نظير الكندوري
على عكس ما كان يتوقع عدد من المراقبين وأنا منهم، قام بوتين بتوجيه جيشه غربًا ليغزو جارته أوكرانيا، بعد يومين من اعترافه باستقلال الإقليمين الأوكرانيين الانفصالين “دونيتسك” و”لوغانسك” كدول مستقلة. ويعود سبب عدم ترجيح كثير من المراقبين لغزوٍ روسي لأوكرانيا إلى كون هكذا غزو سيدخل روسيا في مأزق كبير لن يكون أقل تأثيرًا على روسيا من مأزق الاتحاد السوفيتي الذي دخل فيه ليونيد برجينيف في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، والذي كان أحد أهم أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكيكيه لاحقًا في تسعينيات القرن الماضي.
فيا ترى كيف لروسيا الحالية أن تصمد أمام متطلبات غزو دولة أوربية مثل أوكرانيا، لها مقومات قوية تجعلها تقود حربًا تحريرية حتى بعد سقوط نظامها، ربما تستمر لسنوات عديدة تستنزف بها الجيش الروسي؟ لاسيما وأن روسيا الحالية ليست بقوة الاتحاد السوفيتي السابق، ودول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة ستستغل الفرصة وتعيد تكرار السيناريو الأفغاني، لكن هذه المرة في أوكرانيا، وستمول حربًا استنزافية ضد روسيا، ليس في أوكرانيا فقط، وإنما في أماكن عديدة من دول العالم.
تداعيات الغزو الروسي عالميًا وإقليميًا
أما وقد ركب بوتين غمار هذه ا لمغامرة، فمن المتوقع أنها لن تنتهي حتى يتم اسقاط نظام فولوديمير زيلينسكي المعادي لروسيا واستبداله بنظام موالي لها. وإزاء هذا التطور المتوقع، فإن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لا تمتلك الكثير لردع بوتين أو إجباره على وقف غزوه لأوكرانيا، أو الدفاع عن النظام الديمقراطي الأوكراني الذي جاء عقب ثورة شعبية ضد النظام السابق الموالي لروسيا، ولا تمتلك سوى العقوبات الاقتصادية حتى تضغط بها على روسيا، لكن روسيا من ناحيتها، قد خَبِرتْ العقوبات الغربية جيدًا في السنوات السابقة وقادرة على التعامل معها. فالعقوبات لم تنجح في ثني دولة بالعالم عن سياستها، بدليل عقوبات أمريكا ضد كوبا وضد كوريا الشمالية وضد إيران وضد العراق، جميعها لم ثن تلك الأنظمة عما تريد فعله. وقد عملت روسيا على اتخاذ إجراءات عديدة تُمكّنها التخلص من تداعيات العقوبات الغربية، من جانب آخر فإن أوروبا لا يمكنها أن تذهب بعيدًا في عقوباتها على روسيا وهي الأسيرة للغاز الروسي التي تستهلك منه 60% من احتياجاتها للغاز، وإمكانية تعويضه من دول أخرى ليست بالأمر السهل، وهذا ما يراهن عليه بوتين في صراعه مع الغرب وبالذات مع دول أوروبا. وعلى هذا فإن الغرب بقيادة الولايات المتحدة سيبحثون بشكل جدي عن وسائل أخرى للضغط على روسيا وتحويل أوكرانيا إلى فخ لبوتين، تكون سببًا في دمار بلاده، وذلك من خلال إدامة الحرب الاستنزافية فيها ودعم المقاومين الأوكرانيين ليستمروا في حرب مقاومة طويلة المدى، ومن المتوقع أن لا تكتفي واشنطن وباقي دول أوروبا بذلك، بل من المرجح أن تفتح على روسيا جبهات أخرى كانت خاملة، مثل الجبهة الشيشانية وباقي دول القوقاز. وفي هذا الصدد يتبادر السؤال، هل يا ترى سيدعم الغرب فتح جبهة عسكرية على روسيا في سوريا؟ من خلال دعم المعارضة المسلحة السورية للقتال ضد الجيش الروسي وضد النظام السوري المدعوم من قبل روسيا؟ لا نتوقع ذلك لأن روسيا لديها اتفاقات أمنية مع الكيان الصهيوني، والأخير لا يرضى باستبدال نظام الأسد بنظام وطني يكون مقربًا من تركيا.
