أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

– مدخل:

تعد الدراسات التي تناولت القطاع النفطي العراقي جانبا مهما في فهم هذا القطاع ومن ثم مستقبله، فالاطلاع على مراحل تطور الصناعة النفطية في العراق من الأمور الرئيسية لفهم واقع هذا القطاع والأساس الذي قامت عليه والتحديات والأحداث السياسية المتعلقة بقضية النفط العراقي وما ترتب عليها وارتبطت بشركات نفطية أجنبية عديدة من خلال عدة صيغ تتفاوت من الامتيازات النفطية ومناصفة الأرباح وعقود الخدمة الفنية وعقود المقاولات وعقود شراء المباع والاستثمار الوطني وغيرها.

لقد رافق صناعة النفط في العراق منذ بداية القرن الماضي جملة من الحقائق التاريخية تمثلت بضخامة هذه الثروة التي جعلت منه يعوم على بحيرة من النفط ويمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، الأمر الذي تصارعت على أرضه الدول الكبرى بدأت بألمانيا وبريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى وانتهت بتقاسم هذه الثروة من قبل الشركات البريطانية والأمريكية والفرنسية والهولندية والسيد كولبنكيان، حصدت من ورائه الأرباح وفوائض القيم لاقتصاديات دولها المتقدمة مقابل حصول العراق على الربع النفطي المتواضعة، وحتى مع الأخذ بمبدأ مناصفة الأرباح عام ١٩٥١م لم تساهم في تطوير اقتصاده الأحادي الجانب وجاءت القرارات رقم (٨٠) عام ١٩٦١ و (٦٩) للعام ١٩٧٢م التي أعادت هذا القطاع الحيوي للاقتصاد العراقي انتاجا وعوائد مالية متزايدة.

اكتسب النفط أهمية من طبيعته كسلعة حيوية أثرت ولا تزال تؤثر في صياغة المشهد الاقتصادي العراقي، إذ يعتبر النفط مصدرا مهما من مصادر العائدات النقدية والمالية وتمارس مدفوعاته تأثيرا بالغ الأهمية على الأوضاع الاقتصادية في العراق، لذا يعتبر القطاع النفطي هو القطاع القائد لباقي القطاعات الاقتصادية، وتتمحور مجمل التغييرات الاقتصادية حوله والمحتملة.

ولأهمية الموضوع اشتمل على عدة حلقات، تناولت في الحلقة الأولى بداية اكتشاف النفط العراقي وظهور التنافس الدولي على نفط العراق.

– بداية اكتشاف النفط العراقي:

استعمل العراقيون القدماء النفط – كما يذكره (مهدي صالح مجيد)في كتابه “ما هو النفط؟” – في مجالات شتى لا سيما في صناعة السفن والاضاءة والتدفئة، فيما استخدم الكلدانيون النفط بوصفه علاجا لبعض الامراض الجلدية، أي تنوع استخدام النفط منذ القدم عند العراقيين، ومما يلحظ أثناء الحروب الصليبية حالف الزنكيون حكام الموصل السلطان صلاح الدين الايوبي عام (١١٨٩م)، في قتاله مع الصليبيين بالنفط الذي حسم العديد من المعارك.

أخذ النفط حيزا واسعا في كتابات الرحالة العرب والأجانب في بلاد الرافدين، إذ وصف ياقوت الحموي الذي توفى عام (١٢٢٩م) عين القيارة التي يخرج منها النفط بروعة قير هذه العين، كما وصف رحالة آخرون هذه العين ومنهم ابن جبير والرحالة المغربي ابن بطوطة، ولم يغب هذا الوصف عن الرحالة الأجانب أيضا حيث أشار الرحالة الدنماركي كارستن نييور وجيمس بنكغهام إلى القير ومناطق تواجده في شمال العراق لا سيما في منطقة حمام العليل، كذلك الرحالة الفرنسي الدكتور دانيفل والرحالة البريطاني جاكسون.

