حكمة معبرة: كتب أحد الأساتذة الجامعيين لطلابه في مرحلة الدكتوراه والماجستير والبكالوريوس رسالة معبرة،  ثم وضعها على مدخل الكلية في الجامعة بجنوب أفريقيا وهذا نصها :

إن تدمير أي أمّة لا يحتاج إلى قنابل نووية أو صواريخ بعيدة المدى!… ولكن يحتاج إلى تخفيض نوعية التعليم والسماح للطلبة بالغش!، فيموت المريض على يد الطبيب لأنه نجح بالغش!، وتنهار البيوت على يد المهندس الذي نجح بالغش!، ونخسر الأموال على يد المحاسب الذي نجح بالغش!، ويموت الدين على يد الشيخ الذي نجح بالغش!، ويضيع العدل على يد القاضي الذي نجح بالغش!، ويتفشى الجهل والتخلف في عقول الأبناء على يد المعلم الذي نجح بالغش!، فانهيار التعليم يعني انهيار الأمة!!!.فما بالك بمن زور شهادته ليحصل على منصب رفيع في الدولة بمؤهلات زائفة؟، وما بالك بمن تسلم المنصب بولائه المطلق للطبقة السياسية الحاكمة؟، أو لانتمائه الحزبي!، أو لتبعيته لجهات خارجية؟، وما بالك بمن جاءت به المحاصصة الطائفية ليتبوأ منصب رفيع بغض النظر عن كفاءته وقدرته على إدارة المنصب؟.

المقدمة:
يعتبر التعليم رسالة نبيلة وشريفة ومهمة أخلاقية ووطنية وهو الأساس الذي يبنى عليه تقدم الأمم ونهضتها ومشروعها الحضاري، وبنفس الوقت هو يقاس عليه تقدم الأمم وازدهارها وتخلفها، لأن الاهتمام بجودة التعليم يعني بأن هناك جيل يبني نفسه على أسس علمية صحيحة ليشق طريقه الى المستقبل، فالتعليم هو الرافد الرئيسي لبناء الدول وتقدمها وتحقيق الرفاه والتنمية المستدامة من خلال رفدها بالكفاءات الوطنية والعلمية بما يتناسب مع قدراتها البشرية والاقتصادية ومشروعها النهضوي والحضاري، وهذا يتطلب تسخير كافة الطاقات لتأسيس تعليم متطور يستشرف المستقبل بتخطيط استراتيجي قومي بعيد المدى، خصوصاً وإن بقية وزارات الدولة تعتمد بشكل كبير على وزارتي التعليم والتخطيط في تحديد الإحتياجات الخاصة لكل وزارة لتطوير نفسها بالكفاءات العلمية لسد احتياجاتها، كما إن تقدم المجتمعات والدول تقاس بنسبة تعلم أبنائها، ونوعية هذا التعليم، وتراجع الأمية فيها، وهذا يجب أن يستند على بنى تحتية تشمل توفر الهيئات والكوادر التعليمية والإشرافية، واعادة النظر بالمناهج العلمية وتطويرها لتواكب التطورات العلمية في التدريسية، وكذلك توفر المباني والمستلزمات التعليمية المتطورة.

أسباب تراجع التعليم في العراق:
لقد شهدت المؤسسات التعليمية العراقية تدهوراً واضحاً وتراجعاً كبيراً وخطيراً على المستوى التربوي بسبب المحاصصة الطائفية التي بنيت عليها الدولة بعد عام2003، حيث شكلت هذه القضية السبب الرئيسي لتدمير التعليم في العراق، خصوصاً وإن الولاء أصبح مقدم على الكفاءة في بناء البنى التحتية للوزارة ودوائر ومؤسسات الدولة الأخرى، وهذا أدى الى تراجع المستوى التعليمي على كافة المستويات ووصوله الى مستويات هزيلة ومتدنية، الأمر الذي شكل آفة خطيرة تهدد مستقبل الدولة والأجيال القادمة، كما أنها تهدد جميع مؤسسات الدولة الاخرى التي تعتمد على المؤسسات التعليمية في بناء كوادرها ومؤسساتها، فالانقسام السياسي، والسياسات الطائفية التي اعتمدتها الطبقة السياسية الحاكمة في إدارة الدولة بعد الاحتلال، وانعدام الأمن والاستقرار الاجتماعي، والتدهور الاقتصادي، وانتشار الفقر، والجهل، والبطالة، وانتشار الأمية، والفساد المالي والاداري، وكثرة العطل الرسمية، وفساد الكوادر التعليمية، وتعرضهم للتهديدات والهجرة القسرية، وعدم تحديث المناهج، وأزمة النزوح والتهجير، وارتفاع نسبة البطالة، ساهمت بشكل كبير في تراجع المستوى التعليمي وحرمان الكثير من الأطفال العراقيين من دخول المدارس.

