الملخص:
تناقش هذه الورقة البحثية الأستراتيجية الأمريكية التي تقف وراء تشكيل هذا التحالف الأمني الدفاعي” أوكوس ” بين واشنطن، ولندن، وكانبيرا، والذي يستهدف منطقة المحيطين الهادئ والهندي، لتطويق الصين وعزلها عن محيطها الإقليمي والحد من نفوذها بهذه المنطقة، كما تبحث هذه الورقة الأهمية الجغرافية والأستراتيجية لهذه المنطقة الحيوية بما فيها أهمية مضيق ملقا، ومشروع الطريق والحزام البري والبحري الصيني الى العالم، خصوصاً بعد توسع النفوذ الصيني ضمن أستراتيجية اللآليء الصينية للسيطرة على الموانئ، كما تناقش هذه الورقة بعض ملامح الاستراتيجية العسكرية الصينية، وبنفس الوقت تشرح المصالح والدوافع الأستراتيجية لواشنطن من وراء تشكيل هذا التحالف بهذا التوقيت والذي يطلق عليه بتحالف الغواصات، والذي يعتبر نقلة نوعية في الصراع الأستراتيجي مع بكين، كما إن هذه الورقة تبين وتحلل الموقف البريطاني والفرنسي والأوروبي بالتفصيل وتشرح تداعياته على حلف الناتو وعلى العلاقات الأوروبية- الأمريكية، كما تبحث وتحلل الموقف الصيني والروسي وكذلك الدول الرافضة لهذا التحالف، لا سيما وأنها تشرح أسباب الغضب الفرنسي الكبير الذي خرج عن اللياقة الدبلوماسية كونها شريك أستراتيجي لواشنطن، وإن هذا التحالف قد أضر بمصالحها العسكرية والأقتصادية والجيوسياسية، خصوصاً بعد إن ألغت أستراليا صفقة الغواصات الفرنسية وأستبدلتها بغواصات أمريكية تعمل بالطاقة النووية ناهيك عن أستبعادها عن هذا التحالف، كما أنها تشرح كيف استوعبت واشنطن تداعيات هذا التحالف، وهي تبين بشكل دقيق الأهداف والدوافع الأسترالية للدخول بهذا التحالف، الأمر الذي يعد أخلال بموازين القوى في هذه المنطقة المشتعلة، كما تتطرق هذه الورقة لميزان القوى البحرية العالمية، وتبين بالتفصيل كيف ولماذا تصاعدت حدة التوتر في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، وخاصة بحر الصين الجنوبي الذي أعطبت فيه غواصة أمريكية نووية في شهر أكتوبر الماضي، وهي تشرح بالتفصيل الأستراتيجية الأمريكية لإدارة “جو بايدن” في هذه المنطقة الحيوية، وصولاً الى الأستنتاجات والخلاصات، والسيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تؤدي الى أندلاع شرارة الحرب العالمية الثالثة وقد عززت هذه الورقة البحثية بمجموعة من الخرائط التي تبين الكثير من التفاصيل المكتوبة، كما ستكون هناك ورقة أخرى مكملة لهذه الورقة عن الحرب الروسية-الأوكرانية وتداعياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية على العالم بشكل عام وحلف الناتو وأوروبا بشكل خاص، بما فيها أعادة بناء التحالفات العسكرية والسياسية والاقتصادية الدولية التي سترسم ملامح المواجهة العسكرية المقبلة بين الدول العظمى(عالم متعدد الاقطاب).
