الباحث : حسين صالح السبعاوي  

من المعلوم بالضرورة أن المكون الشيعي استحوذ على الحكم في العراق بالتعاون مع الاحتلاليين الأمريكي والإيراني خصوصا بعد تصريحات بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق عندما قال في لقاء على قناة الجزيرة بأن من أهداف الإحتلال الأمريكي للعراق هو نقل السلطة من السنة الى الشيعة. وقد سبقه في هذا القول الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن بمثل هذا التصريح، حيث ذكر هذا في صفحة ٣٠٠ من مذكراته قائلا: بأن “من أهداف الإحتلال الأمريكي للعراق هو تسليم السلطة إلى الشيعة …”. وهنا لابد من  الإشارة إلى أن الحكم في العراق منذ العهد الملكي سنة ١٩٢١ مروراً بالعهد الجمهوري سنة ١٩٥٨ إلى سنة ٢٠٠٣ لم يكن حكماً طائفياً أو مذهبياً يوما ما .

عندما أستلمت الأحزاب الدينية الطائفية الحكم في العراق اعتمدت الطائفية كمنهج للحكم ولإدارة البلاد رغم التنوع الذي يتكون منه الشعب ولا أغلبية لأحد في الحكم قبل الإحتلال لأنه لم تعتمد الحكومات العراقية السابقة يوما ما في التعداد السكاني على المذهب الذي ينتمي إليه المواطن. وقد كان الحديث عن المذهب يعد كفراً بالوطنية ومن المحرمات في دوائر الدولة ومؤسساتها. لكنه ومنذ بداية استلام الأحزاب الطائفية للسلطة قامت باجتثاث باقي المكونات من مؤسسات الدولة سواء الأمنية أو الإدارية، واستفردت بالحكم ولم تكتف بهذا بل بدأت تتعامل معهم على أنهم مواطنين من الدرجة الثانية وخاصة (العرب السنة منهم) لأن الأكراد لديهم الإقليم الذي فرض نفسه على الواقع السياسي في العراق . أمام هذه الممارسات الطائفية التي راح ضحيتها الآلاف بدأت القوى الوطنية الشيعية تجمع قواها وترفض هذه الممارسات تحت مظلة المذهب والدين لأن الدين والمذهب بريء من هذه الجرائم التي يندى لها الجبين.

فبدأت القوى الشيعية المعارضة لهذا النهج الحكومي تتحرك شيئا فشيئا وتنشر الوعي لدى الشباب الشيعي في مناطق الوسط والجنوب وتؤكد على الوحدة الوطنية وأنه لا يصلح للعراق إلا إعتماد مبدأ المواطنة بدل الطائفة والمذهب. كما بدأت بفضح الممارسات الطائفية لدى السلطة وتكشف فسادها المالي والإداري والأخلاقي الذي أغرقت فيه البلاد. وقد ركزت القوى الوطنية على الولاء للوطن على خلاف أدعياء المذهب من أحزاب السلطة الذي أصبح ولائهم الخارجي مقدم على الولاء الوطني .

من هنا تثبت صحة قولنا بأن أحزاب السلطة لا تمثل المكون كما لا يمكن التعميم في تصرفاتها على جميع أبناء المكون .

ومن هذا المنطلق فإن انتفاضة تشرين هي رد فعل طبيعي على ممارسة شيعة السلطة من فساد وولاء خارجي وهدم البنية التحتية للدولة العراقية. علما أن الأكثرية المشاركة في هذه الانتفاضة هم من أبناء المكون الشيعي في مناطق الوسط والجنوب وخاصة مدينتي النجف والناصرية وبقية المدن الأخرى. لقد تحولت الإنتفاضة  إلى مشروع وطني يساندها كافة أبناء الشعب العراقي ويعول عليها في إنقاذ العراق من التمزق والتقسيم .

تشكلت المعارضة من داخل المكون الشيعي نفسه، لأنه أصابهم ما أصاب باقي المكونات من إقصاء وتهميش وحرمانهم من  الشراكة في إدارة الدولة . فأصبح هناك مشروعين متناقضين داخل المكون الشيعي:  الأول: مشروع وطني يتبرأ أصحابه من كل هذه الممارسات الطائفية. والثاني: مشروع طائفي ينفذ أحزاب السلطة تؤمن بالولاء لإيران وتؤمن بإجتثاث المكونات الأخرى. وهي مدعومة من الخارج وبيدها المال والسلطة .

أمام هذا الانقسام الحاد داخل المكون الشيعي بين قوى المعارضة وشيعة السلطة فإن كل الخيارات محتملة بما فيه الاقتتال الداخلي. لأن السلطة الآن تقتل من طرف واحد. وقد قتلت أكثر من ٧٠٠ مواطن أغلبهم من المكون الشيعي المعارض للسلطة. وهذا يجرنا إلى إمكانية حدوث إنشقاقات داخل القوى الأمنية لأن غالبية القوى الأمنية هي من المكون الشيعي نفسه وليس جميعهم من يؤمن بالمشروع الطائفي والتبعية لإيران. أما إذا أجريت إنتخابات حرة ونزيهة – وهذا مستبعد – فسيكون الفوز لقوى المعارضة التي ستكتسح الشارع الشيعي وستلحق خسارة فادحة لأحزاب السلطة. وهنا سيتجدد الصراع وسيكون أعنف. لأن هؤلاء لا يمكن أن يتنازلوا عن السلطة وعن المكاسب التي يحصلون عليها بسهولة.

 

موقف المكونات الأخرى من هذا الصراع :

العرب السنة :

إن غالبية العرب السنة منحازة للمعارضة الشيعية التي تدعوا لبناء دولة بعيدا عن النهج الطائفي والتبعية لإيران، بإستثناء المنتفعين من هذا الوضع القائم – وهنا أقصد المشاركين والمستفيدين من العملية السياسية خوفا من ضياع مكتسباتهم المادية التي يحصلون عليها -. لكن في كلا الموقفين للعرب السنة فهم لن يدخلوا في هذا الصراع مباشرة بل سيكتفون بالدعم السياسي والمعنوي لأن المكون السني أصبح هو الحلقة الأضعف في العراق لما تعرض له من دمار وانتهاكات .

 

الأكراد :

بالنسبة للمكون الكردي فلا يهمه من يحكم في بغداد بقدر ما يهمه الإقليم ومصالح الإقليم، ولم يتدخلوا يوما في الصراع الداخلي الشيعي. فهم مع مصالح الأقليم ومع من يلبي مصالحهم، وضد من لا يلبي مطالبهم أو يعترض عليها .

 

أمام هذا الانقسام المجتمعي سيكون الصراع مستقبلا شيعيا – شيعيا. وليكن توصيفنا أدق لهذا الصراع هو صراع ما بين القوى العلمانية الشيعية وبين القوى الطائفية الثيوقراطية الشيعية .

 

الموقف الدولي :

ما يزال الموقف الدولي يدعم القوى الشيعية الحاكمة على حساب جميع من يعارضها سواء كان علمانيا شيعيا أو كان من العرب السنة. بإعتبار أن هذه القوى هي الأقرب لمصالحهم وهي من تعاونت معهم لإحتلال العراق. لكن هل سيبقى هذا الموقف ثابتا ولن يتبدل يا ترى؟ أعتقد لا موقف ثابت لدى القوى الدولية. فهم يتبنون المواقف حسب مصالحهم وليس حسب مبادئ وقيم إنسانية بل المصلحة مقدمة عندهم على كل شيء وهي سيدة المواقف .

( وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين )

 

مقال خاص براسام