من المستفيد من غزو روسيا لأوكرانيا؟
بغض النظر عن مكاسب روسيا المزعومة من غزوها لأوكرانيا، من سيكون المستفيد من تداعيات هذا الغزو واستغلال حالة الاضطراب التي ستحصل في العالم من جرائه؟ دوليًا، فإن من المتوقع أن الصين سوف تتنفس الصعداء حينما ترى الولايات المتحدة وحليفاتها من الدول الغربية مُنشغلة مع الروس، وستتراجع أهمية الصين باعتبارها المهدد الأول لأمن الولايات المتحدة وباقي الدول الغربية، ما سيمنح الصين مزيدًا من الوقت لبناء دولتها ودعم ترسانتها العسكرية، للوقوف بوجه التهديدات الغربية. وربَّ قائلٍ يقول، لماذا لا تستغل الصين فرصة انشغال الولايات المتحدة في الأزمة الأوكرانية، وتقوم بمهاجمة تايوان وضمها إلى بلادها؟ من الواضح لدينا، أن الصين لن تقدم على هذا السيناريو في الوقت الحاضر، لأن ذلك يعني توسعة الحرب بشكل مشابه لاندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث سيوفر التصرف الصيني الفرصة لكثير من الدول لفعل ذات الشيء في مناطق متفرقة من العالم، فمن الممكن أن يرد الغرب على الصين بمهاجمة كوريا الشمالية الحليفة للصين، وستتشجع تركيا لشن هجوم لاسترجاع جزرها من اليونان، وستهجم اليابان لاسترجاع جزرها التي تستولي عليها روسيا، ولن تنتهي سلسلة إعادة رسم خرائط العالم، إلا بحرب عالمية ثالثة، وهو أمر لا تريده الصين ولا باقي الدول الكبرى.
أما فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، فإن دولها لا تتمتع بالحكمة السياسية ولا المسؤولية الدولية التي تجعلها تتصرف بمسؤولية إزاء القضايا الدولية، ونقصد بذلك النظام الإيراني. حيث بات واضحًا أنه بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ستتراجع مسألة مفاوضات جنيف الخاصة بالملف النووي الإيراني عند الولايات المتحدة نظرًا لانشغالها بالأزمة الأوكرانية، وبالتالي فإن إيران ستجد نفسها متحررة من الضغط الأمريكي والأوربي في هذا المجال، ومن الممكن أن يشجعها ذلك، للدخول في مغامرة عسكرية في العراق أو البحرين، فتغيّر أنظمتها الحاكمة لتكون موالية لها بشكل كامل، وربما في وقت لاحق تُعلن إلحاقها بدولتها كما تفعل روسيا في المناطق التي تستولي عليها، لا سيما وان لإيران أتباعًا تستطيع استخدامهم لتسهيل تدخلها العسكري، كما تفعل روسيا الان في أوكرانيا مستفيدة من مواليها الانفصاليين في شرق اوكرانيا. وما يشجع إيران على ارتكاب مثل هذه المغامرة، هو خوفها من فقدان نفوذها بشكل كامل في العراق، نتيجة لخسارة أتباعها في الانتخابات العراقية الأخيرة، وبالتالي فإن الفرصة ربما تكون مواتية من وجهة النظر الإيرانية لتتدخل في العراق وفرض التغيير المناسب لها فيه، خاصة إذا كان رد الفعل الغربي على غزو روسيا غير فاعل، ونجحت روسيا في بسط نفوذها في أوكرانيا.
قبل أيام غازل الإعلام الروسي إيران، وبيَّن لها فوائد انضمامها لمنظمة الأمن الجماعي بقيادة روسيا، مما يجعلها تحت حماية المضلة النووية الروسية، ويمكنها من التصدي للتهديدات الغربية، وستحصل إيران على مكاسب إقليمية كبيرة أخرى في بحر قزوين، وستضمن روسيا لإيران بناء قواعد عسكرية لها دائمة في سوريا، وتمكينها من مد نفوذها بباقي الدول العربية، كل هذه الأمور ستجعل إيران تشعر بالثقة بقدراتها وأنها قادرة على القيام بأي مغامرة تلقى ضوءً أخضر من روسيا.