لقد سجلت السنوات الاخيرة ارتفاعاً كبيراً في مستوى الأمية في العراق وفقاً لتصنيف “منظمة اليونسكو” بعد أن حل العراق ضمن أكثر البلدان التي تجاوزت فيها نسبة الأمية أكثر من (47%) من عدد السكان، حيث يقول عضو نقابة المعلمين العراقية “ناصر الكعبي” إن الأمم المتحدة أبلغتهم بوجود (12)مليون شخص أمي في العراق، بينما يقول المتحدث بأسم وزارة التخطيط العراقية ” عبد الزهرة الهنداوي” بأن الوزارة تتابع مؤشرات الأمية بالشراكة مع منظمة اليونسكو وأن نسبة الأمية بين السكان الذين تزيد أعمارهم عن (10) سنوات بحسب آخر مسح نفذه الجهاز المركزي للإحصاء بلغت (13%)، بالإضافة الى قلة الوعي، والفساد المالي والاداري، وهجرة الكوادر والكفاءات التعليمية المتقدمة وتعرضها للخطف والاغتيال وكذلك الزيادة السكانية الكبيرة الأمر الذي أنعكس بشكل كبير على المستوى التعليمي في العراق، خصوصاً وإن نظام التعليم في العراق يعاني من انعدام الكفاءة، والافتقار الى الموارد التعليمية الكافية، والسياسات التعليمية الفاشلة، والسياسات الاقصائية، والتدخل السياسي والطائفي في أعداد المناهج، وسوء الإدارة والإشراف.

لقد أكدت “منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “يونسكو” إن تأثير الصراعات المسلحة على التعليم في العراق ألقت بظلالها على الأطفال ومنعت دخولهم المدارس، وانعكست على نوعية التعليم وجودته”، وفقاً لـ”صحيفة الصباح الرسمية المحلية” التي نقلت تصريحات مدير مكتب المنظمة في العراق، “باولو فونتاني”، خلال فعاليات اليوم الدوري للتعليم قائلاً: “إنّ النزاعات التي حصلت في العقد الماضي أثرت على الأطفال ودخولهم إلى المدارس، وخصوصاً نوعية التعليم الذي يعدّ أحد التحديات الموجودة في العراق”، كما بينت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” في تقرير لها بأن تخصيصات الميزانية الوطنية للعراق في السنوات الماضية كانت أقل من نسبة (6%) من مجمل الإنفاق السنوي العام”، مما يضع البلاد في أسفل ترتيب دول الشرق الاوسط، كما تشير المعلومات الى ان العراق أنفق منذ عام 2003 أكثر من (22) مليار دولار أميركي على قطاع التعليم الأساسي دون أن يكون هناك تطور ملحوظ في هذا القطاع الاساسي الذي تراجع بشكل غير مسبوق، بحيث تم الرجوع الى المدارس الطينية لتعليم الأطفال في المناطق الريفية.

إن انخفاض جودة التعليم في العراق جاء بسبب قلة المدارس وعدم تجهيزها بالمستلزمات الدراسية، وأجهزة التدفئة والتبريد، وافتقارها للمختبرات، وعدم توفر القرطاسية أو تأخيرها، بالإضافة الى وجود مناهج قديمة لا تلبي متطلبات العصر الحالي أو التطور الكبير الحاصل في المناهج العلمية والتربوية للبلدان المجاورة، والتي لا تلبي أدنى معايير التعليم الحديث، ناهيك عن النقص الحاد في الكتب والمقاعد والسبورات وغيرها من مستلزمات التعليم بما فيها تهالك البنى التحتية التعليمية، وعزف الكثير من الطلاب عن الدخول الى المدارس بداعي الفقر، كل ذلك أدى الى تراجع التعليم في العراق بشكل كبير، علماً بأن المتحدث بأسم وزارة التخطيط العراقية “عبد الزهرة الهنداوي” أكدت في أغسطس عام2023بأن هناك (1،1) مليون طفل عراقي محرومون من حقوقهم في التعليم والصحة دون أن تكشف عن خطط لرعايتهم، بينما حددت نسبة عمالة الأطفال وصلت الى نحو نصف مليون طفل أي بنسبة تصل الى (7%) علماً بأن هذا الرقم هو أقل بكثير من الأرقام المتداولة.

قلة الساعات التعليمية:
إن :الزيادة السكانية الكبيرة والهجرة من المدن الريفية الى المناطق الحضرية جعلت المدارس والصفوف تكتظ بالطلاب بشكل غير مسبوق وصولاً الى (50) طالب في الصف الواحد، بحيث وصل الأمر الى حد الجلوس على الارض، كما بلغ عدد الصفوف في المدراس الى أكثر من(24)صفاً في كل مدرسة تقريباً، بحيث ذهب الاهالي الى بناء مدارس طينية لتدريس أبنائهم، كما نصبت الخيم في بعض المدارس كما حصل في “مدرسة الشهداء في قرية العكشة في قضاء الحمزة بمحافظة الديوانية” حيث نصبت خيمة في باحة المدرسة لاستقبال الطلاب فيها، بسبب كثرة الطلاب وقلة المدارس الذي أوجب أن يكون الدوام فيها ثنائي وثلاثي، وجميع هذه المعطيات أدت الى تقليص الساعات الدراسية في المدارس العراقية الى(4)ساعات في أحسن أحوالها، مما أثر على المستوى التعليمي للطلاب وكان السبب الرئيسي في عدم إكمال المنهج المقرر وخاصةً للصفوف المنتهية.