الباحث: حسين صالح السبعاوي

منذ أن تأسس الجيش العراقي في ٦ كانون الثاني عام ١٩٢١ وهو يحمل عقيدة وطنية بعيدا عن الطائفية والمذهبية والحزبية، وكان يدرك بأن غاية وجوده هو حماية الدولة والمجتمع من أي خطر خارجي، وقد شارك هذا الجيش في عدة معارك عبر تاريخيه المجيد سواء ضد العدو الصهيوني أو ضد العدوان الإيراني في ثمانينيات القرن الماضي، وكان مستعدا لصد أي عدو خارجي.
لم يؤسس الجيش العراقي على أسس طائفية أو محاصصة حزبية، بل كان يضم كل مكونات الشعب العراقي ويدافع عنها وهذا الحال استمر منذ تأسيسه رغم مرور عدة أنظمة توالت على حكم العراق سواء النظام الملكي الذي تأسس الجيش في عهده أو النظام الجمهوري، لكن بعد مجيء الاحتلال الأمريكي عام ٢٠٠٣ بدأ المحتل بالعمل على تغيير عقيدة الجيش من خلال عدة قرارات اتخذها، أهمها قرار حل الجيش العراقي الذي أصدره ما يسمى “الحاكم المدني” بول بريمر رقم ٢ في ٢٣ مايو ٢٠٠٣ الذي نص على حل الجيش العراقي وجميع الهياكل العسكرية والأمنية.
يعتبر هذا القرار هو أسوء قرار اتخذته الولايات المتحدة والأشد ضررا على العراق وعلى المؤسسة العسكرية العراقية، والولايات المتحدة تدرك – بكل تأكيد – بأن وجود جيش عراقي وطني ومهني سيمثل خطراً على مشروعها في المنطقة وخطراً على حلفائها التقليديين مثل إيران وإسرائيل.
بعد هذا القرار بدأت المرحلة الثانية من تفتيت الجيش العراقي الوطني وهي بناء جيش جديد على أسس طائفية ومحاصصة حزبية بعيدا عن العقيدة العسكرية التي تتبناها الجيوش الوطنية، وذلك ليكون الجيش الجديد جيشا ضعيفا تتقاذفه الأهواء الحزبية وتتحكم به عناصر غير كفؤة ولا مهنية.
ومن بين الأسباب التي دعت الولايات المتحدة لاتخاذ قرار حل الجيش العراقي:
أولاً: إضعاف العراق وبسط هيمنتها عليه وعلى المنطقة العربية، سيما أن الجيش العراقي كان قد شارك في عدة حروب دفاعاً عن العرب مثل فلسطين وسوريا.
ثانيا: إن تدمير الجيش العراقي وتغيير عقيدته القتالية يصب في خدمة “إسرائيل” التي تعتبر هذا الجيش يهدد وجودها على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ثالثا: التخادم الأمريكي والإيراني على العراق الذي اقتضت مصلحتهم بحل الجيش وتغيير عقيدته القتالية خدمة للمشروع الإيراني الذي يسعى للسيطرة على العراق والمنطقة، وفعلا منذ أن سيطرت إيران على العراق استطاعت أن تتمدد في المنطقة العربية مسيطرة على عدة عواصم عربية من ضمنها صنعاء.

