أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

توسيع التعليم الطبي:
كان موضوع الكلية الطبية محوراً لاستفسارات ومداخلات عدداً من النواب بحكم كونها المؤسسة الصحية التعليمية الوحيدة التي ترفد المؤسسات الصحية والألوية العراقية بالكوادر الطبية عندما ربط عدد من النواب بين مشكلة نقص الأطباء بزيادة التخصيصات المالية لوزارة الصحة حتى تتمكن الأخيرة من فتح كليات طب أخرى من مناطق البلاد، ففي جلسة المجلس الـ(9) المنعقدة في 13 شباط 1952، تحدث نائب بغداد (عبد المجيد القصاب) في مداخلته التي تركزت على “توسيع القبول في كلية الطب” لتخريج العدد الكافي من الأطباء وقد أيّده في مداخلته نائب الموصل (متي سرسم) الذي قدّم إحصائية بعدد خريجي الكلية منذ تأسيسها (ويقصد النائب هنا جامعة آل البيت ببغداد) عام 1927 والذي وصل إلى ما يقارب 700 أو 800 طبيب أي ما يعادل 30 طبيباً في كل عام والعراق الذي يقدر عدد سكانه ما يقارب خمسة ملايين بحاجة إلى أكثر من 3 آلاف طبيب لذلك طالب بـ “افتتاح كلية طب ثانية في الموصل” وأن يولي وزير الصحة أمر الكلية الطبية عنايته الخاصة…”.
أما باقي المداخلات فتركزت على النهوض بالواقع التعليمي لكلية طب بغداد وتركزت تلك المداخلات على قلة أعداد الطلبة المقبولين في هذه الكلية لأن الأخيرة لا تقبل العدد الكافي لعدم قدرتها على إدارة هذا العدد، وعلى حسب قول نائب بغداد (جاسم أمين) “لأسباب عدة منها قلة الأساتذة، أما نائب الموصل (حناط خياط) فحاول لفت أنظار الحكومة في جلسة المجلس الـ (45) في 8 أيار 1951، إلى الشواغر في الملاكات التدريسية متسائلاً عن “خطة الحكومة لإملاء الشواغر”، مؤكداً صعوبة ذلك “لأعدم توفر العناصر الملائمة لإملائها”، أما نائب الكوت (سامي شوكت) فوجّه هو الآخر انتقاداته إلى سياسة الكلية التي لم تتمكن وعبر مسيرتها العلمية التي تربو على 24 عام، من الاستغناء عن الأساتذة الأجانب “وأن تجعل نصف أو ربع أساتذتها من العراق” ولمعالجة هذه المشكلة قدّم النائب (شوكت مفسخ مقترحه القائم على “أخذ الطلبة الخمس الأوائل من الصف المنتهي في الكلية الطبية وإيفادهم للتخصص في الجامعات الأوربية والأمريكية كل حسب ميوله العلمية وعند عودتهم يعينون في الكلية كمساعدين للأساتذة…” أما فاضل معلة (نائب الديوانية) فوجّه دعوة إلى عمادة كلية الطب لاستقدام أساتذة عالميين يلقون محاضرات وبهذا تكون الفائدة كبيرة.
كما طالب نائب بغداد (عبد المجيد القصاب) في الجلسة الـ (14) في 5 كانون الثاني 1955، بضرورة إصلاح النظام الذي كان يدار به كلية الطب ببغداد بإعطاء صلاحية إدارة كلية الطب والصيدلية والمستشفى الملكي بيد الجامعة فيلحق بها الكليات وهناك تكون الجامعة هي المسؤولة عنها.
في حين تحدّث عدداً من النواب بجلسة المجلس الـ (21) في 25 شباط 1956 موضحين قلة المستشفيات التعليمية والتي اقتصرت على المستشفى الملكي، وتأتي أهمية هكذا مؤسسات بحكم كون مهمتها الأساسية هي التعليم ثم العلاج على أساس التعليم أيضاً.
أما الأمراض السارية والمتوطنة فحظيت هي الأخرى باهتمام النواب من خلال مناقشاتهم ومداخلاتهم موضحين معاناة المرضى والمصابين بهذه الأمراض أمام عجز المؤسسات الصحية وتقصير الحكومة في معالجة هذه الأمراض، ومن هذه الأمراض مرض السل والذي ازداد عدد المصابين به حتى وصلت أعدادهم وبحسب الإحصائية التي قدّمها نائب الدليم (محمد مشحن الحردان) في جلسة المجلس الـ (7) في 12 كانون الثاني 1958، بوجود ما يقارب من (1137) مريضاً وهذا العدد مخيف ودليل على انتشار مرض السل في البلاد ويفوق الطاقة الاستيعابية لمستشفى التويثة الخاصة بمعالجة هذا المرض”. ومن المفيد بالإشارة أن مستشفى التويثة جرى افتتاحها سنة 1951 وبجهود من أعضاء جمعية مكافحة التدرن وأطلق عليها اسم مستشفى (الأمير عبد الله) للأمراض الصدرية بسعة (300) سرير وأمام ازدياد أعداد المرضى توسعت الطاقة الاستيعابية للمستشفى لتصل إلى (24) ردهة وبسعة ألف سرير وأمام ازدياد أعداد المرضى توسعت الطاقة الاستيعابية للمستشفى لتصل إلى (24) ردهة وبسعة ألف سرير.
