ضمن سلسلة نشاطات مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام) المتواصلة، نظم المركز اليوم السبت 9 أبريل/ نيسان، ندوة بمناسبة الغزو الأمريكي للعراق، وذلك تحت عنوان (19 عامًا على احتلال العراق.. واقع مأساوي ومستقبل مجهول)، وبمشاركة نخبة من الباحثين والمحللين وكتاب الرأي.
هذا وحضر الندوة التي أقيمت في قاعة المركز الكائنة في مدينة إسطنبول باحثون وصحفيون من وسائل إعلام مختلفة مع وكوكبة من المهتمين بالشأن العراقي.
وافتتحت الندوة بكلمة لرئيس المركز الدكتور يحيى الطائي وأدار الجلسة الأولى الدكتور رافع الفلاحي وهي مخصصة للمحورين السياسي والأمني، وأما الجلسة الثانية فكانت بإدارة العقيد المتقاعد حاتم الفلاحي وتم خلالها مناقشة محور حقوق الانسان والمحور الاجتماعي، فيما خصصت الجلسة الثالثة، للمحور الإعلامي والثقافي، وكانت بإدارة الدكتور جاسم الشمري.
فرص إيجابية
وقال الدكتور سمير صالحة خلال تقديم ورقة بحثه الموسوم (العلاقات العراقية المتأزمة مع محيطه الإقليمي بعد احتلال العراق: العلاقة مع تركيا أنموذجا)، بأن الكتابة عن الحالة السياسية والامنية والاقتصادية القائمة في العراق اليوم وبعد مرور ما يقارب العقدين من الزمن والتطرق الى سياسة العراق الاقليمية وتحديدا علاقاته مع دول الجوار وفي مقدمتها تركيا تتطلب إلقاء نظرة سريعة على المشهد السياسي العراقي قبل الاحتلال الاميركي عام 2003.
وأضاف صالحة بأن هناك انفتاح تركي عراقي جديد، والمنزعج الأول من هذا هي إيران، خلافا على الدول العربية، لكن المشكلة في أن يكون هناك حوار وتنسيق تركي عربي جديد بما يخص المشهد العراقي.
ويعرب صالحة عن اعتقاده بأن قمة بغداد الأخيرة الإقليمية ينبغي التعامل معها كمؤشر ايجابي والحراك الاقليمي في المنطقة فرصة ثمينة للعراق لمراجعة تداعيات الغزو الأمريكي ومراجعة تأسيس دستور جديد وكذلك تفعيل المصالحة الوطنية في الداخل العراقي، أو ستبقى فوضى دائمة في داخل البلاد.
وتساءل صالحة عن إمكانية استفادة العراق من فرصة الغزو الروسي لأوكرانيا، وهي فرصة استراتيجية قد لا تتكرر مرة أخرى، وهل يستعد الداخل العراق للتعامل مع هذا السيناريو وكيف يستعد ذلك ويمكن الاستفادة من الوضع، ويبني سياسته بعد هذه الفترة الحساسة والدقيقة في الشرق الأوسط.
الاختلال الأمني
بدوره يرى اللواء الدكتور عبدالوهاب القصاب بأن مشاكل العراق تنطلق من الاختلال الذي تعاني منه سلامته الأمنية، حتى باتت حالة شبه بنيوية تؤثر على العراق ودوره المحوري في المنطقة.
ويشير القصاب في بحثه (التهديدات الأمنية التي يتعرض لها العراق نتيجة حالة شبه الاحتلال الايراني: دراسة في الآثار السلبية والتأثيرات الإقليمية على مستقبل العراق) إلى أن مشكلة العراق الأمنية وغياب شعوره بالاستقرار تتركز على مجموعة متفاعلة ذاتياً من العوامل والمسببات.
ويؤكد أن حرمان العراق وبشكل تعسفي من إطلالة أمينة على الخليج العربي، وتركه تحت رحمة منفذين معقدين، تشاركه فيهما إيران على منفذ شط العرب، والكويت على منفذ خور عبدالله، هو من أخطر العوامل المسببة لحالة الشعور بعدم الاستقرار في العراق المعاصر.
وعن الجوار العراقي والأثر الجيوستراتيجي، يحدد القصاب أربعة لاعبين استراتيجيين إقليميين يؤثرون بوضع العراق الجيوستراتيجي وهم كل من مجموعة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي تشظى قرارها مؤخراً ودخلت بتنافس بيني غير مبرر، وتركيا، وإيران، وإسرائيل، بنفس الوقت فإن العراق وتفاعلاته الداخلية، واستقراره الإقليمي يؤثر بهذه الكتل بشكل دائم، ويتبادر إلى أذهاننا مفاصل تؤكد صحة هذا الاستنتاج.
