أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

الحرب العالمية الأولى وانعكاسها على نفط الموصل:

خلال الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ – ١٩١٨م ظهرت المساومات البريطانية – الفرنسية فيما يخص نفط الموصل، حيث كانت بريطانيا تخطط للاستيلاء على آبار النفط في العراق بعد أن كانت تشتري النفط من أمريكا ورومانيا وروسيا، ورأت من شأن نفط العراق أن يؤمن لها الكثير من رؤوس الأموال ويضاعف قدراتها، لذلك أرسلت قواتها إلى شط العرب بهدف حماية آبار النفط في عبادان، وخلال الحرب – وعندما حوصرت القوات البريطانية في الكوت – طلبت المساعدة من فرنسا مقابل منحها مدينة الموصل الغنية بالنفط، وتوصل الطرفان إلى ذلك في اتفاقية سايكس بيكو ١٩١٦م، وبعدها سيطرت بريطانيا على الموصل بموجب هدنة مودرس ١٩١٨م.

بعد احتلال بريطانيا للعراق، وبموجب مقررات مؤتمر سان ريمو المنعقد في ٤ نيسان ١٩٢٠م، تم وضعه تحت سلطة الانتداب البريطاني كما تقرر مصير نفطه بموجب اتفاق المؤتمر نفسه.

من المفيد بالإشارة إلى أن العراقيين رفضوا الاحتلال البريطاني وتوالت ثوراته من شماله إلى جنوبه ليتوجوها بثورة العشرين التحررية في ٣٠ حزيران ١٩٢٠م ضد المحتل البريطاني الذي لم يكن يتوانى عن استخدام أعنف وسائل التنكيل والإرهاب والوقوف بوجه شعب العراق المدافع عن حقوقه.

كان تأسيس الدولة العراقية الحديثة (١٩٢١ – ١٩٣٢م) نتيجة طبيعية للتطورات التي رافقت نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية وما تبعها من تقاسم النفوذ بين الحلفاء المنتصرين، وقد وضعت تلك الدولة تحت إدارة الانتداب البريطاني، وكانت قضية حصص شركة النفط التركية مسألة رئيسية في هذا التقييم، لا سيما بعد ارتفاع دور النفط في استهلاك الطاقة، ومنذ ذلك الحين، تعاظم التنافس الأجنبي بين بريطانيا وفرنسا وهولندا والولايات المتحدة الامريكية للاستحواذ على حقوق واستغلال النفط، حيث قامت الشركة الفرنسية بالاستيلاء على حصة الشركة الألمانية، وبعد مداولات وتبادلات دبلوماسية مطولة وحادة أحياناً ، تمكنت شركات النفط الامريكية من الحصول على حصة شركة النفط التركية.

انتهى التنافس وبشكل نسبي من خلال الاتفاق على اجراء ترتيبات مشتركة بين شركات الحلفاء ممثلة بتأسيس شركة النفط العراقية، وبهذا أحكمت الشركات قبضتها على النفط العراقي وأصبح حكراً على شركة نفط العراق بموجب اتفاقية الامتياز الممنوحة لها تحت ضغط الاحتلال البريطاني.

في عام ١٩٢٢م تقدمت شركة النفط التركية (TPC) طلباً للحكومة العراقية التي كان يترأسها عبد الرحمن الكيلاني النقيب (نقيب أشراف بغداد) ذكرت فيه بأن الحكومة العثمانية منحتها الامتياز المذكور عام ١٩١٤م، وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية رفضت الاعتراف بهذا الامتياز إلا أنها تراجعت عن موقفها واضطرت القبول به بسبب الضغوط التي مارستها بريطانيا (الدولة المنتدبة على العراق) وبمساندة عصبة الأمم في المطالبة بولاية الموصل وضمها إلى تركيا.

قررت الحكومة العراقية في ١٣ آب ١٩٢٣م الموافقة في ١٤ آذار ١٩٢٥ على منح شركة النفط التركية امتياز نفط الموصل وبغداد، وجاء في مواد الاتفاقية التي اشتملت على (٤٣) مادة على أن تكون مدة الاتفاقية (٧٥) عاماً وأن يشمل الامتياز مساحة قدرها (١٩٢) ميلاً مربعاً وتعهدت الشركة ببدء الحفر خلال ثلاث سنوات مع اعفائها من الضرائب أما عوائد الحكومة العراقية فهي (٤ شلنات ذهبية) عن كل طن لمدة ٢٠ سنة، أما بالنسبة لأسهم الشركة ورأسمالها فقد ازداد بعد منح الامتياز وأصبح مليون باوند إسترليني.

في عام (١٩٢٧م) توسعت مساحة امتياز شركة نفط العراق، لاسيما بعد اكتشاف النفط وبكميات كبيرة في حقل بابا كركر شمال مدينة كركوك في تشرين الأول من العام نفسه، وبذلك أصبح امتياز الشركة يغطي مساحة كامل البلاد عدا (٨٠٠) ميل مربع المجاور للحدود الإيرانية، والتي كانت من ضمن امتياز شركة انكلوا – إيرانية.