صراع الكبار (تحالف أوكوس): دلالات ومؤشرات ترسم ملامح المواجهة المقبلة (الحلقة الأولى)
المقدمة:
يبدو بأن المحيط الهادئ لن يكون هادئاً كما كان سابقاً بعد إن أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأستراليا تحالفاً عسكرياً دفاعياً، يتضمن شراكة أمنية واسعة في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، والذي أطلق عليه تسمية(أوكوس)، والذي يهدف الى مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في هذه المنطقة، التي اكتسبت أولوية كبيرة في السياسية الخارجية الأمريكية والاستراتيجية العسكرية للإدارة الحالية برئاسة “جو بايدن”، الذي قال: بأنه يريد” الاستثمار في أكبر مصدر لقوتنا ألا وهو تحالفاتنا” وطالما كرر القول بأنه ينوي مواجهة الصين ولكن بطريقة تختلف عن أدارة سلفه “دونالد ترامب” التي أتسمت بالمواجهة الاقتصادية المباشرة، وفرض الضرائب على الواردات الصينية، وعرقلة تطورها التقني، ودعوة الدول لمقاطعتها، ومنع شركاتها من الدخول لأسواقها، وقد أستضاف البيت الأبيض في15أيلول/سبتمبر الماضي قمة افتراضية عبر خدمة الفيديو، شارك فيه كل من الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ورئيس الوزراء الأسترالي “سكوت موريسون”، ورئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”، وصرح الزعماء الثلاث بأن تشكيل هذا التحالف هو لتدعيم السلم العالمي، وتأمين طرق التجارة، والممرات البحرية، وأنه يستهدف منطقة المحيطين الهادئ والهندي لجعلها حرة ومفتوحة، الأمر الذي أثار حالة من الغضب والاستياء لدى الصين، وكذلك لدى فرنسا الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، كونها المتضرر الأكبر من هذا التحالف الدفاعي البحري، والذي جاء على حساب المصالح الفرنسية الاقتصادية وعلى حساب الأمن القومي الصيني.

الأهمية الجغرافية والاستراتيجية للمحيطين الهادئ والهندي:
تكتسب منطقة المحيطين الهادئ والهندي أهمية أستراتيجية جيوسياسية، وجيوأقتصادية كبيرة، كونها تمثل منطقة جغرافية متصلة، وتتميز بحضور بحري كثيف لكثير من الدول حتى من خارج هذه المنطقة الحيوية التي تواجه تهديدات، وتحديات أمنية غير تقليدية، بسبب التنافس على الموارد والنفوذ بين الدول الكبرى، خصوصاً بعد إن دفعت الصين بحدودها البحرية الى عمق المياه الدولية خلال السنوات الماضية، وقامت ببناء العديد من الجزر الأصطناعية في بحر الصين الجنوبي لتغيير الوضع الراهن بالمنطقة، بعد أن حولت هذه الجزر لقواعد عسكرية، ومطارات متقدمة لقواتها العسكرية، وهي تقوم بنقل أهتمامها الآن الى المحيط الهندي، وهنا لا بد لنا من الإشارة الى إن النفوذ الصين الأقتصادي في هذه المنطقة كبير وخطير خصوصاً بعد أن تم توظيف البعد الأقتصادي لخدمة الاستراتيجية العسكرية التوسعية في المنطقة، وذلك من خلال الحصول على الكثير من القواعد العسكرية والموانئ البحرية في العديد من دول المنطقة، والتي حولتها لقواعد ومطارات عسكرية متقدمة، توفر الدعم الاستخباري واللوجستي لقواتها العسكرية والبحرية والجوية، مثل: دولة جيبوتي، وميناء جوادار الباكستاني، والعديد من جزر المالديف، وهي تخطط لبناء مراصد بحرية متقدمة، توفر لها البيانات اللازمة لدعم ونشر الغواصات الهجومية التي تعمل بالطاقة النووية من طراز(SSNs)، وغواصات الصواريخ الباليستية من طراز(SSBNs)، أي إن المشهد الاستراتيجي لهذه المنطقة الجغرافية سيتغير خلال الفترة القادمة أذا أستمرت الصين في ممارسة نشاطها العسكري والأقتصادي بهذه الوتيرة المتسارعة مما يعزز من هيمنتها ونفوذها بشكل أكثر من السابق، الأمر الذي سيخلق مخاطر أقتصادية كبيرة على الأسواق العالمية، والأمن الدولي، كون ثلث الأقتصاد العالمي يمر من هذه المنطقة التي تزداد أهميتها بشكل كبير وأصبحت بؤرة للتوتر.
