فرض عقوبات سجنية وغرامات مالية على منظمي التجمعات الاحتجاجية، يخلق مناخًا من الخوف داخل البلاد، وينتهك التزامات العراق الدولية في مجال حقوق الإنسان.
منحت الاحتجاجات التي اندلعت في العراق خلال أكتوبر/ تشرين الأول سنة 2019، فرصة لمئات آلاف العراقيين للتعبير عن مطالبهم من أجل وضع حد للفساد السياسي وانعدام التكافؤ الاقتصادي في البلاد.
لكن، بعد عام ونصف من هذه الاحتجاجات، يخطط البرلمان العراقي للتصويت على مشروع قانون عُدّلَ مؤخرًا يتعلق بحرية التجمعات والمظاهرات السلمية، والذي يسعى البرلمان من خلاله لفرض قيود غير ضرورية على الحق في الاحتجاج داخل العراق.
المشروع تم تقديمه لأول مرة عام 2016، لكن التصويت على اعتماده أُجّلَ للسنة الموالية، قبل أن يتم تعديله مرتين، الأول في يونيو 2019، والآخر في الشهر الماضي، بعد أن قامت لجنة حقوق الإنسان التابعة للبرلمان بتعديل محتوى مشروع القانون، عقب تعرض النسخة الأصلية لانتقادات شديدة من قبل المنظمات الحقوقية العراقية والعالمية.
مشروع القانون في نسخته الحالية، يحتوي على بعض التحسينات عن النسخ السابقة، وعلى رأسها إلغاء الأمر الصارم رقم 19، الذي أصدرته سلطة التحالف المؤقتة عام 2003، والذي يقضي بتحديد ساعات الاحتجاج، وحظر التجمعات السلمية من التواجد في الأماكن العامة والطرق من دون إذن من قادة قوات التحالف. مشروع القانون الجديد يحذف شرط الحصول على إذن خاص من السلطات لتنظيم الاحتجاج، معوضًا إياه بنظام قائم على إخطار السلطات.
إلا أن المشروع لايزال يحتوي على قيود مقلقة عن حرية الاحتجاج في العراق. فالمادة 13 (1) على سبيل المثال، تعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى سنة، على كل من “نظم تجمعًا أو مظاهرة سلمية ولم يقدم إخطارًا كتابيا للمحافظ”. وفي ذات الوقت، تجيز المادة 11 استخدام القوة “في حال نُظم أي تجمع عام أو تظاهرة مخالفة للقانون”.
وتخلق العقوبات السجنية والغرامات المالية على منظمي التجمعات والاحتجاجات السلمية، مناخًا من الخوف والقمع داخل البلاد، كما يتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، التي وقع عليها العراق.
لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، المراقبة لمدى التزام العراق بالميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي وقع عليه عام 1971، علقت قائلة إن “عدم إخطار السلطات بأي تظاهرة سلمية، لا يجعل منها غير قانونية، ولا تستدعي فرض أي عقوبات، أو معاملة المشاركين فيها كمرتكبي جنح جنائية”.

الاستعمال المفرط للقوة
يتعارض الاستعمال المفرط للقوة من طرف رجال الأمن في العراق مع معايير حقوق الإنسان الراسخة. حيث تؤكد مبادئ الأمم المتحدة على ضرورة عدم استعمال القوة عند تفريق أي تجمعات سلمية غير قانونية. مع استخدام الحد الأدنى من القوة إذا استدعت الضرورة. إلا أن غياب هذه المبادئ في القوانين العراقية، تمنح قوات الأمن السلطة التقديرية لاستخدام القوة بشكل مفرط.
المتظاهرون خلال الاحتجاجات التي اندلعت في العراق خلال أكتوبر/ تشرين الثاني 2019، واجهوا هجمات عنيفة وتهديدات متزايدة من طرف قوات الأمن والميليشيات، ما أدى لمقتل مئات المتظاهرين السلميين. حيث قدرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، أن عدد القتلى خلال أعمال القمع المرتبطة بالاحتجاجات بأكثر من 500 شخص.
الميليشيات في العراق لعبت أيضًا دورًا عنيفًا خلال التظاهرات، عبر استهدافها للمتظاهرين بشكل مباشر من دون أي محاسبة أو عقاب، وصلت لحد قتل أفراد عائلات الناشطين المختفين. ففي الشهر الماضي، اغتيل في مدينة “العمارة” جاسب حطاب عبود الحليجي، والد المحامي العراقي المختطف علي جاسب. بعد مطالبته بإجراء تحقيق في اختفاء نجله، ورفعه دعوى قضائية ضد عناصر ميليشيا أنصار الله الأوفياء، الموالية لإيران.
الوضع أيضًا يزداد قلقًا، بسبب المادة التاسعة من القانون، التي تحظر استعمال أقنعة الوجه أو غيرها والمساعدة على إخفاء ملامح الوجه بشكل متعمد. حيث تعتبر هذه الوسيلة الأنسب للكثير من العراقيين لحماية أنفسهم من أعمال العنف الانتقامية التي قد يتعرضون لها من قبل الميليشيات، أو قوات الأمن، أو العناصر المسلحة. يذكر أن الأمم المتحدة أكدت على أن “تغطية الوجه يساعد على مواجهة الأعمال الانتقامية، أو حماية الخصوصية، بما في ذلك تقنيات المراقبة الجديدة. أي أن عدم الكشف عن هوية الأفراد ينبغي السماح به، ما لم تصدر من الفرد أي سلوكيات تستدعي اعتقاله”.

دعوات للتغيير
في الشهر الماضي، قدم تحالف من المنظمات العراقية والدولية، بما فيها مركز القلم (PEN) والشبكة العراقية لوسائل التواصل الاجتماعي ومجموعة مينا لحقوق الإنسان، رسالة مشتركة لمجلس النواب العراقي، يطالب من خلالها بتعديل بنود القانون، مقدمًا توصيات تتماشى مع التزامات البلد في مجال حقوق الإنسان.
ويتعين على مجلس النواب العراقي إجراء مزيد من التعديلات على مشروع القانون. كما يتحتم على أعضاء البرلمان، بصفتهم ممثلي الشعب، حماية حق كل عراقي في الاحتجاجات من دون الخوف من أي أعمال انتقامية. وعلى الرغم من بعض التحسينات التي طرأت على المشروع، إلا أن مطالب ثورة تشرين/ أكتوبر لن تتحقق كاملة بالشكل الحالي لمسودة القانون.

رمزي قيس/ ميدل إيست آي

ترجمة وتحرير: راسام