في الـ29 من يونيو/حزيران الماضي، أوقفت إيران تصدير الغاز والكهرباء للعراق بعد عجز الأخير عن سداد رسوم الخدمات، هذه الخطوة تركت ملايين العراقيين دون كهرباء وسط ارتفاع كبير في درجات الحرارة، مما حول المدن إلى أفران كبيرة، ألقت بحكومة الكاظمي المحاصرة في قلب عاصفة سياسية أخرى. في وقت، كان من الواضح فيه أن إيران اتخذت هذه الخطوة لزيادة نفوذها على العراق، فقد أصبحت تثير التساؤلات أيضًا بشأن الاقتراح العراقي العام الماضي بشأن إعادة تشغيل البرنامج النووي المدني للبلاد، بعدما كان الموضوع مثيرًا للقلق خوفًا من حدوث انتشار نووي.
يعتبر العراق ثاني أكبر بلد منتج في منظمة الدول المصدرة للنفط OPEC، إضافة لامتلاكه واحدًا من أكبر احتياطيات النفط والغاز الطبيعي في العالم. لذلك، يصبح من المفترض أن يتمتع العراق باكتفاء ذاتي في الطاقة، غير أن عقود الحرب وسوء التسيير الحكومي، بالإضافة للاعتماد المفرط على صادرات النفط والغاز، جعلت البلد عاجزًا عن توليد طاقة كافية حسب الطلب. بدلًا من ذلك، يتم إنتاج ما بين ربع وثلث كهرباء العراق من الغاز الإيراني عبر الأنابيب، بالإضافة إلى استيراد حوالي 5% من الكهرباء مباشرة من إيران. اعتماد يعد غير مريح لعدو تاريخي للبلد.
الحكومة في العراق كانت مدينة لإيران بقيمة 4 مليارات دولار من فواتير الخدمات العامة غير المسددة في نهاية شهر يونيو / حزيران، إلا أن جائحة كورونا والمشاكل الاقتصادية الأخرى جعلت دفع هذه المستحقات أمرًا صعبًا، فالأموال التي يريد العراق تحويلها لإيران تخوض مسارًا معقدًا من أجل الالتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران. عملية وصفتها هذه الأخيرة بالطويلة.
ومن هذا المنطلق، يعتبر إعلان العراق عن مخططاته لإنفاق 40 مليار دولار على ثمانية مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة المدنية أمرًا محيرًا. الطاقة النووية ستعمل على تنويع مصادر الطاقة داخل البلاد وجعلها أقل اعتمادًا على الواردات من جيرانها. إلا أن هناك طرقًا أسرع وأرخص لمساعدة ملايين العراقيين الذين يعانون حاليًا دون كهرباء وسط درجات الحرارة الشديدة.

إرث العراق النووي
حصل العراق على مفاعله البحثي الأول من الاتحاد السوفياتي سنة 1962، قبل أن يوفر عدة مفاعلات أخرى خلال العقدين المواليين. وعلى الرغم من أن العراق طور هذه المفاعلات لأغراض سلمية، إلا أن العراق أطلق (برنامجًا سريًا) للأسلحة النووية في أوائل السبعينات، وكان يعد منتهكا بذلك معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي وقع عليها العراق عام 1968. وبسبب مخاوف “إسرائيل” من تطوير العراق للأسلحة النووية، قامت بقصف مفاعل “أوزيراك” عام 1981، الأمر الذي دفع العراق للعمل بسرية أكبر بشأن برنامجه النووي، ليمضي العقد الموالي في تجربة أساليب مختلفة لتخصيب اليورانيوم بشكل سري إلى مستويات تصل إلى مستوى صنع الأسلحة، بالإضافة لأبحاث إضافية حول تصاميم الأسلحة النووية.
وبعد حرب الخليج 1991، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تعليماته للوكالة الدولية للطاقة النووية IAEA من أجل تفكيك برنامج الأسلحة النووي العراقي. حيث أزالت الوكالة الدولية جميع المواد النووية الصالحة لصنع الأسلحة من العراق، معطلة بذلك جميع المنشآت النووية داخل البلاد، وكان العراق آنذاك مترددًا بشأن التعاون مع المفتشين الدوليين، إلا أن الحكومة كانت تميل للمبالغة بشأن قدرات البلاد في مجال أسلحة الدمار الشامل. الأمر الذي دفع وكالات الاستخبارات الأمريكية لوضع تقييم خاطئ بشأن إخفاء العراق لبرنامج أسلحة نووية. ما أدى إلى الغزو الأمريكي عام 2003، قبل أن يتضح أن صدام حسين لم يستأنف البرنامج في الواقع.
الحكومة في بغداد عملت على موافقة معايير حظر الانتشار الدولي في حقبة ما بعد صدام حسين، حيث صادقت على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة النووية عام 2012، ما أعطى الوكالة نظرة أقرب للأنشطة النووية داخل البلاد، إضافة لتوقيع معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية عام 2013. مجلس الأمن الدولي رفع القيود المفروضة على الصناعة النووية العراقية سنة 2010، ليشرع المسؤولون الحكوميون في طرح فكرة استخدام الطاقة النووية من أجل حل مشكلة النقص الحاد في الطاقة في البلاد، خصوصًا خلال أشهر الصيف الحارة. أزمة تعبر سببًا رئيسيًا للاضطرابات السياسية التي حصلت خلال السنوات الأخيرة.
خلال شهر يونيو/حزيران الماضي، قال كمال حسين لطيف، رئيس هيئة تنظيم المصادر المشعة العراقية، إن الحكومة تجري حاليًا محادثات مع روساتوم الروسية بشأن خطة بقيمة 40 مليار دولار من أجل بناء ثمانية مفاعلات نووية، وأكد على أن العراق ناقش الخطة مع مسؤولين فرنسيين وأمريكيين وكوريين جنوبيين، حيث حصلت روساتوم على عقود لبناء مفاعلات نووية مع العديد من جيران العراق، بما في ذلك تركيا وإيران والأردن ومصر، على الرغم من فشل العقد مع الأردن في وقت لاحق.

