أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
أدى مقتل الوسيط الدولي (الكونت برنادوت) إلى عقد جلسة خاصة لمناقشة موضوع قتله، تحدث الدكتور عبد الجبار الجومرد (ممثل العراق) في هذه الجلسة مؤكداً أن مقتله كان بأيدٍ صهيونية، ومضيفا أن هذا الاغتيال ليس جريمة عادية بل هي جريمة سياسية، وقد أسهب في الحديث عن الموضوع من الوجهة القانونية ومؤكدا أن المجرمين – حسب المعلومات المختلفة التي حصل عليها – ينتمون لجماعات صهيونية منظمة، وأن هذا الاغتيال قد جرى عن عمد وسبق إصرار، وطالب في ختام حديثه الأمم المتحدة بأن تقوم بالتحقيق حفاظاً على كرامتها وانزال القصاص العادل بالمجرمين الذين أصابوها مباشرة في شخص ممثلها وعدم السماح لهذه “الحكومة الصهيونية المزعومة” بتهريب هؤلاء القتلة وتخليصهم من القصاص العادل. ويذكر (الجومرد) في مذكراته الشخصية الغير منشورة ص 227، كلمته هذه وردود فعلها لدى الصهاينة بقوله: كان (شرتوك) وزير خارجية (إسرائيل) حاضراً بالقرب مني، فكانت كلمتي ثقيلة عليه وصار ينظر إلي بعين حاقدة.
وكان الوفد العراقي من أكثر الوفود العربية نشاطاً في مضمار الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية لا سيما وأن للدكتور عبد الجبار الجومرد سعة اطلاع وإلمام بهذه القضية لعمله سنوات عدة رئيساً لجمعية الدفاع عن فلسطين في باريس، وقد أدى خلال وجوده في باريس ضمن الوفد العراقي دوراً مهماً في التحرك الإعلامي والدعاية للقضية الفلسطينية، واستطاع التعاون بهذا المجال مع يونس بحري الذي كان يصدر وقتئذٍ جريدة (العرب) باللغتين العربية والفرنسية في باريس وبهذا دأب الجومرد على نشر مقالات بهذا الخصوص في القسم الفرنسي منها، كان يرأسها (الصحفي يونس بحري) وكان يوزع بنفسه الجريدة عند صدورها مجاناً على أعضاء الوفود المشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة.
ومن المفيد الإشارة إلى أن الجومرد في مقالاته تلك وصف (إسرائيل) بأنها “شركة رأسمالية أمريكية”.
وحول الموضوع نفسه نشر (الجومرد) مقالاً في جريدة (ليبوك L’ Epoque) الفرنسية في عددها الصادر في 12 تشرين الثاني 1948 (حول مستقبل فلسطين) أكد فيه أن مستقبل القضية الفلسطينية في جانب العرب سواءً كان عسكرياً أو سياسياً وقارن بين محاولة اليهود للظهور بمظهر القوة، على حين ما تزال القوى العربية بعد في تحفزها وتنظيمها، مركّزا على أن للعرب دولاً وبلاداً خصبة تدر عليهم المال، وهم قادرون على التجنيد العام وسوق القوى الجبارة لإنقاذ فلسطين، واختتم مقالته بالتأكيد على عروبة فلسطين على الرغم مما يقوم به الصهاينة من أفعال وقال: “إن عمل الصهيونيين على خرق شروط الهدنة لا يثبت حقاً لليهود في أراضي فلسطين العربية، التي ستبقى عربية كما كانت رغم مساعدة بعض الدول للصهيونيين بالسلام والمستقبل للعرب لا للصهيونيين في فلسطين…”.
وفي الوقت نفسه قام (الجومرد) خلال وجوده في باريس بزيارة (نادي شمال أفريقيا) فوجد كمية لا بأس بها من نسخ كتابه (مأساة فلسطين العربية) الذي ألّفه عام 1944 في باريس عندما كان طالباً للدكتوراه في جامعة السوربون باللغة الفرنسية، فشرع بتوزيعها على أعضاء الوفود المشاركة في اجتماع هيئة الأمم المتحدة، وقد ساعد الوفد العراقي في التوزيع كل من (محيي الدين الفصولي) وزير لبنان المفوض و(حبيب جاماتي) الكاتب المصري وكان من لجنة الدعاية ضمن وفد الجامعة العربية.