أهم الوسائل التي اعتمدتها الولايات المتحدة وإيران في تغيير عقيدة الجيش العراقي:
١- العملية السياسية التي تأسست على المحاصصة الطائفية والحزبية بحيث شملت المؤسسة العسكرية.
٢- أوعزت إيران إلى حلفائها بتشكيل مليشيات مسلحة إضافة للمليشيات التي كانت موجودة على أراضيها قبل الاحتلال، وقد تشكلت عشرات المليشيات الطائفية مثل ” العصائب، وحزب الله، وجند الإمام وغيرها من المليشيات ” وكلها على حساب الجيش العراقي وعموم القوات المسلحة، وقد أصبحت هذه المليشيات صاحبة سطوة على القرار الأمني والعسكري ولها نفوذ سياسي سواء في البرلمان أو في الحكومة، كما لها مكاتب اقتصادية وشركات تجارية، وبهذا تمكنت المليشيات من السيطرة على القرار العراقي وعلى المؤسسة العسكرية لتصبح هي الأقوى من ناحية التسليح والتجهيز والتدريب إضافة للنفوذ السياسي والاقتصادي.
٣- إلغاء التجنيد الإلزامي الذي يشمل كافة العراقيين وبجميع مكوناتهم العرقية والمذهبية.
٤- غياب مؤسسات التوجيه المعنوي داخل الجيش الطائفي الحالي، بينما كان في كل وحدة عسكرية ضابط خاص بالتوجيه المعنوي يلقي المحاضرات على الجنود لترسيخ العقيدة العسكرية في نفوسهم، أما الآن استبدل هذا التوجيه بالتوجيه الطائفي وترسيخ العقيدة الطائفية لدى أبناء المؤسسة العسكرية كما نشاهده اليوم من أداء القسم أمام الأضرحة وداخل المزارات الدينية.

العقيدة العسكرية للجيش العراقي الوطني:
امتاز الجيش العراقي الوطني في عقيدته بارتكازه على بعدين أساسيين هما البعد الوطني والبعد القومي لأن السياسة العراقية كانت تعتبر العرب أمة واحدة يجب توحيدها والدفاع عن أي بلد عربي يتعرض لأي اعتداء خارجي، فالعقيدة العسكرية هي المذهب العسكري الذي تتخذه الدولة لبناء جيشها وتأسيس كل مجالاتها العسكرية، وهي مجموع المبادئ والقيم التي تحكم أداء الجيش وتروم صيانة المصالح العامة للدولة، والعقيدة العسكرية كي تصبح تسميتها عقيدة يجب أن تكون مشروعا متكاملا يبدأ من أعلى سلطة في الدولة حتى يصل للجندي في الميدان.
وهذا الذي كان عليه الجيش العراقي سابقا من فكر وعقيدة واستراتيجية عمل؛ الجميع كان يدرك بأن الصهاينة عدو محتل لفلسطين، وإيران عدو يهدد العراق والعرب من الجهة الشرقية، هذا المفهوم الذي ترسخ لدى الجيش العراقي على مستوى القيادة والضباط والجنود ولم يحصل أي خلل في هذا الفهم العقائدي.
أما اليوم فإن الجيش العراقي يعاني من تلاشي عقيدته العسكرية سواء على المستوى القومي أو الوطني، كما يعاني من غياب الرؤيا والأهداف الاستراتيجية التي يتبناها، فمثلا من كان عدوا بالأمس أصبح اليوم صديقا، بمعنى لا يعرف الجيش العراقي من هو عدوه الاستراتيجي؟ وما هو المشروع الوطني الذي يجب حمايته؟ وما هو الموقف من العدو الصهيوني؟ وما هو المنهج التعبوي الذي يتبناه لرفع معنويات الجنود وتحديد الهدف لهم؟.
لقد أصبح قادة الجيش العراقي الوطني بعد الاحتلال إما معتقلين في السجون، أو مهاجرين إلى دول أخرى خوفا على حياتهم من الاستهداف، ومن بقي منهم فمغلوب على أمره تتحكم به المليشيات ولا يستطيع أن يغير من هذا الواقع شيئا، لأن سطوة المليشيات على الجميع بما فيهم القائد العام للقوات المسلحة الذي كثيرا ما تعمدت هذه المليشيات إهانة صاحب هذا المنصب وما دونه من الرتب العسكرية لكسر هيبة الجيش في نفوس الشعب الذي يكن المحبة والاحترام والتقدير للقوات المسلحة.

مقال خاص براسام