أهمية مضيق ملقا للصين:
يعتبر مضيق ملقا من أهم الممرات البحرية للشحن العالمي والذي يقع بين ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية ، كما تقع سنغافورة على طرفه، ويعتبر هذا المضيق هو القناة الرئيسية للشحن التي تربط بين المحيطين الهندي، والهادئ، وبحر الصين الجنوبي، الأمر الذي يكسبه موقع استراتيجي مهم وحيوي يجعل منه مركزاً تجارياً بين قارتي أوروبا وأسيا، وتزداد أهمته للصين سنة بعد أخرى لحاجتها الكبيرة لواردات الطاقة والمواد الأولية التي تمر بصورة رئيسية عبر هذا المضيق الذي يعتبر الشريان الرئيسي للإمدادات الاستراتيجية النفطية الصينية، واليابانية وكذلك صادراتها التجارية، مما يجعل توسعها في هذه المنطقة الحيوية جزءً من الأمن القومي الصيني، الأمر الذي يثير حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية التي تخشى من وجود نوايا صينية توسعية مبيته ضدها، خصوصاً وإنها قامت بأنشاء جزر اصطناعية في مياه المحيط الهادئ لتكون قواعد متقدمة لقواتها العسكرية البحرية والجوية، وهي الخط الأول لأي مواجهة أي تهديد عسكري محتمل، لذا فحماية هذا المضيق هو جزء من حماية الأمن القومي الصيني.

أهمية مضيق ملقا للولايات المتحدة الأمريكية:
يعتبر مضيق ملقا هو عنق الزجاجة للمنطقة الممتدة من جنوب شرق أسيا، وشمال شرق أسيا، ويقدر طوله بحوالي(800)كم، بينما يتراوح عرضه بين(50)و(320)كم، ويعبر منه حوالي(50)ألف سفينة سنوياً، وتمر عبره نصف تجارة النفط بالعالم، وهو يحتل أهمية جيو- أستراتيجية كبيرة، بالإضافة لأهميته العسكرية والأمنية لواشنطن، التي ترى بأن أغلاق المضيق أو عزله من قبل الصين يعني بأنها لن تكون قادرة على مساعدة حلفائها في هذه المنطقة الأستراتيجية لا سيما وإن لها وجود عسكري كبير في اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وتايوان، كما إن السيطرة عليه يعني قطع الطريق أمام أمدادات الطاقة الأستراتيجية عن جميع دول شرق أسيا مما يعني تهديد لأمنها القومي، لذا فهو يشكل نقطة اشتباك متقدمة للتنافس الاستراتيجي المتصاعد بين الصين وواشنطن، وقد شهدت السنوات الأخيرة توجيه أتهامات لبكين بأنها تثير التوترات في المناطق المتنازع عليها مثل بحر الصين الجنوبي الذي تتنازع عليه منذ عقود كل من: الفلبين، وبروناي، وتايوان، وماليزيا، وفيتنام، وقد تصاعد التوتر في السنوات الأخيرة بعد أن ساندت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الدول في هذا النزاع الإقليمي، التي تدعي الصين السيادة الكاملة عليه.
