وقع الرئيس الأميركي “جو بايدن” مرسوماً مدد من خلاله حالة الطوارئ الوطنية، المتعلقة بالأوضاع في العراق بسبب مؤشرات وصفها موقع “البيت الأبيض” في بيان له بأنها “تهديدات غير عادية”، معلقاً على الأوضاع في العراق بأنها “لا تزال هناك عقبات تعترض إعادة الإعمار المنظم للعراق، واستعادة السلام والأمن في البلاد والحفاظ عليهما، وتطوير المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية في العراق”، وأضاف البيان بأن جميع هذه العقبات تشكل “تهديدا غير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للعراق والولايات المتحدة الأميركية أيضاً، لذلك أتخذ القرار باستمرار حالة الطوارئ الوطنية المعلنة بموجب الأمر التنفيذي(13303) فيما يخص استقرار العراق”، علماً بأن القرار(13303)الخاص بالعراق صدر في 22 أيار عام 2003، خلال عهد الرئيس الأميركي “جورج بوش الابن”، والذي يقضي بحظر تصدير بعض السلع الخاصة، بالإضافة إلى معاقبة شخصيات وكيانات عراقية بعينها، كما أنه يتضمن حماية صندوق تنمية العراق، وحماية نفطه وعائداته، وأمنه القومي، وأمن الولايات المتحدة الأمريكية، وقد رد نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع “سفكان يوسف” على قرار تمديد حالة الطوارئ في العراق قائلاً: “بأنه قرار مرفوض”، وزاد في الإيضاح بأن “الوضع الامني العراقي جدا مستقر ولا يحتاج لقوات امريكية في العراق” بينما صمت البرلمان وكذلك حكومة السوداني على هذا القرار.
صدور القرار الامريكي بتمديد حالة الطوارئ الوطنية في العراق يعني الكثير، فهناك من يرى بأنه روتيني، ورمزي، ويجدد كل سنة، ولا قيمة له على أرض الواقع، وهناك من يخالف هذا الرأي ويرى بأنه يحمل الكثير من المعطيات والمؤشرات التي لها انعكاسات على أرض الواقع، وهو قرار جدي يبين السياسية الخارجية لواشنطن تجاه العراق في الفترة المقبلة بعد أن تراجعت أهميته وأولويته لدى الإدارة الأمريكية في الفترة الماضية، وهناك من يرى بأنه يحفظ أموال العراق من الشركات التي كسبت قرارات قضائية تتعلق بتعويضات وخسائر هذه الشركات التي تقدمت بشكوى وكسبت هذه القضايا منذ تسعينات القرن الماضي، وهذا القرار يمنع الشركات من الحصول على هذه الأموال، أي أنه حماية لصندوق الودائع العراقية الموجودة في صندوق تطوير العراق، بما فيها عائدات النفط وهو حماية للأموال العراقية، وهناك من يقول بأنه أستمرار لسياسية الهيمنة الأمريكية وفرض الأرادات بالقوة، لو كان على حساب السيادة العراقية وهيبة الدولة التي ضربت عرض الحائط من خلال تجاهلها لحكومة بغداد وعدم التشاور معها قبل إصدار هذا القرار الذي جدد الحق لواشنطن فرض العقوبات الأمنية والاقتصادية على الشخصيات والكيانات التي يراها البيت الابيض بأنه تشكل تهديد للأمن القومي الأمريكي والعراقي، كما إن واشنطن مددت لنفسها فترة بقائها في العراق الى شعار أخر، وقالت بأنها باقية ولن ترحل من المنطقة، ولكنها لم تقل لنا كيف سيكون هذا البقاء؟، وكم مدته؟، وهل هو عسكري؟، أم أمني؟، أم سياسي؟، أم اقتصادي؟ أم جميعها؟ ولا أدري إن كانت حكومة بغداد قادرة على أن تجيب عن هذه الاسئلة؟.