بدأ الاهتمام بالنفط العراقي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وتحديدا في ظل حكم الدولة العثمانية، وجرت محاولات لتطوير النفط، وكان المهندسون الألمان أول من أخذ على عاتقهم القيام بالحفر والتنقيب بحثا عن النفط، وقد عد منبع النفط في القيارة أول المنابع التي تم اكتشافها في العراق عام ١٨٤٦م عندما استطاع الدكتور باول رور هرباخ من العثور عليه جنوب مدينة الموصل، ثم أعقبه اكتشاف النفط في مندلي المحاذية لإيران، وبدء الاهتمام الجدي لهذا المجال عام ١٨٧١م حيث استقدم والي بغداد (مدحت باشا) الخبراء الألمان لاستكشاف النفط في العراق واستثماره، فقاموا بإنشاء مصفى في مدينة بعقوبة لتصفية النفط المستخرج من مندلي وكذلك في منطقة خانقين – أيضا المحاذية لإيران – لكن عزله عن الولاية في العام ١٨٧٢م حال دون إنجازه، حتى أن الأدوات تلفت نتيجة الإهمال في العراق.

ومن المفيد الإشارة إلى أن البعثتين الألمانيتين (١٨٧١ – ١٩٠١م) اللتين زارتا العراق لغرض البحث عن النفط تعد نقطة التحول الأساسية في الاستكشافات النفطية، فقد قدمتا تقريرا متفائلا يشير إلى وجود النفط في العراق، وكانت جهود البحث تتركز في مناطق ولاية الموصل، ثم جاءت بعثة أخرى عام ١٩٠١م لتؤكد وجود النفط في العراق، وعلى هذا الأساس تمكن الألمان من الحصول على فرمان (مرسوم) من السلطان العثماني عن طريق اتفاقية خط سكة حديد بغداد – برلين التي خول بموجبها حق التنقيب عن النفط على جانبي الخط، وبذلك تعد هذه الاتفاقية أول خطوة للحصول على امتياز لاستغلال نفط العراق، وفي نفس السياق نشر المهندس الألماني روباخ كتابا بعنوان (سكة حديد بغداد) سجل فيه أبرز ملاحظاته عن النفط، ويعتبر التقرير الذي قدمه رجل الأعمال الأرمني (كلاوست سركيس كولبنكيان) من أهم التقارير للسلطان العثماني في هذه الفترة وهو تقرير بعيد النظر يؤكد فيه وجود النفط في العراق، وإمكانية استثمار هذه الحقول عن طريق رؤوس الأموال الأجنبية.

دخلت بعد ذلك بريطانيا على خط المنافسة مع ألمانيا عن طريق جهود (وليم دارسي) الذي سعى للحصول على امتياز للتنقيب عن النفط في العراق، كذلك شركات هولندية فضلا عن الشركات الألمانية – كما سنرى عند الحديث ظهور التنافس الدولي على النفط العراقي–.

المصــــــــادر والمراجع المعتمدة:
١ – مهدي صالح مجيد، ما هو النفط، (بغداد، ١٩٧٣م).
٢ – نزار عمر الحديثي، النفط نشأته تواجده تجمعه، مجلة النفط والعالم، بيروت، العدد ٣٦ في آب ١٩٧٦م.
٣ – محمد بن عبد الله بن محمد الصحنجي، رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار، جزئين، (بيروت، ٢٠٠٩م).
٤ – جيمس بنكهغام، رحلتي إلى العراق سنة ١٨١٦م، ترجمة سليم طه التكريتي، الجزء الأول، (بغداد، ١٩٦٨م).
٥ – أحمد جاسم جبار، النفط في العراق، تاريخه ودوره في التنمية، معهد الأبحاث والتنمية الحضارية.
٦ – ناجي مزهر عبد الرحمن، الصناعة النفطية في العراق، (بغداد، ٢٠٠٩م).
٧ – إبراهيم خليل أحمد، ولاية الموصل دراسة في تطوراتها السياسية ١٩٠٨ – ١٩٢٢م، رسالة ماجستير كلية الآداب، جامعة بغداد، ١٩٧٥).
٨ – للمزيد عن كولبنكيان وحياته ودوره في مجال نفط العراق، ينظر: جمال كمال حسن الحيالي، كولبنكيان الصراع حول النفط ١٨٦٩ – ١٩٥٥م، (سوريا، ٢٠١٥م).

مقال خاص براسام