وطالب عبد العزيز الخياط (نائب الكوت) بجلسة المجلس الـ (14) في 5 كانون الثاني 1955، بفتح مستشفيات مماثلة في باقي الألوية عندما قال “إن مستشفى السل في بغداد لا تسد الحاجة فيجب فتح مثل هذه المستشفى في أنحاء العراق الأخرى في البصرة والموصل” ذلك الطلب الذي لقى تأييد من عدد من النواب ومنهم نائب الديوانية (موحان الشعلان) عندما عرض الحالة نفسها ولكن بالنسبة إلى منطقته الانتخابية الديوانية مؤكداً عدم قدرة مستشفى الديوانية على معالجة المرض “نظراً لتزايد عدد الإصابات” مطالباً بزيادة عدد أسرّته وجعله يستوعب على الأقل مائة سرير. وخلال الجلسة ذاتها تولى (وزير الصحة) محمد حسن سلمان، الإجابة على أسئلة النائب الشعلان مؤكداً “أن بناء مستشفى في كل لواء يتوقف على حالة اللواء المناخية، لأن مكافحة هذا المرض يستلزم المناخ الصالح أما مناخ الوسط والجنوبي لا يساعد على إنشاء مستوصفات لمكافحة السل في كل لواء…”
لكن استمرت أعداد المصابين في تزايد مستمر وباعتراف عدد من المسؤولين في وزارة الصحة التي وصلت إلى (30) ألف مصاب سنة 1956، تلك الزيادة التي كشف عن عجز الأجهزة الصحية مما أعطى مبرراً لاستمرار مطالبات عدد من النواب ومنهم نائب العمارة (محمد حسن سلمان) لوضع حد لهذه المشكلة “التي هي جديرة بكل عناية ومكافحتها علاجياً ووقائياً…” مما يستلزم المنهج العلمي الثابت والمدروس والإعداد والتنظيم والعناية.
كذلك ركّزت طروحات عدد آخر من النواب على الطب الوقائي ومنهم نائب الموصل (عبد الله القصير) الذي قارن بين ميزانية الطب الوقائي في العراق وباقي الدول بقوله:” إن سائر الدول تخصص حصة الأسد في ميزانية شؤونها للأعمال الوقائية أما عندنا فالآية معكوسة. فلو أُتيح لنا تدقيق ميزانية الصحة العامة منذ سنة 1921-1947، لوجدنا أن حصة الوقاية ضئيلة وضئيلة جداً مع العلم أن بلادنا بحاجة ماسة لصرف معظم شؤونها على الأعمال الوقائية”، وبالتالي دعا نائب بغداد (عبد المجيد القصاب) الحكومة إلى “التحرر من السياسة النقدية…السياسة الصحية التي تصرف على الأغذية خمسمائة دينار وعلى الأدوية ثمانمائة ألف دينار وعلى الوقاية مائة وسبعة وثمانين ألف دينار، هذه السياسة خاطئة”.
وخلاصة القول:
إن الواقع الصحي للمدن العراقية وبمختلف وحداتها الإدارية كان إحدى الجوانب التي نالت اهتماماً من النواب خلال المدة 1945-1958. كما لاحظنا غلبة التكرار مما يدل دلالة واضحة أن ما كان يُطرح لم يجد حلاً سريعاً، ومما يدل على إحساس حقيقي من قبل النواب بحاجة ملموسة تقابلها ردود تبريرية من وزراء الصحة.

المصادر المعتمدة:
– محاضر جلسات مجلس النواب، الدورة الانتخابية الخامسة عشر، الاجتماع الاعتيادي لسنة 1951-1952؛ الاجتماع الاعتيادي لسنة 1956.
– حسن الدجيلي، تقدم التعليم العالي في العراق، مطبعة الإرشاد، (بغداد، 1963).
– أديب توفيق الفكيكي، تاريخ أعلام الطب العراقي الحديث، الجزء الأول، (بغداد، 1993).
– عبد الرزق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، عشرة أجزاء، دار الشؤون الثقافية العامة، (بغداد، 1988).

مقال خاص براسام