شاهو القره داغي
شهد اقليم كردستان العراق تطوراً اقتصادياً ونمواً ملحوظاً خلال السنوات 2005 الى 2013، حيث كان الاقليم يستلم 17٪ من الموازنة الاتحادية ، بالإضافة الى فتح الابواب امام الشركات الاجنبية وصياغة قوانين وتعليمات تشجع الاستثمار الخارجي، مع تفعيل المجال السياحي وتوفير بيئة آمنة لاستقبال رؤوس الاموال من باقي المحافظات العراقية حيث كان الاقليم يتميز بدرجة اعلى من الامن والاستقرار.
ولكن لم يدم هذا الامر طويلاً حيث تسببت الخلافات السياسية بين اربيل و بغداد في ايقاف عجلة تطور الاقليم ، عندما دخل الاقليم في ازمة مالية كبيرة كادت ان تؤدي بانهياره ، نتيجة لقرار رئيس الوزراء العراقي الاسبق “نوري المالكي” بقطع حصة الاقليم من الموازنة الاتحادية عام 2014 نتيجة للخلافات المستمرة حول ملف النفط الذي بقي عالقاً حتى يومنا هذا.
وبالتزامن مع هذه التطورات دخل الاقليم في الحرب على تنظيم داعش، حيث وجد الاكراد انفسهم في تماس مباشر مع التنظيم بعد دخول التنظيم الى المناطق القريبة من الاقليم، وهذا الصراع تسبب في استنزاف الاقليم ودفعت الحكومة للتركيز على الجانب الأمني على حساب المجالات الأخرى .
ونتيجة لدخول تنظيم داعش للعديد من المدن العراقية نزح الالاف من المواطنين الى اقليم كردستان ، وكانت حكومة الاقليم تتحمل مسؤولية دعم النازحين وتحاول توفير الخدمات اللازمة لهم عن طريق المنظمات الدولية بعدما رفضت الحكومة العراقية تقديم المساعدة للنازحين الموجودين في الاقليم.
هذه العوامل دفعت حكومة الاقليم لإعلان اجراءات تقشفية قاسية منها قرار ادخار رواتب الموظفين واستقطاع جزء من الرواتب مما تسبب في حدوث ركود كبير في الاسواق وجمود للحركة والتجارة.
تفاءل الاكراد بقدوم حيدر العبادي خلفاً للمالكي ، للوصول الى تفاهمات واتفاقيات من شأنه تحسين الظروف الاقتصادية والخروج من الازمة المالية، ولكن صعوبة التفاهم مع العبادي دفع رئيس الاقليم السابق مسعود البارزاني الى اجراء الاستفتاء في 25 سبتمبر 2017 ، ولكن النتائج جاءت عكسية وتسببت في تدهور اقتصادي اكبر، حيث قررت الحكومة العراقية معاقبة الاقليم واغلاق المجال الجوي واستعادة السيطرة على كركوك والمناطق المتنازع عليها وبالتالي خسارة الاكراد لنفط كركوك.
بالإضافة إلى هذه العوامل الخارجية ، فإن الفساد المستشري داخل الدوائر الحكومية في الإقليم وغياب آلية فعالة لمعاقبة الفاسدين و اقتصار مكافحة الفساد على الوعود الحكومية و الشعارات الحزبية خلال السنوات الماضية ساهمت في ظهور المشاكل الاقتصادية و استمرارها حتى الآن.
ونتيجة لهذه العوامل الخارجية و الداخلية وصلت مديونية حكومة اقليم كردستان الى ما يقارب (24) مليار دولار ، (8) مليار و 900 مليون منها مديونة للموظفين التي تراكمت نتيجة قرار ادخار رواتب الموظفين، ومنها ديون تعود لشركات النفط وبعض الشركات الاخرى.
يعتبر الاكراد ان عادل عبد المهدي حليفاً لهم وقد ساهموا في وصوله إلى منصب رئاسة الوزراء بحكم العلاقات الايجابية بين قيادة الإقليم وعادل عبد المهدي ، وقد اجرى رئيس الحزب الديمقراطي مسعود البارزاني اول زيارة الى بغداد بعد الاستفتاء في اواخر عام 2018 ، ونجح في وضع أساس للتفاهم حول ملف النفط وحصة الاقليم في الموازنة بين اربيل وبغداد وفتح صفحة جديدة مع بغداد واتفق مع عبد المهدي على معالجة المشاكل بين الطرفين، ونتيجة لهذه الزيارة تم تثبيت فترة ج في موازنة عام 2019 ، حيث الحكومة الاتحادية “تلتزم بدفع مستحقات اقليم كردستان بما فيها تعويضات موظفي الاقليم ويستقطع مبلغ الضرر من حصة الاقليم في حالة عدم تسليمه للحصة المقررة من النفط في البند أ” (250 ألف برميل)، والمادة، بصيغتها الحالية، تضمن استمرار دفع مستحقات الإقليم، وتُبقي له الخيار في أن يدفع قيمة 250 ألف برميل يومياً لبغداد، ويتسلم ثمنها، أو أن يمتنع إذا شاء، فيتسلم ما تبقى من موازنته.
وقد نجح ممثلي الاقليم عن طريق تثبيت هذه الفقرة في ضمان رواتب موظفي الاقليم لمدة عام كامل حتى لو لم يلتزم أربيل بتسليم النفط الى بغداد.
وبالتالي وبحسب موازنة 2019 فإن بغداد تدفع شهريا مبلغ 454 مليار دينار للإقليم وهذا رواتب الموظفين فقط وليس حصة الاقليم من الموازنة، وقد أكد رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي استمرار الحكومة الاتحادية في دفع الرواتب للموظفين في إقليم كردستان العراق رغم أن حكومة الإقليم لم تسلم أي برميل نفط للحكومة .
هذه الخطوات الإيجابية من قبل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ساهم في تحسن الوضع الاقتصادي في الإقليم ، ولكن على الرغم من ذلك فإن هناك مخاوف كثيرة من دخول الإقليم في ازمة مالية جديدة مع اقتراب العام الجديد في ظل اشتراط أربيل على بغداد دفع ديون الإقليم مقابل تسليم النفط إلى بغداد، بينما الحكومة العراقية تعاني من ديون خارجية تُقدر بـ (124) مليار دولار وهناك ضغوطات كبيرة على رئيس الوزراء من قبل الأطراف السياسية العراقية لقطع حصة الإقليم من الموازنة .
الاتفاق بين أربيل و بغداد يستند على العلاقات الشخصية وليس المؤسساتية ، وأي تغيير في بغداد سيؤثر على هذه الاتفاقيات، وفي حال عدم وصول الجانبان لتفاهم مشترك فإن على الإقليم تصدير نفطه بشكل مستقل وحينها يتكون ميزانية الإقليم من أموال النفط و الإيرادات الداخلية و الحدود بالإضافة للمساعدات الدولية وفي هذا الحال يصبح الإقليم عاجزاً عن توفير احتياجاته بسبب زيادة الانفاق ونقص الإيرادات مما سيؤدي الى مشاكل وازمات اقتصادية ومالية جديدة في المستقبل.

