شاهو القره داغي

أكملت التظاهرات الإيرانية أسبوعها الأول رغم القبضة الأمنية العنيفة للسلطات الإيرانية وحجب وسائل التواصل الاجتماعي واتهام المشاركين في التظاهرات بالخيانة والارتباطات الخارجية، وعلى الرغم من لجوء الحكومة الإيرانية إلى جميع هذه الأدوات والوسائل لإخماد الاحتجاجات، إلا أن التظاهرات مستمرة في الانتشار حتى وصلت إلى 50 بلدة ومدينة إيرانية، مع ارتفاع في أعداد الضحايا حتى وصل عددهم إلى 20 قتيلا وعشرات الجرحى.
يعود سبب التظاهرات الحالية في إيران إلى حادثة مقتل الفتاة الكردية الإيرانية مهسا أميني (22 عاما) بعدما دخلت في غيبوبة في أعقاب إلقاء شرطة الأخلاق القبض عليها في طهران بحجة (زيها الغير المناسب) ما أدى إلى اندلاع التظاهرات والاحتجاجات في المدن الكُردية ثم شملت كافة المدن الإيرانية.
كانت الشعارات والمطالب في اليوم الأول للتظاهرات تقتصر على إلغاء “شرطة الأخلاق” بسبب تورطها في الكثير من الانتهاكات الحقوقية بحق المواطنين ومحاسبة المسؤولين عن مقتل الفتاة (مهسا أميني) وتقديمهم للعدالة، إلا أن إنكار السلطات الإيرانية للجريمة واعتبارها موتاً طبيعياً مع تقديم أدلة مشوهة وغير كاملة عن الحادثة، تسبب في تصاعد غضب الشارع الإيراني الذي أصبح يُطالب بتغيير النظام ويردد شعارات (الموت للديكتاتور، والموت للولي الفقيه)، حيث يرى الإيرانيون أن هذه الحادثة هي فرصة مناسبة للتعبير عن الغضب ضد السياسات الحالية للنظام الإيراني والمطالبة بإيقاف التدخلات الخارجية التي أصبحت تستنزف الثروات الإيرانية.

أبرز الاحتجاجات الإيرانية منذ الثورة الاسلامية
بعد الإعلان عن الجمهورية الاسلامية في إيران بقيادة (الخميني)، تنصل الأخير بصورة فورية عن أغلب وعوده وتعهداته ببناء نظام جديد يشترك فيه جميع الأطراف التي شاركت في الثورة ضد نظام الشاه، حيث بدأ النظام الجديد في تصفية الخصوم والتأسيس لنظام ديكتاتوري يفرض رؤية ولاية الفقيه على الإيرانيين في الداخل ويعمل على تصديرها إلى الخارج بالقوة، ونتيجة لهذه السياسات اندلع العديد من التظاهرات في المدن الإيرانية، إلا أن النظام الذي كان يطمح بتثبيت أركانه، قرر مواجهة هذه التظاهرات بالقوة وإنهائها بصورة سريعة وتنفيذ عمليات إعدام جماعية لترهيب المجتمع وإعطاء رسالة واضحة بأن التمرد على النظام الجديد يعني الموت.

استغل النظام الإيراني الحرب الإيرانية – العراقية لقمع الأصوات المطالبة بالتغيير والحريات داخل إيران، إلا أنه مع انتهاء الحرب وغياب الخميني عن الساحة السياسية ومجئ المرشد الجديد خامنئي، وظهور جيل جديد ولد بعد الثورة الإيرانية، كانت هناك تحديات حقيقية تواجه النظام الإيراني في الحفاظ على شرعيته الثورية داخل المجتمع الإيراني، مع تصاعد حدة الانتقادات داخل الأوساط الشبابية والأكاديمية التي كانت مصدر قلق دائم للسلطات الإيرانية.

-الاحتجاجات الطلابية عام 1999
شهدت إيران موجة كبيرة من الاحتجاجات التي انطلقت من جامعة طهران في عام 1999 بسبب إغلاق السلطات الإيرانية صحيفة “سلام” الإصلاحية نتيجة لسياسات الدولة في التضييق على الحريات الصحفية ومحاولة تقييد الحريات، ونتيجة لممارسة القمع من قبل (الحرس الثوري والباسيج وحزب الله الايراني) وسقوط ضحايا من الطلاب، تصاعد غضب الطلاب وباتوا يرفعون سقف المطالب ليشمل إصلاحات في بنية النظام.
وعلى الرغم من نجاح السلطات الإيرانية في إخماد التظاهرات بالقبضة الأمنية والعنف واعتقال أكثر من 1500 طالب بسبب العديد من العوامل منها غياب قيادة واضحة للاحتجاجات، إلا أن هذه الاحتجاجات تعتبر الأهم في تاريخ الحركة الطلابية الإيرانية، ونبهت النظام الإيراني إلى أن خطواته للسيطرة على الجامعات باءت بالفشل.

-احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009
بعد خسارة مرشح قوى المعارضة (مير حسين موسوي) في الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2009 وفوز (محمود أحمدي نجاد)، حشدت المعارضة الإيرانية في شوارع العاصمة طهران قرابة خمسة ملايين متظاهر رفعوا شعارات خضراء واتهموا السلطات بتزوير الانتخابات وبدأوا بهتافات : “أين صوتي؟ ومن سرق صوتي أيها الدكتاتور؟ .
ردت السلطات الإيرانية بنفي تهمة التزوير والبدء بحملة واسعة من الاعتقالات والملاحقات الأمنية التي بدأت بالقيادات السياسية والناشطين والصحفيين، مع إطلاق يد القوات الأمنية لقمع واخماد الاحتجاجات، والذي أدى لمقتل حوالي 70 متظاهراً واعتقال المئات منهم بعدما نجح المتظاهرون في إدامة زخم التظاهرات على مدى شهور والتشكيك لأول مرة بشرعية النظام بعد إطلاق شعارات ضد المرشد الإيراني، والمطالبة بإيقاف التدخلات الخارجية ووضع حد لسلطات الولي الفقيه.
نجح النظام الإيراني مرة أخرى في إخماد الاحتجاجات عن طريق تغييب واعتقال قادة الحركة الخضراء واتهامهم بالمشاركة في مؤامرة اسرائيلية أمريكية على الجمهورية الإسلامية في إيران ومعاقبة المتعاطفين مع هذه الحركة بصورة قاسية وفورية.

-الاحتجاجات الاقتصادية عام 2017
اندلعت احتجاجات شعبية في عدة مناطق إيرانية في أواخر عام 2017 للاعتراض على الأوضاع الاقتصادية الصعبة وفساد الحكومة والبطالة وتراجع الوضع المعيشي للمواطنين، وسرعان ما تحولت الشعارات من مطالبات اقتصادية إلى شعارات مناهضة للنظام وتطالب بإسقاط المرشد خامنئي، وغطت الاحتجاجات أكثر من 100 مدينة وقرية إيرانية وكانت الشعارات متشددة أكثر من شعارات الحركة الخضراء.
ومع توسع نطاق الاحتجاجات سارع النظام الايراني إلى اللجوء إلى العنف وتوكيل الحرس الثوري بمهمة إخماد التظاهرات، وتنظيم تظاهرة مؤيدة للنظام لتصوير دعم الشارع لخطوات الدولة في التعامل مع المتظاهرين، وعلى الرغم من نجاح الحكومة الإيرانية في قمع التظاهرات، إلا أن الكثير من الخبراء اعتبروا هذا الحراك خطوة مهمة في عملية ضرب شرعية النظام الإيراني، حيث قالت “شيرين عبادي” الفائزة بجائزة نوبل للسلام: أن الاحتجاجات هو الفصل الأخير من الجمهورية الإسلامية، وأن سقوط النظام قد بدأ، حتى لو تطلب الأمر سنوات” .

يبدو واضحاً أن النظام الإيراني يمتلك خبرة جيدة في قمع التظاهرات والاحتجاجات واستخدام الوسائل الأمنية والإعلامية للقضاء سريعاً على حراك الشارع، ولكن بالنظر إلى تاريخ الاحتجاجات مع التظاهرات الحالية، نرى بوضوح توسع دائرة الاحتجاج وزيادة الشرائح المعترضة على النظام الحالي، إضافة إلى بروز الشعارات السياسية التي تمس جوهر النظام على حساب تراجع الشعارات الطلابية أو الخدمية أو الاقتصادية التي تُطالب بتحقيق مطالب محددة وهامشية، وهذا يعني وجود تحدي حقيقي يواجه النظام الذي يحلم بالمزيد من التوسع والانتشار الخارجي ويفكر منذ الآن لمرحلة ما بعد المرشد الحالي خامنئي الذي يعاني من الأمراض والذي سيشكل وفاته – إن لم يتم إخفاء وفاته حقا قبل أيام – فرصة إضافية للشارع الإيراني للخروج والمطالبة بإسقاط نظام ولاية الفقيه بصورة كاملة، بعدما تآكلت شرعية النظام بصورة تدريجية خلال ٤٠ سنة الماضية .

مقال خاص براسام