وعلى ما يبدو أحدث هذا الكتاب ردود فعل متباينة ولاسيما في الصحافة الفرنسية، فأقدمت الصحف المناصرة للحق العربي في فلسطين ومنها (جريدة ليبوك) و(جريدة العرب) على تقديم عرض للكتاب وأخذ الاقتباسات المهمة منه، وعلى إثر ذلك قامت الصحف الصهيونية في باريس بشن حملة شعواء على (الجومرد) متهمة إياه بالتطرف وإثارة الناس ضد اليهود، فقد وصفته جريدة (لاريبوست Lariposte) بعددها الصادر في 14 تشرين الأول 1948 بأنه (نازي متطرف) مقابل من أسمتهم بـ (اليهود الديمقراطيين) وأضافت أنه يسعى إلى خلق جو ملؤه القلق حول قضية فلسطين.
أما جريدة (لؤرجو دايبكLartjoda’que ) الصادرة في 16 تشرين الأول، فقالت: إن “شخصية الدكتور الجومرد غير معروفة لدينا ولكن آراءه تدل على أنه رجل غير مرغوب فيه، وأن مقدمة كتابه هذا تدل على مقدار تحامله على الحركة الصهيونية التي أسمتها بـ “المسالمة”، وهو ينعتها بأنها استعمار صهيوني لفلسطين مدعوم ببعض أصحاب رؤوس الأموال من اليهود في إنكلترا وأمريكا.
انبرت (جريدة العرب) بالرد باللغة الفرنسية بعددها الصادر في 26 تشرين الثاني 1948 على الحملة الصهيونية المغرضة هذه ضد الجومرد ومواقفه الصلبة إزاء القضية الفلسطينية بقولها: “كنا نعتقد بأن الصحف الصهيونية سترد على ما نشر في كتاب الدكتور عبد الجبار الجومرد، بنفس اللغة المؤدبة ولكنها ردت عليه بلهجة وسخة مما يدل على أن كلام الصهيونيين يشبه أعمالهم في فلسطين من حيث الوحشية والقذارة”.
ومن الجدير بالذكر توجيه الاتهامات لمن يتصدى لهم التي يسعى الصهاينة إلى إعمامها في أي مكان لهم نفوذ فيه على كل من يتصدى نشاطاتهم ويكشف أساليبهم الخبيثة في التوسع على حساب الحقوق العربية في فلسطين فضلاً عن ذلك أدلى (الجومرد) بتصريحين صحفيين كان الأول لمراسل (جريدة الأهرام) القاهرية في باريس، أشار فيه إلى أن قضية فلسطين والقضايا العربية الأخرى لا تحل إلا في فلسطين وفي الأقطار العربية الأخرى “على أن يكون الحل بالمدفع والطيارة، وأن تكون الدول العربية متحدة في القضية، وموحدة بالهدف والغاية”. كما وجهت له صحفية عربية سؤالاً عن أمل الوفود العربية في مناقشة قضية فلسطين فأجاب مبيناً “أن منطق السياسة أن تأخذ حقك من المغتصب بالقوة، ثم تأتي هنا لتسجيل هذا الحق”، وأضاف “إن منطق الحكم في هيئة الأمم المتحدة يستند على المنافع الخاصة بكل دولة وعلى التأثيرات السياسية والاقتصادية”، كما أكد أن قضية فلسطين لا تحل إلا بالقوة، على أن يكون وراء القوة اتحاد الدول العربية وتنظيم جدي وراء خطوط القتال، واختتم حديثه الصحفي هذا مؤكداً أن الأمل في حل قضية فلسطين المعروضة اليوم في هيئة الأمم المتحدة ليس إلا أملاً ضعيفاً، غير أن معظم النجاح يتوقف على تكاتف العرب وعلى قوتهم في القتال في أراضي فلسطين، وتظافر جهودهم إزاء هذه القضية.
