الباحث: حسين صالح السبعاوي
قررت الحكومة العراقية إجراء الانتخابات المحلية في يوم ١٨ كانون الأول من هذا العام – بعد أسبوعين من اليوم -، بعدما توقفت عام ٢٠١٨ بقرار من مجلس النواب آنذاك، حيث إن مجالس المحافظات المنتخبة تتولى مهمة اختيار المحافظ ومسؤولي المحافظة التنفيذيين، ويملك هؤلاء صلاحية الإقالة والتعيين وإقرار خطة المشاريع وفقا للموازنة المالية المخصصة للمحافظة من الحكومة المركزية في بغداد بحسب الدستور العراقي لعام ٢٠٠٥.
يتنافس في هذه الإنتخابات التي ستجرى في ١٥ محافظة من العراق – محافظات كردستان غير مشمولة بالانتخابات – ٣٤٨ حزبا مسجلا في دائرة شؤون الأحزاب، و٤٥ تحالفا سياسيا حسب تصريح المتحدثة باسم المفوضية العليا للانتخابات جمانة الغلاي التي قالت: يتكون مجلس المحافظة من ١٢ مقعداً يضاف إليها مقعد لكل ٢٠٠ ألف نسمة لما زاد على المليون نسمة في المحافظة، كما ذكرت المتحدثة الرسمية أن عدد الناخبين في ١٥ محافظة تجاوز ٢٣ مليون ناخب مسجلين لدى المفوضية.
لكن رغم الإجراءات الحكومية والدعايات المفرطة من قبل المرشحين إلا أنه هناك بوادر عزوف شعبي عام عن المشاركة في الانتخابات القادمة بطريقة أكبر مما جرى من المقاطعة للانتخابات الماضية ولعدة أسباب:
١- وصل الناخب العراقي إلى مرحلة الإحباط واليأس من أي تغيير يحدث بعد أيّ انتخابات، وإن حدث تغيير فإنه سيكون نحو الأسوأ.
٢- كان التيار الصدري مشاركا في جميع الانتخابات السابقة وقد حقق نتائج جيدة من حيث عدد المقاعد، إلا أنه في هذه الانتخابات قد دعا جمهوره لمقاطعتها، علما أن جمهور التيار الصدري ينتشر في مناطق الوسط والجنوب ويمثل الأغلبية فيها وفق نتائج الإنتخابات السابقة.
٣- لا يشارك سكان المدن الكردية الثلاث في هذه الانتخابات، وكانت المفوضية ترفع من نسبة المشاركة بسبب مشاركة هذه المدن باعتبارها مدن مستقرة ومعلوم لديهم الخارطة الانتخابية والأحزاب والمرشحين على اعتبار جميع المرشحين من المكون الكردي.
٤- عملية الإقصاء التي تعتمدها حكومة الإطار التنسيقي من خلال التلاعب بقوائم الأحزاب والكتل السنية وخاصة في المدن الغربية، فهي تقصي طرفا وتقدم طرفا آخر حسب ما تقتضيه مصالحهم، وقد رأينا كيف أقصي محافظ نينوى من الانتخابات بحجة قانون المساءلة والعدالة بينما هو شغل منصب المحافظ لمدة أربع سنوات سابقا، وقبلها شغل مناصب عسكرية وأمنية كان آخرها قائد عمليات نينوى، فهذه الازدواجية في المعايير جعلت الناخب العراقي يعزف عن المشاركة في أي انتخابات.
٦- أعتقد سوف يعزف عن المشاركة في هذه الانتخابات حتى جماهير الأحزاب نفسها، وذلك لعدم مصداقية المرشحين، وعدم الوفاء بالوعود التي أطلقها الفائزون في الانتخابات الماضية، بحيث لم يتحقق منها شيئا يذكر بشهادة رؤساء الكتل والأحزاب.
٧- هناك ظاهرة جديدة وهي فتح فروع جديدة لأحزاب السلطة بأسماء جديدة تدّعي المدنية والتغيير، وما هم إلا أدوات وواجهات للأحزاب القديمة التي دمرت العراق منذ ٢٠٠٣ وإلى الآن.
هذه الأسباب تضاف لما سبق من مقاطعة للانتخابات السابقة سواء بسبب التزوير الذي أصبح سمة فارقة في كل انتخابات تجرى في العراق، إلى المال السياسي الفاسد الذي تشترى به ذمم بعض الناخبين وموظفي المفوضية، وكذلك الأحزاب ذات الأذرع العسكرية التي تشارك في كل انتخابات وهي تهدد الناخب بالقتل أو الاعتقال، بل أحيانا يهددون قرى بأكملها بالتهجير في حال عدم انتخاب مرشح بعينه.
إن الشعب العراقي أصبح يدرك يقيناً بأن هذه الانتخابات، بل هذه العملية السياسية الفاسدة، لا يرجى منه خير أو صلاح للمجتمع، بل هي مجرد تدوير الفاسدين خدمة لمصالح القوى الخارجية وخدمة لمصالحهم الشخصية من خلال النهب للمال العام بحيث أسسوا امبراطوريات مالية من خلال فسادهم وسيطرتهم على المال العام.
لقد أدرك قادة الأحزاب والكتل السياسية بأن المقاطعة ستكون شاملة في هذه الانتخابات المقبلة فبدأوا منذ مدة باتهام المقاطعين بأنهم يروجون للفوضى وعدم الاستقرار، وكأن العراق بلد مستقر منذ ٢٠٠٣ وأن هذه المقاطعة سوف تدخل البلد في فوضى عارمة، وقد نسوا أو تناسوا بأن الفوضى في العراق بدأت منذ دخولهم مع المحتل رغم إجراء عدة انتخابات إلا أن جميعها بنيت نتائجها على التزوير والمال الفاسد والتهديد بالسلاح لكل مخالف.
إن هذه الأحزاب إذا ما أدركت بأن مصالحها قد ضربت فإنها على استعداد لحرق البلد، وقد شاهدنا ما فعله جماعة الإطار التنسيقي عندما خسروا في الإنتخابات الماضية وكيف بدأوا بتوزيع التهم على شركائهم في العملية السياسية، وكيف هددوا مسؤولي الدولة علناً.
إن قرار المقاطعة ماضٍ رغم كل التهديدات ورغم كل الوعود التي يطلقونها للشعب ورغم كل الدعاية المسرفة التي أصبحت حالة نشاز ومحل سخرية لدى الشعب العراقي.
لا يمكن أن للعراق أن يستقر في ظل حكم هذه الأحزاب الحاكمة، ولا يمكن أن تستمد أي شرعية من خلال هذه الإنتخابات، وإن ما يحتاجه العراق اليوم هو عملية سياسية جديدة تعتمد على مبدأ المواطنة في إدارة الدولة، وتعتمد على الكفاءات العلمية في بناء العراق من أجل عودته إلى مكانه الطبيعي الذي يستحقه، إضافة لمنع أي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية، بمعنى بناء عراق حر ومستقل لجميع أبناء الشعب بغض النظر عن الطائفة والقومية والعرقية.
مقال خاص براسام