الصين وطريق الحرير (الطريق والحزام)الى العالم:
يعتبر مشروع الحزام والطريق من أهم المشاريع الصينية الأستراتيجية التي تربط الصين بدول العالم من خلال أستثمار مليارات في بناء البنى التحتية للكثير من المرافئ والطرقات وسكك حديد والمناطق الصناعية، حيث تشترك في هذا المشروع(123)دولة، كما أنه يغطي(66)دولة في قارة أسيا وأوروبا وأفريقيا وقد وقعت حتى الآن(126)دولة و(29)منظمة دولية أتفاقيات تعاون مع بكين ويشمل مناطق محورية ومناطق للتوسع ومناطق فرعية من يراقب الطرق التجارية البحرية والبرية الصينية يجد بأنها تمر من خلال الكثير من الدول بما فيها الدول العربية والاسلامية مما يجعل هذه الدول جزءاً من الصراع القادم شاءت أم أبت في ذلك، ويتضمن المشروع فرعين رئيسيين هما:
• طريق الحرير البحري: الذي ينطلق من الموانئ الصينية عبر مضيق ملقا ماراً بين ماليزيا، إندونيسيا، وعبر سنغافورة وصولاً الى بنغلادش، والهند، وسريلانكا، والباكستان، ثم الى بحر العرب، ليذهب بأتجاهين أحدهما: بأتجاه مضيق عدن وصولاً للبحر الأحمر الذي تطل عليه المملكة العربية السعودية، والأمارات، ومصر، والأردن، والأخر بأتجاه خليج عمان الى الخليج العربي وصولاً الى السعودية، والعراق، وإيران، والكويت، والأردن وصولاً الى تركيا، لذا فهذه الدول هي جزء من الصراع القادم بما فيها جميع دول الخليج العربي التي تحتاجها أمريكا لتطويق ومواجهة وتقليص النفوذ الصيني في المنطقة، وهذا ما يثير الأستغراب حول الأنسحاب الأمريكي من بعض الدول في هذه المنطقة المهمة.
• طريق الحرير الصيني البري وينطلق في ستة ممرات هي:
أولا. الجسر البري الأوراسي الجديد الذي يمتد من غرب الصين الى روسيا الغربية.
ثانيا. ممر الصين- مونغوليا-روسيا الذي يمتد من شمالي الصين الى الشرق الروسي.
ثالثا. ممر الصين-أسيا الوسطى-أسيا الغربية الذي يمتد من غرب الصين الى تركيا.
رابعا. ممر الصين- شبه الجزيرة الهند الصينية الذي يمتد من جنوب الصين الى سنغافورة.
خامسا. ممر الصين-باكستان الذي يمتد من جنوب غربي الصين الى باكستان.
سادسا. ممر بنغلاديش-الصين- الهند- ميانمار الذي يمتد من جنوبي الصين الى الهند.
وهذا يعني بأن طريق الحرير الصيني سيبدأ في أتجاهات متعددة تشمل كل من روسيا والهند والكثير من الدول منها: تركستان، وأفغانستان، وطاجكستان، وإيران، والعراق، وتركيا، وفي غالبها بلدان إسلامية، علماً بأن الصين أبرمت الكثير منها الأتفاقيات الأقتصادية وأخراها مع أيران، وطاجكستان، لذا فهذه الدول لا شك بأنها ستكون جزءاً من الصراع القادم، حتى لو أخذت مواقف سياسية مستقلة كالنأي بالنفس عن هذا الصراع العسكري المسلح.
• لو نظرنا لخريطة الدول المجاورة للصين لرأينا إن كل من روسيا، ومنغوليا، وكازاخستان، وطاجكستان، والهند، وهانوي، وبورما، وبنغلادش، وفيتنام، وماليزيا، وأندونيسيا، وأفغانستان، وباكستان، واليابان، وتايوان، وجميع هذه الدول تطوق الصين وتشترك معها بحدود برية أو بحرية وغالبيتها تقريباً دول أسلامية، والكثير منها مناهضة للنفوذ الصيني في المنطقة عدا روسيا، وهذا يعني إن الولايات المتحدة بحاجة لهذه الدول لتطويق الصين ومحاصرتها جيوسياسياً، وعزلها عن محيطها الإقليمي، وما جرى من أنسحاب أمريكي من أفغانستان هو جزء من الأستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة لمواجهة التنين الصيني، وهذا ما يفسر لنا السبب الرئيسي لترك الجيش الأمريكي غالبية الاسلحة الأمريكية التي سلح بها الجيش الأفغاني كغنائم لحكومة طالبان.