ويبيّن بأن إيران ظلت وعلى الدوام تشكل عامل القلق الأول في وضع العراق الجيوستراتيجي سواءً من ناحية غياب علاقات حسن الجوار والتعامل البناء الندّي السلمي بين أي بلدين يجمع ما بينهما هذا الكم الهائل من المصالح المشتركة المشروعة.
ويلفت إلى أن إيران هي آخر دول الجوار التي اعترفت بالكيان العراقي تحت تاج الملك فيصل الأول الذي أنشئ عام 1921، إذ لم تعترف طهران بالمملكة العراقية حتى عام 1928، مما خلق شعوراً بالتهديد من جانب إيران حيال العراق.
مداخلات الحضور
ومع نهاية الجلسة الأولى حرص بعض الحاضرين على المداخلة للتأكيد على نقاط عديدة وأبرز ما تطرق إليه الباحثان في ورقتيهما، وأشاروا إلى المخططات الأمريكية تجاه العراق بعد النصر في الحرب الايرانية 1988، وكيف خطط واشنطن لتدمير العراق من الحصار إلى الغزو إلى اليوم التداعيات التي يعيشها البلاد.
كما أشار الحاضرون الذي عرضوا آرائهم إلى المشروع الإيراني في العراق وما تخططه منذ سنوات طويلة، وكيف تحاول توسيع نفوذها ومشروعها في المنطقة واستهداف الهوية العربية من خلال استخدام بارود الطائفية والعمل على عدم استقرار دول المنطقة.
وتساءل بعض الصحفيين الحاضرين عن هل تستوعب تركيا حجم الخطر الايراني ومشروعها التوسعي على تركيا، كما حصل على العراق وباقي دول المنطقة العربية، وتساءل آخر عن كيف تحول العراق كدولة من أقوى دول المنطقة اقتصاديا والعمود الفقري الاقتصادي للمنطقة وكذلك ومن الدول المتقدمة في الاحتياطي النفطي وكيف تحولت إلى وضع الاقتصادي المزري الحالي، وما هي الأسباب التي دفعت أمريكا لأن تجعل العراق البلد المحتل من دون باقي دول المنطقة، وما هو المطلوب الآن لإخراج العراق من وضعه الحالي.
وحول بعض الأسئلة رد د. سمير صالحة، يرى أن المشروع الأمريكية الإيراني صار في وقت أو مرحلة معينة وقد لا يستمر في المرحلة المقبلة، وهذا يعتمد على الطرح التي يعني الجانبين.
وأضاف صالحة أن الموقع الجغرافي مهم للدولة لكنه من الناحية من السياسية والأمنية والاقتصادية أن الموقع الجغرافي فرصة للدولة في ان تستغله في تحسين وضع البلاد وتعزيز فرصها في المجالات المختلفة مع باقي الدول.
حقوق منتكهة
وحول أوضاع حقوق الإنسان في العراق بعد الاحتلال قال الأستاذ محمد مشينش بأن افقار العراقيين يزداد يوماً بعد آخر، إذ تزداد اعداد العاطلين عن العمل، وتتجاوز نسبة الذي يعيشون تحت مستوى خطّ الفقر بأكثر من 40 بالمائة، وذلك حسب ما قاله المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية عبد الزهرة الهنداوي في حوار متلفز.
ويقدّر مشينش في بحثه “أوضاع حقوق الإنسان في العراق بعد الاحتلال”، بأن أكثر من 8 مليون عراقي، أي ما يقرب من 25٪ من السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة في واحد او أكثر من الاحتياجات الأساسيّة وأبرزها الغذاء والدواء والمياه والكهرباء والسكن.
وعن حقوق المرأة يقول مشينش أنه بالرغم من الاحتفالات والفعاليات الرسمية، ما تزال المرأة العراقية تتعرض إلى المزيد من العنف الأسري والإهمال والتهميش، جراء الظروف الشاذة التي فرضت على البلد منذ عقود من حروب واحتلال وهيمنة ديكتاتوريات سياسية واجتماعية، سلبت المرأة حقوقها الأساسية وعطلت دورها الإيجابي في بناء أسرة سليمة، وجعلتها مجالا مفتوحا للاعتداءات والقمع والانتهاكات المتنوعة.
ويواجه الشباب تمييزًا وحواجز تعيق تمّتعهم بحقوقهم بحكم سنهم، ما يحد من طاقاتهم الكامنة، كما تشير الوقائع عن تردٍ كبير لحالة الطفولة في العراق بشكل عام وشريحة الأيتام بشكل خاص، في ظلّ استمرار تراجع الدولة عن القيام بواجباتها.