سؤال الـ40 مليار دولار
يعتبر وصول الكهرباء للشعب أحد أهم أركان بناء الدولة في العراق، حيث تراهن الحكومة الحالية على الطاقة النووية كوسيلة جذابة لذلك، وتتكون الخطة المقترحة من ثمانية مفاعلات للبلاد بطاقة ثابتة تبلغ 11 جيجاوات، مما يسد الفجوة بين العرض والطلب حتى خلال الفترات الحارة من العام. الأمر الذي سيقلل من اعتماد العراق على الغاز الإيراني، وسيحرر المزيد من الهيدروكربونات للتصدير، ويحد من اعتماده على الوقود الكربوني بشكل عام.
لكن هناك بعض المشاكل في هذه الخطة، فإنشاء وصيانة المنشآت النووية في حد ذاته سيفرض عبئًا ماليًا كبيرًا على حكومة تجد صعوبة في توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها. انخفاض أسعار النفط في 2020، أجبر العراق على الغرق في اللجوء لاحتياطاته الأجنبية من أجل دفع رواتب موظفي القطاع العام. بالإضافة لإلغاء خطة أصغر بكثير لإصلاح وتحديث شبكة النقل والتوزيع المتهالكة في البلاد. دعونا لا ننسى أن العراق مدين لإيران بقيمة 4 مليارات دولار من فواتير الخدمات العامة غير المسددة، وهو سبب الانقطاعات الأخيرة للتيار الكهربائي التي اجتاحت البلاد. حتى بشروط مناسبة، سيكون من الصعب تبرير مشروع بقيمة 40 مليار دولار نظرًا لصعوبة الحكومة في الوفاء بالتزاماتها المالية الحالية.
تفاقم معضلة تحمل التكاليف تكمن في حقيقة أن حوالي ثلثي الطاقة المولدة لا يتم دفع ثمنها، بسبب السرقة أو ضعف الاتصالات. فالحكومة تدعم بالفعل نسبة كبيرة من فواتير الكهرباء، حيث يدفع العملاء حوالي 10 بالمائة فقط من التكلفة الفعلية للكهرباء التي يستخدمونها. نتيجة لذلك، تحتاج وزارة الكهرباء إلى 12 مليار دولار سنويًا لموازنة دفاتر التحملات، وإضافة مشروع الطاقة النووية إلى هذه الأزمات من شأنه أن يدفع بالوزارة نحو المنطقة الحمراء.
كما تعد معضلة الانتشار المسلحين مصدر قلق أساسي. فقد نجت شبكة الكهرباء العراقية من 35 هجوم مسلح خلال هذه السنة فقط. وإدخال التكنولوجيا النووية من شأنه أن يزيد من خطر وقوع المواد النووية في أيدي المسلحين، إما عبر هجوم مباشر على منشأة نووية أو عن طريق مسؤول حكومي فاسد. وبالنظر إلى موارد الطاقة الوفيرة الحالية للبلاد، قد يشك جيران العراق في أن البرنامج النووي المدني هو مرة أخرى قصة تمويه لتغطية عملية لتطوير الأسلحة. ومع وجود دول إقليمية أخرى تتلاعب بفكرة الأسلحة النووية، فإن ظهور مفاعلات تبدو باهظة الثمن في العراق يمكن أن يكون القشة التي تقصم ظهر البعير المثقل بالأعباء بالفعل وهو منع الانتشار في الشرق الأوسط. ويزيد من هذا الخطر عدم اليقين بشأن ما سيحدث إذا لم يتم تجديد الاتفاق النووي الإيراني أو تجديده ثم تنتهي صلاحيته في غضون سنوات قليلة.
العراق بحاجة للطاقة، لكن الطاقة النووية ليست هي الحل. وعلى المدى القصير يجب على العراق إعادة بناء نظام النقل والتوزيع المعطل، وإصلاح نظام تحصيل رسوم وزارة الكهرباء، وإزالة الاختناقات في شبكة أنابيب الغاز لتحسين قدرة التوليد. أما على المدى المتوسط، فيمكن للدولة تشجيع استخدام الطاقة المتجددة وتنويع مزيج الطاقة لديها من خلال توسيع مشاريع الطاقة الشمسية وتجديد مرافق الطاقة الكهرومائية الموجودة. ستضمن مشاريع البنية التحتية هذه أن يمتلك العراق توليدًا موثوقًا ومتسقًا للطاقة على المدى الطويل، وستكون استخدامًا أفضل للموارد من مشروع غير ضروري ومكلف للميزانية.

نيلز هولست / ذا بولتين