إن هذا القرار يثير الكثير من التساؤلات عن صمت الحكومة، والبرلمان، والميليشيات المسلحة التي تدعي عدواتها لواشنطن، وتطالب بخروجها من العراق بين فترة وأخرى، ولكنها هذه المرة لم تنبس بشفا كلمة على هذا القرار الذي يعد تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية العراقية والسيادة لحكومة المنطقة الخضراء، خصوصاً وإن الولايات المتحدة الأمريكية أعطت الحق لنفسها بتجديد بقائها في العراق دون أستشارة، لذا فهي تجدد وصايتها واحتلالها للعراق مرة أخرى بعد عشرين عاماً على الاحتلال الأمريكي-البريطاني للبلد، ومن يراقب تحركات وتصريحات السفيرة الأمريكية “رومانوسكي” يجد بأنها بدأت تتدخل في إدارة الدولة العراقية في وضح النهار دون أي مواربة، فهي تلتقي بالوزراء، والقادة، والزعماء، وشيوخ العشائر، ومنظمات المجتمع المدني، ومحلات الحلويات، والمطاعم، وتتكلم عن الأعمار، والخدمات، والطاقة، والكهرباء، والمياه، وكأنها المسؤولة عن إدارة الدولة العراقية، متجاهلةً كل الأعراف الدبلوماسية والحدود التي يجب أن تتوقف عندها، بل أنها تتكلم أكثر من الوزراء في حكومة “السوداني”، فهي تجتمع مع وزيرة المالية لمناقشة الميزانية، ولا أعرف ما هو دخل السفيرة في ميزانية العراق؟، ثم يتكلمون و يتبجحون بعد ذلك عن سيادة الدولة وحكم القانون.
صدور هذا القرار جاء متزامناً مع تصريحات مهمة للسفيرة الأمريكية في بغداد حول الاستراتيجية التي ستتعامل بها واشنطن مع العراق والمنطقة خلال الفترة القادمة، وذلك عندما صرحت لـ”قناة سكاي نيوز عربي” قائلةً ” إن العراقيين لا يريدون دولة تسيطر عليها الميليشيات”، و “إن الولايات المتحدة لن ترحل عن المنطقة”، كما أشارت إلى “إن العراق يمثل أهمية استراتيجية كبيرة لدى واشنطن”، وبهذا تكون هذه التصريحات قد حسمت الموقف في الكثير من القضايا المفصلية المهمة التي طالما امتنعت واشنطن عن البوح بها لفترات طويلة، كما أنها تبين مدى التدخل الأمريكي في الشأن العراقي الداخلي، وهي دليل واضح على إن حكومة “السوداني” هم عبارة عن موظفين لدى السفيرة الأمريكية في العراق، وإن واشنطن هي من تحدد مدة بقائها في العراق من عدمه وليس لحكومة بغداد أن تتدخل في ذلك، علماً بأن هذه التصريحات بينت ثلاثة نقاط استراتيجية مهمة ورئيسية، أولها: تخص مستقبل الميليشيات المسلحة في العراق، والثانية: بقاء القوات الأمريكية في العراق والمنطقة، والثالثة: أهمية العراق الاستراتيجية في المنطقة وخاصةً لدى صانع القرار الأمريكي.
إن السفيرة الأمريكية “رومانوسكي” أرادت إيصال رسائل متعددة أولها: إن دور الميليشيات المسلحة في العراق قد أنتهى، ويجب إنهاء سيطرة وسطوة الميليشيات المسلحة على مؤسسات الدولة العراقية، والتي عملت طوال الفترة الماضية على تقويضها وأضعافها، كما عملت على تقويض الأمن والاستقرار، وهي متهمة بارتكاب جرائم حرب خطيرة سكت عنها واشنطن فيما مضى، ولكنها وثقت هذه الجرائم ويمكن لها أن تقوم بتحريكها عند الضرورة لغرض محاكمتها أذا ما رفضت هذه الميليشيات الاملاءات الأمريكية الجديدة، هذا إن صدقت الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة هذه الميليشيات، ولكن السؤال الأكثر أهمية هل تمتثل الميليشيات لهذه التصريحات؟، وهل ستقبل بحصر السلاح بيد الدولة؟، وكيف سيتم السيطرة على السلاح المنفلت في العراق؟، وكيف سيتم التعامل مع الميليشيات العابرة للحدود؟، وكيف سيتم التعامل مع الميليشيات الولائية التابعة لإيران؟، خصوصاً وأنها بدأت بتشكيل ميليشيات جديدة تابعة لها في مدينة سنجار تتألف من أربعة أفواج، في تناقض واضح مع تصريحات السفيرة الأمريكية، وجميع هذه الاسئلة هي كبيرة وتحتاج الى قرار سياسي قوي وحازم لإعادة بناء مؤسسات الدولة وخاصةً القانونية والأمنية، فهل حكومة السوداني قادرة على ذلك؟، وكيف سيتم تنفيذ الأهداف الأمريكية؟، وهل ستوافق حكومة السوداني على تنفيذها؟، وما هو الثمن لذلك؟.
