الباحث: حسين صالح السبعاوي
منذ أن انطلقت انتفاضة تشرين عام ٢٠١٩ وهي تواجه عدة تحديات أمنية وسياسية لغرض إجهاض مشروعها الوطني الذي يتعارض تماما مع المشروع الطائفي والمحاصصة الحزبية والفساد الذي أصبح سمة عامة في حكومات الاحتلال المتعاقبة بعد ٢٠٠٣، لقد استطاعت تشرين أن تعيد المشروع الوطني إلى الواجهة بحيث أصبح الجميع يتغنى به ويعوّل عليه في إنقاذ العراق من المستنقع الذي هو فيه.
لقد خرج شباب تشرين في أكثر من ٢٠٠ مظاهرة في مناطق الوسط والجنوب رغم القمع الذي تعرضوا له، وهذا يعتبر رقما قياسيا في خروج شباب خلال عام واحد بهذا العدد من التظاهرات في ظل حكومات قمعية، ومليشيات حزبية منفلتة، لكن هذا لا يعني أن انتفاضة تشرين معصومة من الخطأ، ولا هي في منأى من التحديات والمؤامرات التي تحاك ضدها سيما أن مشروعها يتعارض مع جميع مشاريع أحزاب السلطة، وهنا لابد من الإشارة إلى أهم التحديات التي تعرضت لها تشرين:
١- التحدي الأمني: واجهت انتفاضة تشرين تحديا أمنيا كبيرا من قبل حكومة عادل عبد المهدي، حيث أطلق عليها قوات مكافحة الشغب، والمليشيات الحزبية الرصاص الحي والقنابل الدخانية التي كانت تطلق على رؤوس المتظاهرين مباشرة، بحيث قتل أكثر من ألف متظاهر وجرح منهم أضعاف هذا العدد، إضافة إلى الخطف والاعتقالات التي استهدفتهم، ورغم هذا القمع استمرت الانتفاضة.
٢- الاختراق السياسي: كما هو معلوم إن شباب تشرين ليسوا تنظيما سياسيا بل هي حركة احتجاجية انبثقت من رحم الشعب بسبب الحاجة الوطنية لها، كذلك لو ركزنا على الفئة العمرية لهؤلاء الشباب نجد أن أعمارهم تقدر بصورة عامة ما بين ١٨- ٢٨ عاما، وعادة ما تركز هذه الفئة العمرية من الشباب على الحالة الثورية ورفض الظلم بعيدا عن التنظيمات والأيدولوجيات، بمعنى بعيدا عن التنظير الثوري المنظم، ومن هنا استغلت بعض الأحزاب السياسية هذه النقطة من خلال دس بعض الشخصيات بين صفوف الانتفاضة ليتصدروا المشهد ثم يلتف هؤلاء على المطالب الأساسية لتشرين او يحرفونها عن أهدافها الأصلية، وفي الحقيقة قد تم هذا الاختراق وتحققت بعض مطالب الأحزاب والشخصيات في الوصول إلى مجلس النواب، أو خلخلة وإضعاف الانتفاضة، كذلك زرع الشك بين القيادات الميدانية من خلال خلط الأوراق على المتظاهرين ليعيشوا بين الشك واليقين.
والسبب في الاختراق الذي حصل هو غياب القيادة المركزية المعلنة للانتفاضة، وممكن أن يكون عدم إعلان قيادة لتشرين هو بسبب الخوف من الاستهداف والتصفية من قبل القوات الحكومية والمليشيات الطائفية، لكن من الممكن أن تكون قيادة الانتفاضة في الخارج بعيدة عن الإستهداف، فمن خلال هذه الثغرة استطاعت بعض الشخصيات التابعة لأحزاب السلطة أن تتسلل لتجعل من نفسها ممثلا لتشرين وتشرين منهم براء.
الكثير من الشخصيات الوطنية، والنخب الفكرية دافعت عن تشرين وأيدتها، حتى إن نسبة الحاضنة المؤيدة لتشرين من الشعب العراقي قد بلغت ٩٦% حسب دراسة نشرها مركز الجزيرة للدراسات. لكن هذا لا يكفي إلا بوجود قيادة تضبط بوصلة الاحتجاجات ولا تسمح بالاختراق وتكون ممثلا شرعيا لقطع الطريق على المتسلقين.
٣- التحدي الخارجي: رغم كل القمع الذي تعرضت له الانتفاضة من قتل وخطف واعتقال إلا أن المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة لم يكن له موقف واضح وصريح في إدانة الجرائم التي استهدفت شباب تشرين والتي تعتبر جرائم ضد الإنسانية، بل على العكس وجدنا أن المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومؤسساتها قدمت دعما لا محدودا للحكومات المتعاقبة في العراق، ولو أن ما حدث في العراق قد حدث في أي دولة أخرى لانتفضت أمريكا وحركت جميع المؤسسات الدولية ضد ذلك النظام الذي يقتل شعبه بهذه الطريقة البشعة، لكنها المصالح والتبعية لأمريكا التي حالت دون إدانة القتلة.
العلاج:
١- تشكيل قيادة من رحم تشرين تكون ممثلا شرعيا للانتفاضة ولها ناطق رسمي لمنع الاختراقات والمتسلقين الذين يريدون تحريف الانتفاضة والتخلي عن مطالبها الوطنية وتحويلها إلى مطالب فئوية وشخصية.
٢- تغيير الوسائل والأداء وفق متطلبات المرحلة مثل الاعتصامات، والعصيان المدني، مع الحفاظ على الثوابت التي أعلنتها الانتفاضة منذ اليوم الأول لها وهي “نريد وطن” هذا الثابت الذي لا يتغير والذي نالت تشرين بسببه التأييد الشعبي اللامحدود.
٣- التواصل مع المجتمع الدولي والمنظمات الدولية من قبل القيادة ونقل الصورة الحقيقية لما يجري في العراق مع إقامة دعاوى لدى المحاكم الدولية ضد القتلة وقادتهم.
٤- توسيع الرقعة الجغرافية للانتفاضة كي لا تبقى منحصرة في مناطق الوسط والجنوب، لتشمل كافة المدن العراقية.
٥- التخلص من القيادات النفعية وإعلان البراءة منها.
٦- التعاون بين القوى الوطنية من أجل التكامل وبلورة مشروع وطني يمثل جميع الشعب العراقي، وعدم احتكار مشروع المعارضة على نفسها، وهناك الكثير من الشخصيات والجماعات الوطنية تتفق تماما مع مشروع تشرين الوطني.
قد تتعرض تشرين لمزيد من القمع والتنكيل ومن الممكن أن تفقد الكثير من قياداتها، لكن تشرين في الأصل هي فكرة والفكرة لا تموت سيما أن فكرتها وطنية جامعة وسوف تورثها للأجيال القادمة حتى يسترد العراق دوره الطبيعي وينال استقلاله ويمتلك إرادته الكاملة وقراره السياسي.
مقال خاص براسام

