يراهن النقاد والخبراء والدبلوماسيون على الانتخابات البرلمانية المقبلة في العراق في أكتوبر / تشرين الأول، كاختبار رئيسي لمدى قدرة العراق على إجراء تصويت حر ونزيه. في الواقع، قد تمتد مخاطر هذه الانتخابات نحو الحكم بفقدان أي أمل تجاه استعادة العراقيين الثقة في دولتهم، بعد الضرر الكبير الذي لحقهم خلال آخر عقدين من الزمن.
علاوة على ذلك، لا يزال عدد كبير من العراقيين لا يرون في الانتخابات وسيلة فعالة لإحداث تغيير جذري يحتاجه الشعب العراقي، ما جعل الكثيرين يدعون إلى مقاطعة الانتخابات.
وقد دعا رئيس الحكومة الحالي مصطفى الكاظمي إلى إجراء انتخابات برلمانية يوم العاشر من أكتوبر / تشرين الأول، كنوع من تلبية مطالب النشطاء المحتجين الذين تزعموا احتجاجات شملت عددًا كبيرًا من محافظات العراق سنة 2019، والتي أدت لاحقًا إلى استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.
ومن المقرر أن يُجرَى تصويت برلماني بموجب قانون انتخابي جديد يقلص من نظام المحافظات في العراق إلى 83 دائرة انتخابية، ويلغي التصويت على أساس القوائم لصالح أصوات المرشحين الأفراد. وتعتبر هذه الانتخابات هي السادسة في تاريخ العراق منذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003. حيث كان الهدف الأساسي من الانتخابات جعل العراق أحد رواد الديموقراطية والتعددية الحزبية في الشرق الأوسط الذي يعاني من عدد من الأنظمة الاستبدادية.
لكن بدلًا من ذلك، استولت الطبقة الأوليغارشية على السلطة، واكتفت بانتخابات شكلية لتعزيز شرعيتهم واحتكار موارد البلاد. سيطروا على المجال العام، وتلاعبوا بمؤسسات الدولة لضمان بقائهم في رأس هرم السلطة. فمنذ أول انتخابات 2005، زورت جميع الانتخابات، فكانت النتيجة برلمانات مشلولة بسبب الانقسامات والحكومات مختلة النظام. تعاقبت هذه الحكومات وخذلت الشعب العراقي، وأصبح البلد الغني بالنفط، فاسدًا منعدم الكفاءة، يعاني من خصاص في الخدمات العامة الأساسية، يسوده الفقر وانتهاكات حقوق الإنسان.
اليوم، يُطلب من هذا الشعب المحطم أن يختار برلمانًا جديدًا من نفس المجموعات الحاكمة. تفاقم الركود السياسي إلى أن وصل مرحلة خطرة، بسبب أسوأ أزمة صحية يعيشها العالم، وركود اقتصادي كلف ملايين العراقيين كثيرًا على مستوى معيشتهم.
وقد وعد الكاظمي مرارًا وتكرارًا بحرية الانتخابات ونزاهتها، إضافة لحثه النشطاء على تنظيم أنفسهم سياسيًا والمشاركة في الانتخابات المقبلة.
لكن أكبر المتسببين في الأضرار، هم الأشخاص الذين أتوا من الأمم المتحدة والدبلوماسيين الغربيين المتواجدين في بغداد. والذين كانوا يتباهون بالتصويت باعتباره بداية لمستقبل جديد وأكثر ديموقراطية للعراق. وقد تعهدت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس، بمساعدة السلطات العراقية في جعل الانتخابات المقبلة “شفافة وذات مصداقية”.
ممثلو الدول الغربية في بغداد يؤكدون بشكل علني التزام حكوماتهم بدعم “التطلعات التي يرغب فيها الشعب العراقي من أجل سيادة القانون وتحقيق الإصلاحات، عبر انتخابات نزيهة وحرة”. حيث تلقت بعثة الأمم المتحدة في العراق وعودًا بدعم بملايين الدولارات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان من أجل دعم المشروع الذي تقوده الأمم المتحدة لمراقبة الانتخابات المقبلة في العراق.
ليظل السؤال هنا، لماذا تستمر الأمم المتحدة والولايات المتحدة والحكومات الغربية في توفير الدعم للقيادات العراقية الجشعة، التي حولت الديموقراطية في العراق إلى مهزلة؟ العراقيون يعلمون جيدًا تكلفة الانتخابات في العراق، والتي لاتسير على النحو السلس رغم الجو والفرص التي يوفرها العالم من أجل إقامة حكم مدني ديموقراطي في العراق.
الانتخابات في شكلها الحالي تبدو باهتة لا صلة لها بالديموقراطية. لا تقوض النظام السياسي فحسب، بل تعد بدولة عراقية هشة تعرض نفسها للخطر. الانتخابات القادمة تبدو أكثر أهمية من جميع الانتخابات الماضية (2005، 2006، 2010، 2014 و2018) بسبب الوضع المهترئ للعراق، ما يجعل هذه الانتخابات نقطة تحول لمستقبل البلاد.
