الكاتب: نظير الكندوري

بالرغم من أن هجمات تنظيم داعش لم تتوقف منذ اعلان نهاية المعارك مع التنظيم على لسان رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي في التاسع من كانون الأول عام 2017 وبقيت مستمرة بشكل متفرق، لكنها بدأت بالازدياد تدريجيًا طيلة السنوات اللاحقة وسط فشل أمني حكومي (مقصود أو غير مقصود) في السيطرة عليها. لكن هذه الهجمات بدأت تأخذ منحى نوعيا في طبيعة الأهداف التي يختارها التنظيم، تصُب في غالبها في مصلحة طرف من الأطراف السياسية العراقية أو الدولية.
ففي أيام الصيف اللاهب في العراق، تركزت هجمات التنظيم على أبراج الكهرباء للضغط العالي، الأمر الذي صبَّ في مصلحة إيران التي يعتمد عليها العراق بشكل كبير في توفير جزء مهم من احتياجاته للطاقة الكهربائية، وبقائه معتمدًا عليها من خلال تخريب شبكة توزيع الطاقة الكهربائية بالعراق.
وحينما كثر الحديث عن ضرورة حل الحشد الشعبي وباقي المليشيات المسلحة لانتفاء الحاجة لها بعد اعلان انتهاء المعارك مع التنظيم، كثَّف التنظيم من عملياته الإرهابية لخلق حاجة فعلية لوجود الحشد الشعبي وباقي المليشيات بحجة أن من الضروري بقاءها لمواجهة إرهاب تنظيم داعش.
أما حينما أرادت المليشيات الطائفية استكمال خطتها في إفراغ حزام بغداد من ساكنيه السنَّة، لاحظنا كيف كثَّف التنظيم عملياته الإرهابية في تلك المناطق، لخلق الحجة الكافية للحشد الشعبي لاستغلالها في استباحته تلك المناطق وتهجير سكانها وقتل أو اعتقال شبابها، وخير مثال على ذلك ما جرى خلال الأشهر الماضية في منطقة الطارمية وغيرها من مناطق حزام بغداد.

