عقدت الصين مؤخرًا اتفاقية مهمة مع إيران، تمتد 25 عامًا وتغطي قطاعات حيوية متنوعة. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الاتفاق إلى تحولات جيوسياسية مهمة في المنطقة بأسرها. ولن يكون العراق بمعزل عن التداعيات.
لم تكن هناك كان مناقشات مهمة بما فيه الكفاية بشأن هذا الاتفاق. على سبيل المثال، لم تركز وسائل الإعلام على معارضة بعض المثقفين الإيرانيين لمثل هذا الاتفاق. ولم يتحدث أحد عن المظاهرات التي خرجت – وإن بشكل محدود – في بعض المدن الإيرانية للتنديد بالاتفاقية والتأكيد على أن “إيران ليست للبيع”. فالجمهور العراقي لا يعرف شيئا عن ذلك.
عندما وردت أنباء توقيع الاتفاقية الإيرانية الصينية، ارتفعت أصواتً كثيرة في وسائل الإعلام العراقية تطالب السياسيين بتفعيل الاتفاقية التي وقعها العراق مع الصين في عهد رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي. وقد روّج بعض المراقبين لفكرة أن الاتفاق الإيراني الصيني مستوحى بشكل أساسي من أفكار عبد المهدي في المقام الأول. وذهب آخرون إلى حد القول إن الحكومة الصينية طلبت من عبد المهدي أن يكون مستشارًا لشؤونها في الشرق الأوسط. لقد تم استخدام هذه الرواية كدعاية في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وخدعت الرأي العام.
ما يلفت الانتباه أن رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي تحرك بعد ذلك لتفعيل هذه الاتفاقية المفترضة مع الصين. يبدو أنه كان يحاول التماهي مع ردود الفعل التي ظهرت في وسائل الإعلام. ويبدو أيضًا أنه أعطى انطباعًا سلبيًا عن تسرعه في صياغة مثل هذه المواقف الاستراتيجية من دون الأخذ بعين الاعتبار كيف ستنظر القوى العظمى الأخرى إلى هذه الخطوة. في المقابل، تهاجمه العديد من وسائل الإعلام المحلية وتصنفه على أنه حليف وربما عميل للولايات المتحدة الأمريكية.
لا توجد حتى الآن إجابة منطقية في الدوائر الحكومية والدوائر المهتمة حول طبيعة ردود الفعل المتوقعة من الإدارة الأمريكية. ومع ذلك، فهناك حاجة ملحة لرصد ومتابعة ما يأتي من جهات وشخصيات مهمة في الولايات المتحدة الأمريكية تجاه هذه التغييرات الكبرى. علما أنه قد حذرت العديد من الآراء والمقالات، مؤخرا، من رد فعل إدارة بايدن على توسع الصين عبر الجغرافيا الإيرانية وفي منطقة تصنفها الولايات المتحدة على أنها حيوية لمصالحها ونفوذها.
من المتوقع أن يراقب هؤلاء المهتمين الوزن الاستراتيجي الجديد الذي يمكن أن تملكه إيران، حيث من المحتمل أن تقدم الصين دعمها لوجود إيران في المنطقة. وبالتالي فإن هذا يتعارض مع طموحات واشنطن. وتؤكد العديد من المؤشرات أنه سيكون هناك زيادة في الوجود الصيني الإيراني في الاقتصاد العراقي.
ومن المتوقع أيضًا أن تستغل الصين هذا الاختراق الاقتصادي لصالحها. يمكنها أن تساهم في إنتاج تسويات داخلية في العراق، وربما تعمل أيضًا على تشجيع التسويات العراقية العربية. وهذا سيسمح للصين بمنافسة النموذج الدبلوماسي الأمريكي الذي عمل بجد لإقناع المنطقة العربية بقبول عراق ما بعد عام 2003.