وفي الخامس والعشرين من تشرين الثاني 1948 عقدت الأمم المتحدة جلسة عرضت فيها القضية الفلسطينية، تحدث عدد من الخطباء لمناقشة قضية فلسطين، وعندما حان دور الوفد العراقي اعتلى الدكتور عبد الجبار الجومرد (ممثل العراق) وكان قد هيأ خطاباً باسم العراق، وقد ذكر الجومرد في مذكراته ص 238 أن مضمون خطابه دوّن على أربع وعشرين ورقة فلسكاب من الحجم الكبير، وابتدأ خطابه الذي استغرق أكثر من ساعة بالحديث عن تاريخ فلسطين حتى مجيء اليهود الصهاينة فيها، وأثبت في حديثه بالأدلة التاريخية أنها عربية قبل مجيئهم وفي أثناء بقائهم فيها وبعد خروجهم منها، وأضاف مناشداً الدول الأعضاء في الهيئة بأن القضية الفلسطينية هي امتحان من أصعب وأخطر ما مرَّ على هيئة الأمم المتحدة، فإذا خرجت هيئة الأمم من هذه القضية بـ “توفيق عادل”، فيدل ذلك على قدرة هذه المؤسسة في خدمة العدل والسلام، كما بيّن أن القضية الفلسطينية خطيرة جداً ولكنها لو درست في حد ذاتها مجردة عن كل ما يحاول الصهيونيون من تعكير الجو حولها لظهرت للعالم بسيطة واضحة، ولو أصغى العالم إلى براهين سكّان فلسطين الأصليين المقيمين فيها منذ آلاف السنين لتعجب من بساطة الموضوع وأضاف أن الصهيونيين وهم أشتات من مختلف العناصر والشعوب والبلاد ولدوا وعاشوا منذ أجيال بعيدة في أنحاء العالم وزواياه يملكون وسائط منظمة للدعاية، وساعدهم اليهود من أبناء دينهم ممن لهم نفوذ على الكثير من الدول والحكومات وثروة واسعة في بنوك العالم، وكل هذه العوامل ساعدتهم على توجيه الرأي العام العالمي لصالحهم، في حين لم يملك الشعب الفلسطيني أية وسيلة من هذه الوسائل للدفاع عن حقه وإسماع العالم كلمته، ثم أوضح أن تقرير (الكونت برنادوت) كان غير موفق لإيجاد مخرج عادل للقضية، وفضلاً عن ذلك فقد تحدّث (الجومرد) بعدئذٍ عن الوجهة التاريخية التي تؤكد عروبة فلسطين، وبيّن اجماع الكتب السماوية والمؤرخين والاكتشافات الحديثة، على أن اليهود الأوائل جاءوا إلى فلسطين وكان فيها شعب -العرب الكنعانيين- فعاشوا جانب هذا الشعب ثم رحلوا ثم عادوا ثم طردوا قبل ألفي عام فتفرقوا في أنحاء العالم واندمجوا بالشعوب التي عاشوا معها، كل ذلك يدل على أن اليهود ليس هم أصحاب البلاد، وأن أهلها العرب الأصليين ما يزالون فيها، وهكذا لا يثبت التاريخ لليهود حقاً في فلسطين، كما أشار الجومرد في خطابه إلى أن اليهود يتذرعون أحياناً باسم الإنسانية لاحتلال فلسطين، وبأنهم كانوا مضطهدين وأن الإنسانية تقضي بإيوائهم فلسطين وتشكيل دولة لهم، ومن المحزن أن يوجد هنا في الجمعية العمومية من يؤيدهم، وتساؤل (الجومرد) بهذا الصدد: هل يجوز أن نأخذ دم إنسان سليم فنقتله بفقر دم لنداوي مريضاً أصيب بالنزيف، وهل تقضي الإنسانية بأن نرفع الظلم من قوم بإنزال ظلم جديد على غيرهم، كما بيّن أنه على الرغم من كل البراهين والحجج الواسعة في الدفاع عن حق سكّان عرب فلسطين في البقاء في أراضيهم وبلادهم وبالتمتع بالحرية والاستقلال، نرى غيوم الصهيونية ما تزال متلبدة ناجحة في تضليل الرأي العام العالمي، وأضاف أن الصهاينة استفادوا من دعم ومؤازرة بريطانيا ودول أخرى، ثم خاطب الحاضرين قائلاً: “هناك سبع دول تحتوي على أربعين مليوناً ملتفين حول فلسطين يعدونها جزءاً لا يتجزأ من بلادهم، … وأن أربعين ملويناً من العرب يشعرون بأن إقامة حكومة صهيونية داخل أراضيهم هو تهديد خطير موجه ضد مصائرهم…”، بل أكد أن خلق “دولة صهيونية” في قلب البلاد العربية أشبه بدملة خطيرة في جسم سليم يشكل خطراً وخللاً للتوازن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في هذه البقعة الحساسة من العالم.
واختتم خطابه بالقول: “إن تشكيل هذه الدولة في فلسطين لا يحل المشكلة وإنما يزيد النار حطباً وأن مشروع التقسيم سيفتح عهداً مليئاً بالويلات والكوارث والدم، وعهداً لا يعرف أي تكون نهايته…” وخاطب المؤتمرين قائلاً: “إذا كان هذا ما ستقبلون به فإنكم ستضيفون صحيفة سوداء على تاريخ الإنسانية”.