هناك توقعات بأن تكون هذه الانتخابات هي فرصة النظام السياسي الراكد من أجل الإصلاح والشرعية، لكن هناك جهات خبيثة نخرت المنظومة الحاكمة، وألحقت بالفعل الكثير من الضرر للمؤسسات التي تمثل الديموقراطية في البلاد، لدرجة أن إعادة انتخاب نفس الجهات قد تلحق الضرر بالدولة إلى الأبد.
كل هذه الظروف، أثارت في عدد كبير من العراقيين الكثير من الشكوك بشأن نزاهة انتخابات 2021، ما جعل الكثير منهم يتوقون عن أخذ استطلاعات الآراء على محمل الجد.
ووفقًا للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق (IHEC)، منذ 7 يوليو، كان هناك 25.182.594 ناخبًا مسجلًا في العراق، بعد إدخالهم لعدد من بياناتهم الشخصية عبر استمارة التسجيل البيومترية. الإحصاءات الأساسية حول سكان العراق والناخبين المؤهلين للتصويت ليست متوفرة. فالحكومات التي تعاقبت على حكم العراق فضلت تأجيل القيام بإحصاء وطني، بحجة أن التوزيع الديموغرافي في البلاد لما بعد الحرب، قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الطائفية.
ومع بقاء أقل من شهرين على الانتخابات، لا توجد هناك فكرة واضحة حول عدد بطاقات الناخبين التي أصدرتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات للناخبين المؤهلين، أو عدد البطاقات التي تم استلامها. ومع ذلك، فقد أفادت منظمات غير حكومية مستقلة أن 17 مليون ناخب فقط قاموا بتحديث بطاقات التسجيل البيومترية الخاصة بهم، وأن 13 مليونًا فقط تلقوا بطاقاتهم.
المفوضية العليا المستقلة للانتخابات زادت الوضع إرباكًا، بعد إعلانها عدم إصدار أي بطاقات انتخابية مؤقتة لمن فاتهم موعد التسجيل النهائي، إجراء يرى فيه الكثيرون إخلالًا بشرعية الاقتراع.
وقد أظهرت القائمة النهائية للمرشحين، الموافقة على حوالي 3249 مرشحًا و21 ائتلافًا للمشاركة في الانتخابات. معظم هؤلاء المرشحين لا يتمتعون بالتأثير الذي تتمتع به عدد من الجماعات والتيارات القوية. مما سيصعب الأمر على المستقلين للوصول لسدة صنع القرار، أو تقديم مطالبات سياسية للدولة.
إجراء انتخابات مبكرة كان أحد مطالب الحركة الاحتجاجية المحاربة للفساد في جميع أنحاء البلاد، والتي انتقدت الأوليغارشية الحاكمة، والنفوذ الإيراني المتزايد في العراق.
وقد تعرض عدد كبير من قادة الحركات الشبابية إلى الذين كانوا يطمحون للمشاركة في الانتخابات المبكرة، للتهديد أو الترهيب أو الاختطاف، ما ترك انطباعًا مخيفًا عن الحملة الانتخابية.
اللافت للأمر، أن إعلان رجل الدين الشيعي صاحب الشعبية الكبيرة، مقتدى الصدر، أن حركته السياسية التي تملك أكبر كتلة سياسية في البرلمان ستقاطع الانتخابات، جعل العملية الانتخابية كاملة في حالة فوضى عارمة. بالإضافة لقرار مجموعات سياسية أخرى البقاء خارج الترشح للانتخابات، بسبب مخاوف “من استمرار الأزمة السياسية في العراق لانعدام إمكانية تصويت حر ونزيه”، ما زاد من إرباك الانتخابات. ومع ابتعاد الناخبين عن التسجيل، وتصاعد التوترات السياسية، لم يعد الخوف من انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات ذا أهمية تذكر.
ويعتبر سيناريو تأجيل الانتخابات واردًا، الأمر الذي سيزيد من تعقيد الوضع السياسي في العراق، التي تعتمد على تواجد حكومة شرعية من أجل تحقيق الاستقرار في البلاد.
سيناريو آخر وارد، يتمثل في هيمنة الجماعات والميليشيات السياسية الموالية لإيران على الحكومة والبرلمان الجديدين، مما سيؤدي إلى نهاية النظام الحالي القائم على تقاسم السلطة وصنع الإجماع بين الأطراف المختلفة.
أما السيناريو الثالث، فهو عودة الصدر للمشاركة في الانتخابات التي وصفها سابقًا بـ”المزورة” و”الفاسدة”. مما سؤدي لبرلمان آخر معطل، وحكومة أخرى متعثرة.
السيناريوهات القاسية هذه جعلت المواقف الداعمة لانتخابات أكتوبر/ تشرين الأول في موقف تساؤل، خصوصًا من طرف مسؤولي الأمم المتحدة والديبلوماسيين الغربيين، بحيث وصلت حد وصفها بالسذاجة السياسية، إن لم تكن سخافة تامة.
كل هذه المؤشرات تدل على أن الانتخابات ستؤخذ بجدية أقل، أي تضاءل الأمل في أن يكون التصويت حلًا فعالًا لإنقاذ العراق من مأزقه الحالي. كذلك، ستزداد المخاوف بشأن استمرار عدم الاستقرار في البلاد في حال فشل الانتخابات.
صلاح نصراوي / الأهرام (النسخة الإنجليزية)
ترجمة وتحرير: راسام