ويخلص إلى أن حقبة ما بعد احتلال العراق وحتى الآن هي استمرار وتعميق لانتهاكات حقوق الإنسان في العراق، واستشراء الفساد، وغياب سلطة القانون، وتأكيد الفشل الحكومي التام في توفير ابسط مستلزمات العيش للمواطنين، فقد زادت البطالة، والفقر، وتردّت أنظمة الصحة والتعليم، وتم سلب إرادة الشعب من خلال التخويف بالقتل والتعذيب والقتل والاعدامات.
تدني التعليم
فيما ذهب الدكتور عدنان ياسين إلى أنه وفي ظل التحديات المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية التي مر بها العراق والوضع الأمني غير المستقر والفجوة الواسعة التي حصلت بينه وبين الدول وما شهده العراق في السنوات الاخيرة من هجرة العقول والكفاءات العلمية المتميزة من اصحاب العلوم والمعرفة يجعل الحاجة ملحة لوضع اهتمام كبير ومباشر بقضايا التربية والتعليم والتدريب والتطوير لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
ويعزو ياسين في ورقته البحثية “التعليم والأمن الإنساني في العراق”، سبب تدني معايير التعليم ما إلى النقص بالاستثمار في البنية التحتية، ونقص أكثر من 10 آلاف مدرسة مع زياد كبيرة في أعداد الملتحقين في التعليم، ناهيك عن المدارس الطينية والآيلة للسقوط، وان العديد منها يفتقر الشروط الصحية وتوفر المياه النظيفة، ودورات المياه، فضلاً عن الاكتظاظ والدوام الثنائي والثلاثي.
ويبيّن بأن جميع هذه المتغيرات أفرزت مشكلات بنيوية في جسد التربية والتعليم في العراق تتطلب معالجات جدية للحد من فجوات التنمية.
الإعلام الطائفي
من جانبه شدد الدكتور نوري حمدان السعدي على ضرورة أن يكون دعم الاعلام في استقلاله وحياديته ليتم كسب الجميع خاصة في الواقع العراقي الذي يدور موضوع الندوة حوله.
وأشار السعدي في بحثه (الاعلام العراقي بعد الاحتلال.. بين الخطاب السياسي والشحن الطائفي) إلى أن هدف الاحتلال الأمريكي في حل الاعلام العراقي، وهي سببين لأن الاعلام العراقي قبل 2003 لا يمكن وصفه بانه طائفي، وكذلك كان يتمتع بمهنية عالية والمعايير في اختيار الكاتب والصحفي وحتى في اختيار المطربين والفنانين وغيرهم.
وأوضح أنه بعد 2003 أصبحت الفوضى سائدة في الاعلام العراقي، وانتشرت افكار التقسيم لتشتيت الاعلام العراقي وعدم السيطرة عليه، كما إن التأثير الخارجي على الاعلام العراقي اليوم واضح جدا.
وينوه إلى أن الدور الايراني متقدما على الأمريكي من خلال وسائلها الاعلامية، ولدى أذرع إيران في العراق منصات اعلامية فضائية واذاعية ووكالات وغيرها من الوسائل المختلفة.
تواطؤ أممي
ويرى ديريك أندرسون بأن الكارثة في العراق ابتدأت في عام 1991، مع فرض العقوبات والحصار الاقتصادي الذي أحدث مجازر بحق العراقيين أكثر مما ارتكبه النظام السابق.
ويشير أندرسون إلى أن جميع وسائل الإعلام الرئيسية في العالم حاولت تبرير استمرار العقوبات على العراق، كما دافعت الأمم المتحدة عن نظام العقوبات وكذلك فعلت معظم منظمات حقوق الإنسان مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو، حيث ركزت من جانب واحد على انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الحكومة العراقية آنذاك، ولم تركز قط على انتهاكات حقوق الإنسان التي تسبب بها الحصار.
وكشف أندرسون بأن المحكمة الجنائية الدولية، استلمت في عام 2006، نحو 240 رسالة تتعلق بالحالة في العراق، لكنها زعمت بأن المعلومات المتاحة لا تقدم أي مؤشرات معقولة.
وعلى هامش الندوة نظم المركز معرضا للكتب وزع خلاله إصدارات هيئة علماء المسلمين في العراق كالبيانات والتصريحات الصحفية الصادرة عنها وغيرها من الكتب التي تتحدث عن الوضع في العراق منذ الاحتلال لغاية اليوم ومساهمات هيئة علماء في المسلمين في العراق في الجانب الإغاثي
هذا وشهدت الندوة في ختامها توزيع عدد من الدروع على الأساتذة الباحثين في جلسات الندوة الثلاثة، وذلك تثمينا لمشاركتهم القيمة.
وقام بتوزيع الدروع رئيس مركز راسام الدكتور يحيى الطائي، حيث أعرب عن امتنانه وشكره لما بذلوه من جهود وما قدموه من مشاركات مهمة أفكار وحلول للخروج من الواقع المتأزم في العراق منذ الاحتلال.