كما سيتم تفسير ذلك على أنه محاولة لإنتاج محور مهم يمتد من بكين إلى طهران – دمشق عبر بغداد. وهو اتفاق استراتيجي مؤثر سيعمل على الضغط على حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية وتحديداً في منطقة الخليج العربي. هناك مخاوف من أن الصين قد تكون قادرة على الدخول في التفاعلات الجيوسياسية الأساسية في هذه المنطقة. قد يمكّنها ذلك من خلق قواعد عسكرية مستقرة، ولأول مرة في التاريخ المعاصر، ستسمح لها هذه القواعد بالتواجد الرسمي في واحدة من أهم دول هذا المحور: إيران.
توجد الآن فكرة واسعة النطاق في الأوساط الأمريكية بوجود أحزاب شيعية معينة في بغداد تعمل للضغط من أجل التوافق مع الاتفاقية الصينية الإيرانية. ما يعنيه هذا ضمنيًا، بطريقة أو بأخرى، أن هذه الأطراف تسعى إلى تشكيل تحالف مع الصين على حساب خسارة أي علاقة محتملة مع الولايات المتحدة. وهذا بحد ذاته يعتبر تحولا كبيرا في العلاقات الشيعية الأمريكية التي تعاني من تدهور كبير.
في ظل الحماس الكبير في وسائل الإعلام العراقية لبحث الاتفاق الصيني الإيراني وتأثيره المحتمل على العراق، هناك نوع من الإهمال لقضايا أخرى مهمة قد تعيق هذا المشروع، بما في ذلك الاستقطاب داخل العراق نفسه. فعلى عكس العديد من السياسيين الشيعة، لا يزال عدد كبير من الشخصيات السنية والكردية مستعدين بشكل واضح وعلني لمواصلة الشراكة مع الجانب الأمريكي في مختلف المجالات. سيؤدي ذلك إلى تصادمات حول ما إذا كان على العراق الانغماس في فكرة الاتفاقية الصينية الإيرانية. وبالتالي قد يكون لهذه الاستقطابات تأثير عميق على الجغرافيا السياسية الهشة لهذا البلد.
كما أن هناك وجهة نظر مهمة أخرى تنبثق من الجغرافيا الشيعية في العراق، وهي وجهة نظر تنتقد ممارسات بعض الأحزاب الحكومية، وتصف محاولاتها لكسر التعاون مع الجانب الأمريكي بأنها خطيئة جيوسياسية. ترى وجهة النظر هذه بأن النتائج السلبية لمثل هذه الخطوة لا يمكن استبعادها بسهولة، وأن الصين لن تكون حاجزًا حقيقيًا يمكن الاعتماد عليه عندما تندلع المنافسة الصفرية بين بكين وواشنطن على العراق. يرى متبني وجهة النظر هذه في إعادة تفعيل شروط العلاقة مع الجانب الأمريكي وسيلة لخدمة مصالح العراق. وإن ذلك سيكون بديلاً أفضل من عملية الانضمام إلى الاتفاقية الصينية .
إن كل من تابع خطاب بايدن أثناء تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، يدرك جيدًا أن خطابه كان يشير بوضوح وصراحة إلى الصين وروسيا كأهم خصوم لبلاده على الساحة العالمية. يفترض الأمريكيون أن أي اختراق من قبل تلك القوى في ساحات مهمة لمصالح الولايات المتحدة سيعتبر تحديًا. وهذا يوضح كيف يجب على صانعي السياسة العراقيين أن يكونوا حكماء وحذرين في اتخاذ قراراتهم. يجب أن يفكروا مليًا في دروس التاريخ قبل ارتكاب أي أخطاء يصعب معالجة عواقبها على المدى الطويل.
كعراقيين، يجب أن ننتبه بأن هناك وهمًا كبيرًا، تحاول بعض الجهات تسويقه للرأي العام، وهو تصوير الصين على أنها منقذة العراق. وتنسى تلك الجهات أن الصين لا تنظر إلى العراق إلا بمنظار مصالحها الاقتصادية لا غير.

جيوبوليتيكل مونيتر/ دياري صالح

ترجمة وتحرير: راسام