توصل رئيس الوزراء في العراق مصطفى الكاظمي في الشهر الماضي إلى اتفاق مع الرئيس الأمريكي جو بايدن بشأن إنهاء المهام العسكرية للقوات الأمريكية المتواجدة في العراق بحلول ديسمبر/ كانون الأول، والبالغ عددها 2500 جندي، وقد تم التسويق لهذا الاتفاق على أنه إنجاز كبير للكاظمي، لكن الأجدر القول أنه سيف ذو حدين.
الكاظمي كان بحاجة ماسة لهذا الاتفاق، بعد تقديمه لسلسلة من الوعود للشعب العراقي، عجز عن الوفاء بها، أحدها كان الوعد بوضع حد لنفوذ الميليشيات المدعومة من إيران، وجعل السلاح بيد الحكومة فقط، لكن بعد تلقيه لعدد من الضربات الموجعة من ميليشيا كتائب حزب الله وميليشيات الحشد الشعبي، اضطر الكاظمي للتراجع عن وعده، بعدما وجد نفسه أمام نفوذ إيراني عبر أحزاب سياسية مدعومة منها، ومن الميليشيات ذاتها. حيث يؤكدون أن نزع السلاح عنهم يعني عودة تنظيم الدولة “داعش”، في وقت يزعمون أنهم يعملون على تفكيك بقايا التنظيم وطرده من مدن مثل الموصل.
كذلك، فقد وعد الكاظمي بمحاسبة كل من تورط في قتل 600 شخص، راحوا ضحية عنف قوات الأمن العراقية خلال انتفاضة تشرين عام 2019، وهو وعد آخر لم يتحقق أيضًا، ولم يُحاسب أي مسؤول عن الشباب الذين قُتلوا بالرصاص في شوارع العاصمة العراقية بغداد قبل حوالي سنتين من اليوم.
وأدرك الكاظمي أنه قد قضم أكثر مما يستطيع مضغه، بالنظر إلى أن الأجهزة الأمنية التابعة للميليشيات المدعومة من إيران والتي وعد بترويضها ونزع سلاحها.

انتخابات أكتوبر
رئيس الوزراء وعد أيضًا بتقديم خدمات أفضل للشعب العراقي، لكن الواقع الحالي مخالف لكل هذا، مع الانقطاع المستمر للكهرباء في بغداد. وعدان فقط تمكن الكاظمي من الوفاء بهما: انسحاب القوات الأمريكية الذي أعلن عنه في يوليو/ تموز الماضي، ووعد إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
إلا أن هذه الانتخابات باتت حاليًا في طي النسيان، وقد تُؤجل بعد إعلان رجل الدين مقتدى الصدر أن كتلته، سائرون، ستقاطع الانتخابات.
ويعتبر الصدر الزعيم الوحيد القادر على إعادة الكاظمي إلى السلطة بعد الانتخابات، بسبب سيطرته على أكبر كتلة برلمانية في المجلس الحالي (54 مقعد من أصل 329)، ولعب الصدر دورًا أساسيًا في إعادة الكاظمي إلى منصبه في منتصف عام 2020، ويمكن بكلمة واحدة منه أن يرفع أو يسقط الكاظمي في عام 2021.
هؤلاء لن يوافقوا أبدًا على ولاية ثانية للكاظمي، لما يرون منه من (موالاة) لأمريكا ونكرانه لخدمات الأحزاب الشيعية التي ساهمت في إيصاله للسلطة فرصة. فرصة الكاظمي الوحيدة من أجل البقاء في السلطة هي مشاركة الصدر في الانتخابات والمحافظة على كتلته الحالية أو الحصول على نتائج أكبر. غير ذلك، قد نرى البرلمان الجديد يختار رئيس وزراء جديد في أكتوبر / تشرين الأول المقبل.

دروس من أفغانستان 2021
كان من المتوقع أن تعزز اتفاقية بايدن – خادمي صورة رئيس الوزراء، لكنها مضت نحو منحى خاطئ بسبب الأحداث الأخيرة التي حصلت في أفغانستان، البلد الذي يشهد انسحاب القوات الأمريكية منه، ويذكر أن القوات الأمريكية غزت كلا البلدين (أفغانستان والعراق) في أعقاب أحداث 11 سبتمبر.
لكن ما أن بدأت القوات الأمريكية في الانسحاب من أفغانستان خلال فصل الصيف الحالي، بدأت طالبان في السيطرة على عدد من المدن والقرى في أنحاء البلاد، انتهت بسقوط العاصمة كابول في أيدي الحركة، وسقوط إدارة الرئيس أشرف غني المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. وكل الأموال التي صرفها الأمريكيون والتدريبات التي أقاموها على مدى عقدين من الزمن تبخرت في الهواء، وهو سيناريو سُمع بصوت عال وواضح في مكتب مصطفى الكاظمي في بغداد.
ومادامت حكومة غني قد سقطت في أفغانستان، فالأمر ذاته قد يحصل في العراق، مع بداية انسحاب القوات الأمريكية، المقرر أن يتم بشكل نهائي في ديسمبر المقبل، وقد يفسر ذلك سبب حرص الرئيس بايدن على إخبار المراسلين ، بعد استقباله الكاظمي في المكتب البيضاوي: “سيكون دورنا في العراق هو الاستمرار في التدريب والمساعدة والتعامل مع داعش عند ظهورها ، لكننا لن نكون ، بحلول نهاية العام ، في مهمة قتالية”. بيان وحيد أتى لطمأنة العراقيين بأن الأمريكيين سيحتفظون ببعض القوات في العراق، بصفة استشارية، لتجنب تكرار السيناريو الأفغاني في عام 2021.
ومع ذلك، إذا لم تكن القوات الأمريكية في مهمة قتالية، فليس هناك الكثير مما يمكنها فعله لمنع الميليشيات في العراق من اتخاذ القانون بأيديهم – مثل ما يحدث الآن في أفغانستان- وإلغاء الاتفاقية من جوهرها بالكامل وإعادة الكاظمي إلى نقطة البداية.

سامي مبيض / غالف نيوز
ترجمة وتحرير: راسام