داعش والانتخابات النيابية المبكرة
وعندما اقتربنا من موعد الانتخابات النيابية التي أجريت في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر من العام الجاري، لاحظنا كيف تحول تنظيم داعش إلى مؤثر سياسي من خلال تسويق عملياته لأغراض تحقق منافع سياسية لجهات معينة، وذلك حينما بدأ باغتيال عدد من المرشحين للانتخابات من الذين كان من الممكن أن يشكلوا تنافسًا جديًا لبعض مرشحي الأحزاب المتحكمة بالمشهد السياسي أو حرق بعض المناطق أمنيًا لغايات انتخابية، وغيرها من التحركات التي كانت تصب لصالح جهات سياسية معينة، للدرجة التي جعلت بعض القرى السنيَّة في محافظة ديالى مثلًا، تقوم بانتخاب مرشحين تابعين للمليشيات بشكل مقصود خشية من عمليات انتقامية من تنظيم داعش أو المليشيات إذا ما غامروا بانتخاب مرشح سنَّي لا تريده المليشيات. وهكذا يستمر استثمار داعش في العملية السياسية في العراق وجعلها معولًا يُضرب به من يشق عصا الطاعة للأحزاب والمليشيات الولائية.
ما الجديد في استثمار داعش السياسي؟
الجديد اليوم وبعد ظهور نتائج الانتخابات بما لا تهوى المليشيات والأحزاب الولائية، وبعد استنزافها لكل المحاولات لإلغاء نتائج الانتخابات وإعادتها، وصلوا إلى حقيقة أن من المستحيل إلغاء النتائج، وأن الأمم المتحدة والولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية، أعلنوا دعمهم للعلمية الانتخابية واشادوا بنزاهتها، رغم المقاطعة التي قام بها الشعب العراقي للانتخابات، ورغم التزوير الحاصل بها، لكن بما أنها أسفرت عن خسارة للأطراف الموالية لإيران، فالدول الغربية لا تمانع بدعمها والاعتراف بنزاهتها.
ووفق هذه المعطيات، بدأت الأطراف الموالية لإيران من أحزاب ومليشيات، تُهيأ نفسها لقبول نتائج الانتخابات شرط أن تتواجد في الحكومة القادمة بأي طريقة كانت، وأن تشارك في حكومة توافقية مهما كانت الظروف، لكن إصرار الصدر على تشكيل حكومة أغلبية جعلهم أمام خيارات صعبة، وبسبب أنهم لا يريدون الدخول مع الصدر في اقتتال ميليشياوي يمكن له أن يعصف بحُكم الولائيين للعراق بالمجمل، جعلهم يفكرون بخيارات أخرى تتمثل بالابتعاد عن الأطراف الشيعية والتوجه لتخويف الأطراف الكردية والسنيَّة لثنيها عن مشاركة الصدر بحكومة أغلبية، وذلك من خلال حرق مناطقهم أمنيًا على أيدي عناصر تنظيم داعش.
وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى التصريح الذي نشرته وسائل إعلامية عراقية في 30/11/2021 نقلًا عن مصدر أمني، جاء فيه، أن معلومات استخباراتية تُفيد أن تنظيم داعش ينوي القيام بعمليات إرهابية واسعة في قضاء سامراء، تستهدف الأسواق والتجمعات البشرية ومرقد الإمامين العسكريين، وهي حجة متكررة غالبا ما تلجأ إليها الأحزاب والمليشيات الشيعية الولائية، حينما تريد أن تُأجج وضعًا أمنيًا ما، واعطاء التبرير للعلميات التي ستقوم بها داعش لاحقًا والرد اللاحق عليها من قبل الأجهزة الأمنية وعناصر الحشد الشعبي.
لكن البداية الحقيقية لعمليات التنظيم ذات البعد السياسي، بدأت تزداد في الأيام القليلة الماضية، وبالذات بعد إتمام الهيئة القضائية النظر في الطعون المقدمة لها في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر، والتي ترتب عليها بعد ذلك، إعلان مفوضية الانتخابات لنتائج الانتخابات النهائية والتي لم تغير عدد مقاعد الكتل الشيعية الخاسرة، رافق ذلك تصريحات منسوبة للحزب الديمقراطي الكردستاني الذي أعلن فيها عن رغبته بتشكيل حكومة أغلبية مع الصدر، قام التنظيم بعمليات إرهابية نوعية وكبيرة ضد أهداف كردية وبمناطق تسكنها أغلبية كردية، الهدف من ورائها كما هو واضح، هو ثني الكرد عن الذهاب مع الصدر لتشكيل حكومة أغلبية بمعزل عن أحزاب ومليشيات الإطار التنسيقي. ففي يوم 28 من الشهر الماضي، هاجم عناصر داعش نقطة مرابطة لقوات البيشمركة في أطراف قاطع كولاجو على حدود محافظتي ديالى والسليمانية سقط خلالها عدد من الضحايا بينهم ضباط في البيشمركة، وفي الثالث من الشهر الحالي، شن عناصر داعش هجومًا على قرية “خضر جيجة” في منطقة قرجوغ التابعة لقضاء مخمور بمحافظة نينوى، سقط خلالها 13 قتيلا، تسعة منهم من قوات البيشمركة، بعدها بيومين سيطر التنظيم على قرية هيبان التابعة لقضاء الدبس بالكامل وحرق منازلها قبل أن يغادروها. بالمقابل، زار “السياسي المستقل” عزت الشابندر، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني في مقر إقامته في مصيف صلاح الدين، لمناقشة الوضع السياسي في العراق ونتائج الانتخابات البرلمانية وسبل إيجاد الحلول لتخطي الأزمة والتحديات التي تواجه العملية السياسية في العراق كما ذُكر بالإعلام. وجميعنا نعلم أن عزت الشابندر لا ينتمي حاليًا إلى أي جهة سياسية، ومن المستغرب أن يلتقي بأرفع مسؤول كردي للنقاش معه سبل حل الأزمة السياسية في العراق، لكن ناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي نقلوا تسريبات من مسؤولين مطلعين عن تلك الزيارة، وقالوا إن الشابندر كان يحمل معه رسالة من الإطار التنسيقي إلى البارزاني، فيها تحذير من مغبة الذهاب مع الصدر لتشكيل حكومة أغلبية، وتخييره بين تشكيل حكومة توافقية برعاية الإطار، أو مواجهة انهيار أمني في المناطق الكردية التي خارج الإقليم إذا ما فضل الذهاب مع الصدر. ومن المتوقع أن تُرسل أحزاب الإطار التنسيقي، رسالة مماثلة تحمل ذات المعنى إلى الحلبوسي لتحذيره من مغبة مشاركة الصدر بحكومة أغلبية.

الأحزاب السياسية العراقية تتصارع فيما بينها على حساب الدم العراقي
ومن هنا، نرى أن الأحزاب العراقية المتواجدة في السلطة، لن تتوانى عن استخدام الدم العراقي كرسائل متبادلة فيما بينها، بالاعتماد على تنظيم داعش ومن قبله تنظيم القاعدة في نقل رسائلهم الدموية المتبادلة بينهم وذلك من خلال القيام توجيه التنظيم بشن عمليات إرهابية تستهدف المواطن العراقي بالدرجة الأساس والتي تؤدي بالنتيجة إلى ترجيح كفة سياسية معينة على حساب أخرى، وإذا ما عرف الشعب العراقي تلك الحقيقة، وفهم كيف تُدار اللعبة الدموية بالعراق، فهل يا ترى سوف يستمر بالسكوت عن هذه الأحزاب وعن اجرامها؟ أم أن الوقت قد حان للقول كفا قتلًا وسفكًا لدماء العراقيين؟

مقال خاص براسام