق بنسبة 60%. والآن، بإمكاننا مناقشة إعادة انتشار القوات الأمريكية خارج العراق”. وبالموازاة، فقد سعى البرلمان إلى الضغط لإخراج جميع القوات الأمريكية العام الماضي. حكومة بغداد لا تريد منا البقاء. بل تريد منا الرحيل.
النقطة الأخيرة التي أثارها ماكنزي، كانت بشأن خروج الولايات المتحدة من أفغانستان. حيث علق قائلًا: “سأتجنب المقارنة بين أفغانستان والعراق، لن أخوض في هذه المقارنة”. حسنًا، أنا أيضًا لا أريد ذلك. فالمقارنة التي يريد ماكنزي تجنبها، تشير إلى أن الانسحاب الأمريكي من العراق، والذي تعد الحرب فيه أكثر تكلفة وأكثر فتكًا، قد تأخر تمامًا مثل الانسحاب من أفغانستان.
الحرب في العراق بدأت بذرائع كاذبة. وهي وصمة عار في تاريخ السياسة الأمريكية الخارجية. فقد انتهت مهمتها الأصلية من أجل تغيير النظام منذ فترة طويلة. ونفس الأمر بالنسبة لمشروع تنظيم الدولة “داعش”. أما المهام الأخرى، كبناء الدولة ومكافحة التمرد ومحاولة السيطرة على إيران، فهي قابلة للحل عبر طرق أخرى ملائمة، ومفتوحة النهاية. الأمر يتعلق بشكل كبير، بأبعاد سياسية وثقافية لن يتم تسويتها عبر التدخل الأجنبي العسكري. كما هو الحال في أفغانستان، التي أمضت واشنطن عقدين من الزمن، تؤكد فيها على فشلها بمهمتها هناك. ربما لا يهتم ماكنزي بالدخول في مقارنة بين أفغانستان والعراق، لأن سياسته القائمة على الغطرسة وارتكاب الأضرار والفشل، لا تقتصر على حرب واحدة فقط. الرئيس بايدن كان محقًا في بداية عملية الانسحاب من أفغانستان، لكن عليه أن يبدأ أيضًا في عملية الخروج من العراق.

بوني كريستيان / ذا هيل
ترجمة وتحرير: راسام