دروس وعبر من التجربة الأوكرانية
التجربة الأوكرانية من التجارب الجديرة بالدراسة، لاسيما من قبل شعوب منطقتنا العربية، واستخلاص درس بليغ منها مفاده أن الدولة التي تعتمد على غيرها في حفظ أمنها، سيفقدها ذلك الأمن ويفقدها السيادة بكل بساطة، أوكرانيا كانت ولحد بداية التسعينات من القرن الماضي، جزءً من الاتحاد السوفيتي قبل أن يتفكك وتنال استقلالها، وورثت ترسانة نووية كبيرة، بالإضافة إلى أسطول الاتحاد السوفيتي البحري برمته، لكنها تلقت ضغوطًا غربية وأمريكية، للتخلص من الأسلحة النووية والأسطول البحري لصالح روسيا، مقابل وعود بحمايتها ودعمها عسكريًا واقتصاديًا.
لكن الذي حصل، أن الغرب لم يف بوعوده فاضطرت الحكومة الأوكرانية، العودة للحضن الروسي لتفقد سيادتها لصالح روسيا، ما جعل شعب اوكرانيا يثور بثورة برتقالية اسقطت النظام وجاءت بنظام معادي لروسيا وقريب للغرب. لكن مع ذلك فإن الغرب تخلى عن أوكرانيا رغم وعوده بضمها للناتو، وتركوها وحيدة أمام الدب الروسي الذي هجم عليها بكل وحشية لضمها إليها وارجاع عقارب الساعة إلى تسعينيات القرن الماضي.
السؤال هنا، هل كانت روسيا لتتجرأ بالهجوم على أوكرانيا، لو كانت الأخيرة ما تزال تحتفظ بترسانتها النووية أو أسطولها البحري؟ بالتأكيد لا. وما أكثر العرب الذين راهنوا على دول خارجية في حماية أمن بلادهم، لم تلبث أن تخلت عنهم عندما رأت أن مصلحتها مع إيران.
كيف يمكن للعراقيين الاستفادة من الأزمة الأوكرانية؟
أما فيما يخص العراق، فإن الشعب العراقي الذي لم يهدأ يومًا وهو يقاوم النظام الذي جاء به المحتل الأمريكي الذي قدَّم العراق لإيران على طبق من ذهب، فإننا نعتقد أن من الذكاء أن يستغل الظروف الدولية لصالحه، فيحدث التغيير المطلوب لاسترجاع البلد وسيادته من هذين المحتلين، فكما نعلم إن من أهم تداعيات الغزو الروسي على أوكرانيا، هو ارتفاع أسعار النفط لأرقام قياسية، وإذا ما قام الشعب العراقي بتنظيم عصيان مدني يشل فيه الحركة داخل البلد، ويعطل تصدير النفط للعالم، فإن أسعار النفط سوف تزيد وتصل لأرقام فلكية، تجعل جميع دول العالم تلتفت إلى ما يحدث في العراق، فيكون الشعب قد أدى مهمتين في غاية الأهمية وهو في طريق تحرره، الأولى، تتمثل بخلق أزمة مالية يعاني منها النظام بسبب قطع الموارد النفطية عن التصدير، لاسيما وأن أكثر من 95% من ميزانية العراق تعتمد على تصدير النفط، والثانية، ستجعل دول العالم الفاعلة تفعل المستحيل لإيجاد حل تُرجع فيه تدفق النفط العراقي للعالم، خاصة في ظل هذه الأزمة، ومن بين هذه الحلول، المساهمة بإحداث تغيير سياسي داخل العراق يرضي الشعب العراقي، ذلك لأن دول العالم وخاصة الدولة المستهلكة للنفط، لن تلتفت لمعاناة العراق إلا إذا شعرت أن مصالحها مهددة بشكل جدي.
مقال خاص براسام

