د. فارس الخطاب
قد يكون من الإنصاف، وبعد أكثر من عشرين عامًا على احتلال العراق، وما أحدثه هذا الاحتلال من تغيرات هائلة في القيم والاعتبارات الوطنية والأخلاقية، أن نراجع مواقف من ثبتوا على الحق، وقاوموا الاحتلال، ليس بوجهه الأمريكي-البريطاني وحسب، بل بنسخته الإيرانية الممنهجة والبغيضة.
لا يخفى علينا أبدًا الدور الذي قامت به هيئة علماء المسلمين في العراق (تأسست 14 نيسان/أبريل عام 2003م)، من دور جهادي وتوعوي وسياسي، لعرقلة خطط المحتل الأمريكي، ولأنها جمعت مختلف المشارب الفكرية الإسلامية، وحظيت بقيادة تاريخية لم تعرف المساومة على الحق -حق العراق وشعبه في مقاومة الاحتلال- مثلها الشيخ الراحل الدكتور حارث الضاري (توفي في 12 مارس/آذار 2015)؛ فقد كان حضورها بقدر نهجها وصلابة مواقفها، التي جعلت أنظار العراقيين تتطلع لها باعتبارها صوت إرادتها وأملها بالخلاص من الحالة التي خلفها الاحتلال والعملية السياسية التي نصبّها، كما أجبرت القيادات الأمريكية على محاولة التقرب منها مرات عدة، باعتبارها الركن الأساس في نجاح أو فشل المرحلة العسكرية والسياسية التي أعقبت احتلال العراق، كما اعتبروها مفتاح إيقاف عمليات المقاومة ضد جنودها ومعسكراتهم؛ لكنها لم تتراجع قيد أنملة عن مبادئها ومواقفها تجاه هذه القيادات.
إن أهم محطة في سِفر الهيئة خلال مسيرتها منذ عام 2003م هو دعوتها منذ تأسيسها، إلى مقاومة الاحتلال، بل أفتت بذلك جهارًا وبشكل رسمي، كما أعلنت معارضتها للعملية السياسية التي ارتكزت على ما صممه المحتل من هندسة سياسية وإجتماعية خطيرة تمثلث بما سُمي بـ”المحاصصة الطائفية والعرقية”، وتكريس مفهوم “الفيدرالية” كواقع لا مناص منه، لقد اعتبرت الهيئة هذه العملية السياسية وكل ما نتج أو سينتج عنها مشروعًا خبيثًا غايته تدمير وحدة العراق وتعايش مكونات شعبه عبر تاريخه الطويل بشكل متجانس، وبالتالي فقدانه لهوية المواطنة الجامعة لكل العراقيين.
الهيئة التي قادها بمواقف تاريخية صلبة ثلة من الرجال الوطنيين شكلوا قيادة فعّالة ونشطة كان من أبرزهم القائد الراحل الدكتور حارث الضاري، لم ترض أن تكون ممثلة “لِسنّة” العراق فقط؛ بل كانت تعني الأمل لكل العراقيين؛ سنّة وشيعة، عربًا وأكراد وتركمان، وحتى الأقليات من الأديان الأخرى كانوا ينظرون للهيئة باعتبارها صمام أمانها ووجودها.
لقد كان تمثيل الهيئة للعراقيين أهم الأطر التي وضعت الهيئة نفسها داخله، وهو ما جعل المتربصين بها -من جميع هذه الفئات – يسعون جنبا إلى جنب، مع أجهزة الاحتلال والقوى المشتركة في العملية السياسية إلى محاولة استهداف حضورها الرسمي، فوجهت أهم الضربات ضدها من بوابة إدارة “الوقف السني” في العراق التي أمرت بإغلاق مقر الهيئة ومكاتبها في العراق، بعدما رفضت قيادة الهيئة فكرة تأسيس مجالس الصحوة في المثلث السنّي.
لقد تميزت قيادة الهيئة بثباتها على الحق؛ فقد وقفت بالمرصاد لكل التشريعات والقوانين التي حاول الاحتلال الأمريكي أو الموالين لإيران في مجلس النواب تمريرها، كقانون النفط والغاز(2007م)، الذي اعتبرته “إجراءً محرمًا شرعًا وباطلًا عقدًا”، كما لم تنخرط قيادة الهيئة في أية محاولات أو مؤتمرات لترسيخ موضوع الاحتلال الأمريكي، وتثبيت مشروع المحاصصة الطائفية، وتمرير الإنسياح الإيراني في مفاصل الدولة العراقية عبر بوابة القوى والحركات الموالية لها في العملية السياسية.