إن عمليات إنتاج النفط العراقي كانت بكميات قليلة ولم تكن بشكل تجاري، ولا تصلح أن تكون استثمارية، وتأخره لعدة سنوات وتحديداً لغاية عام ١٩٣٤م، أي لحين الانتهاء من اتفاق مد خطين لنقل النفط: الأول خط كركوك – طرابلس غرباً باتجاه سوريا ولبنان والثاني خط كركوك – حيفا، وهذان الأنبوبان يمران بأراضي خاضعة للانتداب الفرنسي.

تقسمت حصص شركة نفط العراق إلى خمسة أقسام، كما موضح:

ت —– اسم الشركة —– النسبة المئوية
١ شركة النفط البريطانية (BP) الإنكليزية – الفارسية: ٢٣,٧٥
٢ شركة شيل (Shell) البريطانية الهولندية: ٢٣,٧٥
٣ شركة تنمية الشرق الأوسط الأمريكية: ٢٣,٧٥
٤ شركة النفط الفرنسية (FPC): ٢٣,٧٥
٥ حصة كالوست سركيس كولبنكيان: ٥

وبموجب ذلك أصبح النفط العراقي تحت تصرف شركة نفط العراق (IPC)، إذ كانت مجموعة شركات النفط العالمية الكبرى هي التي تدير القطاع النفطي في العراق من عام ١٩٢٥م ولغاية حزيران ١٩٧٢ ، وبموجب اتفاقية الامتيازات الممنوحة لها تحت الضغط البريطاني.

لذا تعد شركة نفط العراق أهم شركة مستثمرة في العراق وتمكنت من التوسع في مجال عملها لتغطي مساحة كافية، حيث استطاعت الحصول على امتيازات مماثلة للامتياز الأول عن طريق شركتي نفط الموصل والبصرة وهما شركتان فرعيتان لشركة نفط العراق عام ١٩٣٢و١٩٣٨م على التوالي وقد غطت الامتيازات الثلاث الأراضي العراقية كافة.

وأدناه توضح بشكل موجز عن هاتين الشركتين لغرض الاطلاع على طبيعة عملها:

أولاً- شركة نفط الموصل:
أسست هذه الشركة في نيسان عام ١٩٣٢م، وكان الهدف منها تغطية مناطق شمال غرب العراق (عين زالة – بطمة – القيارة – مخمور) وبعد الاكتشاف النفطي في كركوك، سعت عدة شركات للحصول على امتياز التنقيب عن النفط، وقد منح الامتياز إلى شركة تتكون رؤوس أموالها شركات إنكليزية وإيطالية وسويسرية وفرنسية والمانية، وكانت مساحة الامتياز (١٠٧) الف كم٢ واطلق عليها اسم (شركة استثمار النفط البريطانية المحدودة)، والتي استطاعت أن تأخذ الامتياز من ولاية الموصل، وفي عام ١٩٣٦ قامت شركة نفط العراق بشراء اسم تلك الشركة، وتم تبديل اسم الشركة إلى شركة نفط الموصل المحدودة، حيث بدأ إنتاج وتصدير النفط من حقول عين زالة في بداية عام ١٩٥٢م.

ثانيا – شركة نفط البصرة:
سجلت هذه الشركة في ٢٢ تموز ١٩٣٨ والغرض منها تغطية النشاطات في جنوب العراق وشواطئ الخليج العربي والصحراء الغربية من الكويت، وقد شرعت نفط البصرة بحفر الآبار في مناطق الشعيبة والزبير والرميلة الجنوبية، وأول اكتشاف لها هو حقل الزبير ١٩٤٨م، وبعدها تم اكتشاف حقل الرميلة عام ١٩٥٣م وبوشر في الإنتاج عام ١٩٥٤م كما قامت الشركة ببناء الميناء العميق بهدف تحميل الناقلات العملاقة.

لقد حاول العهد الملكي (١٩٢١ – ١٩٥٨م) صياغة الثروة النفطية العراقية عبر اتفاقيات أساسية جاءت في الأعوام (١٩٢٥ – ١٩٣٢ – ١٩٣٨ – ١٩٥٢) لتمنح الشركات النفطية الأجنبية العاملة في العراق بموجبها امتيازاً خاصاً في استغلال النفط واستخراجه – كما سنرى ذلك في الحلقة القادمة -.

المصادر والمراجع المعتمدة:

١ – محمد طاهر العمري الموصلي، تاريخ مقدرات العراق السياسية، ج١ ، (بغداد، ١٩٢٥م).
٢ – راشد البراوي، حرب البترول في العالم العربي، (القاهرة، ١٩٦٧م).
٣ – عبد الوهاب السلوم، قصة البترول العراقي، (القاهرة، ١٩٦٧م).
٤ – لونكريك، النفط في الشرق الأوسط: اكتشافه وتطوره، ط٣ ، ١٩٦٣م.
٥ – حكمت سامي سليمان، نفط العراق، دراسة اقتصادية سياسية، (بغداد، ١٩٧٩).
٦ – عبد المنعم عبد الوهاب، النفط بين السياسة والاقتصاد، (الكويت، ١٩٧٤م).
٧ – فاضل حسين، مشكلة الموصل، ط٦ ، (بغداد~ ١٩٧٧م\٩.
٨ – جواد العطار، تاريخ البترول في الشرق الأوسط ١٩٠١ – ١٩٧٢م، (بيروت، ١٩٧٧م).
٩ – صبري عبد الرزاق، واقع الصناعات النفطية في الوطن العربي، (بغداد، ١٩٨٠م).

مقال خاص براسام