ومن المفيد بالإشارة إلى أن خطاب الجومرد لاقى تأييداً واسعاً من رؤساء الوفود العربية، كما أذاع راديو مصر جزءاً منه، ونشرته صحف مصر وسوريا ولبنان والعراق كما أرسلت المفوضية العراقية في باريس نص الخطاب إلى الإذاعة العراقية.
واستمرت جلسات (اللجنة السياسية) وعرضت الحلول المقترحة للقضية الفلسطينية ومناقشتها، فتحدث الجومرد (ممثل العراق في اللجنة) في احدى الجلسات قائلاً: “لقد أصغينا كثيراً إلى الخطباء وكنا نود أن تساق القضية الفلسطينية على بساط العدل والحكمة، ولكن بعض الأعضاء يأبون إلا أن يأخذوا القضية بنظر الأمر الواقع وذلك لأنهم لا يملكون حيلة في دحض براهين العرب ومنطقهم والحق الذي يساندهم في قضيتهم، إن قضية الأمر الواقع أيها السادة لا تؤدي إلى حل عادل والجور لا يدوم”.
وأضاف مبيناً سبب المجيء إلى هذا الاجتماع بقوله: “إننا هنا لنفهمكم أين يكون الحق وعلى أي ميزان من العدل تحلون القضية، فإذا استندتم إلى الأمر الواقع وقسّمتهم فلسطين فسوف لا تكونون قد عملتم شيئاً وتركتم النار التي أوقدها مشروع التقسيم تزداد شرراً وأضاف أن العرب ينظرون إلى تشكيل (دولة يهودية) في قلب بلادهم، كما ينظرون إلى السكين التي تهددهم بالذبح لذلك يقاومون التقسيم بكل قواهم ومهما كانت التضحية، واختتم حديثه قائلاً: “ليس من الممكن لأقلية من المشردين المغامرين أن تفرض شريعتها على شعب يتألف من أربعين مليون رجل وهو متأكد من حقه الثابت وواثق من مصيره وأن هؤلاء عازمون على الدفاع حتى النفس الأخير والنصر لابد منه وأنهم معهم.
وفي الوقت نفسه رفضت الوفود العربية الاعتراف بقرار التقسيم، كما رفضت مشروعي (برنادوت) و(الهدنة الدائمة) اللذين تقدم بهما مجلس الأمن المتفرع عن هيئة الأمم المتحدة، وفي ذات الوقت قدمت عدة مشاريع مقترحة من دول: كندا والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وسوريا، وقد حقق المقترح البريطاني الحصول على الأكثرية، على الرغم من التحرك الدبلوماسي العربي لاسيما تحرك الوفد العراقي لكسب الأصوات ضد المقترح البريطاني، إلا أن جهود الوفود العربية أصابها الإخفاق.
في الخامس عشر من كانون الأول 1948 انتهت جلسات هيئة الأمم المتحدة، وهكذا لم تتوفق الوفود العربية في مسعاها كما فشلت الجيوش العربية التي لم تحرك ساكناً حتى نهاية الحرب مع الصهاينة، وتتحمل الحكومات العربية آنذاك مسؤولية الإخفاق لأنها كما يبدو كما الآن تعيش حالة من الضعف والفوضى السياسية، كمل يلحظ ارسالها وفوداً ليست بالمستوى المطلوب الذي يجب أن تمثله في دور مهم وحيوي كالقضية الفلسطينية.
وفي الثلاثين من كانون الأول 1948 عاد الوفد إلى العراق، وصرّح الدكتور عبد الجبار الجومرد لجريدة الهدى الموصلية بعددها المرقم (125) الصادر في 2 كانون الثاني 1949، حول النتائج التي خرج بها المؤتمر جاء فيه: “أن قضية فلسطين لا تحل إلا بأرض فلسطين نفسها على أن تكون الأيادي الحاملة للسيوف متحدة ومنظمة، وإلا فالخطر على الأبواب أو تجاوز الأبواب…”.
المصادر المعتمدة:
1. أرشيف وزارة الخارجية العراقية، محاضر جلسات هيئة الأمم المتحدة، اللجنة السياسية لعام 1948.
2. عبد الجبار الجومرد، مذكراتي، مخطوط محفوظ لدى عائلته.
3. دار الكتب والوثائق، الملفة ذات الرقم 4864/311.
4. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، جزء 8، طبعة 7.
5. يوسف هيكل، فلسطين قبل وبعد، (بيروت، 1971).
6. تهويد فلسطين، تحرير إبراهيم أبو الغد، ترجمة: دكتور أسعد رزق، (بيروت، 1972).
مقال خاص براسام