لقد أثبتت هيئة علماء المسلمين في العراق أنها مؤسسة سياسية قيادية قادرة على استيعاب المراحل التي تواجهها، مؤمنة أن وجود الثابتين على الحق في بلد مضطرب ومستهدف من قوى كبرى دوليًا وإقليميًا هو أحد مرتكزات الأمان للحفاظ، ولو على مستوى الحد الأدنى، من الشعور الوطني، وأن تنمية هذا الشعور هو مفتاح التغيير مهما طال أمد الأجهزة الطائفية والفاسدة والموالية لقوى الاحتلال في الحكم، ومن هنا فإن الحركات التي مثلت انتفاضات أو تجمعات واعتصامات؛ كان للهيئة نصيب فيها بسبب القيم التي كرست رجالاتها وقتهم وجهودهم وخطابهم من أجل الحفاظ عليها للأجيال الجديدة في العراق.
إن مسيرة هيئة علماء المسلمين في العراق لم تكن متميزة خلال فترة تأسيسها فقط، بل أن رجالاتها سلموا راية الجهاد فيها -جهاد التغيير واجتثاث الواقع الفاسد- إلى جيل جديد من الشباب المؤمن بمسؤوليته في الثبات على الحق، وبمواصفات قيادية موائمة لتغيرات الواقع في العراق؛ حيث كانت قيادات الهيئة في حراك دائم من أجل الحفاظ على شعلة المعرفة والإيمان بحتمية القدرة على التغيير لدى شباب العراق من أقصى جنوبه حتى أقصى شماله.
إن المشهد العراقي منذ عام 2003م قد تغير بشكل هائل بسبب التمكن الإيراني من بسط قدرته على التحكم بالمشهد السياسي والتشريعي والأمني، ومنذ ما يقارب العقدين من الزمن، تسلط طهران أحزابها العاملة في العراق والمليشيات الموالية لها من أجل تفتيت المكون “السني” في البلد من خلال عدة وسائل، مثل؛ إخفاء قسري، اختطاف، قتل، سجن بدون محاكمات، تغيير ديمغرافي وغيرها، وعلى هذا فإن مهمة قيادة الهيئة ليست بالهينة، بل هي بالغة الصعوبة؛ حيث أن العمل لا يمكن أن يكون في ظل الظروف المحيطة بالهيئة، وخاصةً الأمنية منها، لكنها، ومع تعقيدات المشهد الأيديولوجي الداخلي في العراق، ورغم اضطرار عدد من أعضاء الهيئة لمغادرة الوطن، ومنع آخرين من العودة إليه، مازالت تنجح في نقل رسائلها إلى الشعب العراقي وبخاصة سنّتهم، الذين يُعتبرون المتضرر الأكبر من كل مشاريع إيران وغيرها في العراق، رسائل تدعو إلى وقفة جادة بوجه الظلم الذي يمارس بحقهم وحق مناطقهم وأجيالهم المقبلة، وتدعوهم بذات الوقت إلى الحفاظ على عروبتهم وتعايشهم مع الآخرين من أبناء الوطن.
إن إحدى الاستهدافات التي يُراد من خلالها تحجيم عمل الهيئة هو ملاحقة كل أنشطتها وإصداراتها وحملات توعيتها للعراقيين في الداخل، وهي كثيرة؛ لكنها تُلاحق وتَمنع السلطات في العراق الإعلان عنها حتى لا تكشف عورات النظام السياسي والأمني في البلاد، بل إن جميع الحكومات بدءًا من حكومتي نوري المالكي، سيء الصيت، وحتى الآن، تتحرك جميعها على كل الدول العربية من أجل الضغط على حرية الهيئة في الحركة والعمل صوب النشاط الوطني العراقي.
إن ما يحسب لقيادة الهيئة خلال السنوات الأخيرة دعوتها أحزابًا وقوىً وتكتلات سياسية وشخصيات مستقلة لميثاق عمل وطني يعبّر عن تطلعات العراقيين، ويجمعهم على خارطة طريق واحدة، وتعهدت الهيئة بتوفير كل الظروف المناسبة للقوى المشتركة بهذا الميثاق للتعبير عن آرائها في القضايا المطروحة والخاصة بالعمل الوطني العراقي.
إن الإيمان بصدق المنهج وقوة العقيدة ونزاهة الأهداف ووسائل الوصول إليها لا يمكن أن يكون إلا جزءًا ثابتًا من الوفاء لحق الوطن على أبنائه في ظروف اختلطت في المفاهيم وتعددت وسائل استهداف الهوية الوطنية ووحدة الشعب، وهذا الوصف لا يمكن أن يكون إلا لرجال ثابتين على الحق، وطريق الحق، ونتائج هذا الطريق، وهؤلاء الرجال تجسدوا في أعضاء هيئة علماء المسلمين في العراق؛ حيث كان ثباتهم على الحق يمثل حالة فريدة من حالات الوفاء للعراق وشعبه ستذكره كتب التاريخ بشرف.
مقال خاص براسام