لقد أرادت السفيرة الأمريكية أن ترسل رسالة أخرى الى الميليشيات المسلحة ومن خلفها إيران ودول المنطقة بأننا لن نخرج من العراق ولن نرحل عن المنطقة، وهذا يعني بأن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة بما فيها زيادة إعداد القوات الأمريكية في العراق والمنطقة، وحسب متطلبات الأمن القومي الأمريكي والعراقي، ويجب أن تتوقف الميليشيات عن لغة التهديد والوعيد وإطلاق الصواريخ والمسيرات على القواعد الأمريكية، بما فيها التهديدات التي أطلقها “هادي العامري زعيم ميليشيا بدر” مخاطباً فيها “قاسم سليماني” و”أبو مهدي المهندس” قائلاً: “إن ثمن دمك سيكون خروج القوات الأمريكية من العراق”، ولكن يبدو بأن هذه الشعارات والمطالبات والتهديدات بخروج القوات الأمريكية من العراق والمنطقة قد ذهبت أدراج الرياح حسب التصريحات الجديدة للسفيرة “رومانوسكي”، التي تلوح بأن واشنطن جادة على أن تتبع سياسية جديدة للتعامل مع الميليشيات للحد من نفوذها وسطوتها، وإنه لا يوجد أحد فوق سلطة القانون في الفترة المقبلة، لأن واشنطن وبريطانيا التي تحملت هذه الخسائر الكبيرة في العراق لن تخرج منه بهذه السهولة التي يعتقدها البعض، وإن هذا البلد سيبقى تحت وصاية الاحتلال الأمريكي-البريطاني الغير المباشر، كونه يمثل أهمية استراتيجية كبيرة للإدارة الأمريكية في الفترة المقبلة وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.
إن هذه التصريحات حملة رسالة ثالثة حسمت فيها السفيرة الأمريكية الصراع الدولي على العراق، وهي موجهة لكل من روسيا والصين مفادها، بأن العراق تحت الوصاية الأمريكية، ولن يكون هناك تغير للنظام الذي تديره واشنطن لا عسكرياً، ولا من خلال المظاهرات، ولا من خلال صناديق الأقتراع، ألا بموافقة امريكية، أي إن هذه التصريحات حملت أبعاد محلية، وإقليمية، ودولية، خصوصاً بعد أعادة الانتشار والتموضع التي جرت للقوات الأمريكية في المنطقة والتي أسفرت عن الانسحاب من أفغانستان وبعض القواعد العسكرية في العراق ومنطقة الخليج العربي، لغرض التوجه الى منطقة أسيا الوسطى لمواجهة النفوذ والتمدد الصيني هناك، ولكن هذا التموضع لا يشمل العراق، الأمر الذي سيحدد من طموحات التمدد والسيطرة لكل من روسيا والصين وإيران في العراق والمنطقة.
إن بقاء الدولة العراقية ضعيفة أمنياً، وأقتصادياً، ومنقسمة سياسياً، هو انعكاس وامتداد للسياسة الأمريكية في إدارة البلد بالتوافق مع إيران طوال الفترة الماضية، لكي تبقى الطبقة السياسية التي حكمت البلاد عرضة للابتزاز السياسي والأمني والاقتصادي داخلياً وخارجياً، خصوصاً مع تعدد مراكز القوى، وانتشار السلاح المنفلت الذي يدار بمرجعيات سياسية ودينية تابعة للخارج، مع تفشي الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة الرسمية، بحيث تحول البلد ساحة لتصفية الحسابات المحلية والإقليمية والدولية على حساب المصالح العليا للبلد، بما فيها استغلال ضعف القوى السياسية الحاكمة وحاجتها للدعم الخارجي أمنياً وأقتصادياً، الأمر الذي جعلها عرضة للمساومات والابتزاز ، مقابل الموافقة على تمرير وتشكيل هذه الحكومات الفاسدة واستمرارها في الحكم، ولكن الغريب بأننا لم نسمع تهديدات لقادة الميليشيات تشمل السفيرة الأمريكية والتواجد الأمريكي، ولم نسمع عن هجمات على القواعد الأمريكية رغم التصريحات النارية للسفيرة الأمريكية، والغريب بأن إيران أيضاً صمتت على ذلك، وكأن القوم قد تنازلوا عن تصريحاتهم السابقة التي تنادي بخروج القوات الأمريكية من العراق، بما فيها “وإن عدتم عدنا”، ولم نسمع شيء عن سيادة الدولة!، ولم نسمع عن التدخل في إدارة الدولة!، ولم نسمع أعتراض من أحد قادة الميليشيات على تمديد قانون الطوارئ، فهل تحولت مرجعياتهم الى واشنطن بدل طهران؟، سنرى ذلك في الفترة القادمة.

