نظير الكندوري
جرَّب النظام العراقي العديد من الحيل التي كان يرجوا من خلالها اجهاض ثورة تشرين والإلتفاف على مطالبها وتجريدها من محتواها، وفشل في العديد من تلك الخطط، لكنه لم يتوان عن الإستمرار في حياكة الدسائس والخدع، ووضع العراقيل أمام الشباب التشريني حتى يردي بهم في مستنقع الفساد الذي يعيشه.
وبعد دخول التظاهرات الشعبية سنتها الثانية، وصلت أحزاب النظام العراقي ومن يتبعها من مليشيات، إلى مرحلة دق أسفين بين الشباب المتظاهر ليشق صفوفهم، من خلال تسويق خدعة جديدة يدعوا فيها الشباب المتظاهر إلى تشكيل أحزاب سياسية وخوض الإنتخابات القادمة على قدم المساواة مع أحزاب السلطة. وفي أثناء ذلك، قامت أحزاب السلطة، بإنشاء أحزاب شبابية رديفة تابعة لها، ترفع ذات الشعارات التي يرفعها المتظاهرين، للإمعان في تمزيق صف الشباب المنتفض، وتشتيت أصواتهم. أما من يصر من المتظاهرين على عدم مشاركة تلك الأحزاب في لعبتها، ويستمر في رفضه للعملية السياسية التي يعرفها الجميع فسادها، فإن آلة القمع جاهزة لهم، من مليشيات وفرق موت، لتغييب وخطف هؤلاء الشباب وتصفيتهم، لإزاحتهم من ساحة التأثير. لكن مع الأسف، استعجل بعض المخلصين من المتظاهرين وانخدعوا بأساليب السلطة المخادعة، وغامروا بتلويث اسم ثورة تشرين وسمعتها الطيبة، وتناسوا دماء شهدائها الذين ضحوا من أجل تغيير النظام لا من أجل مشاركته في فساده.
عبث سياسي لم يشهد العالم له مثيل
وبسبب هذا العبث الذي تقوم به أحزاب السلطة، فإن عدد الأحزاب والكيانات السياسية التي ستدخل الانتخابات القادمة، وصل عددها حتى الآن لما يزيد عن 400 حزب وفق ما أفادت به مفوضية الانتخابات، لتمثل ظاهرة شاذة لم تشهدها بقية بلدان العالم، وتعطي فكرة واضحة عن مدى الفوضى السياسية التي يعيشها البلد، وانهيار المنظومة الأخلاقية لأصحاب تلك الاحزاب. ذلك لأن هذه الأحزاب تبتغي من هرولتها للمشاركة في الانتخابات، الحصول على بعض المنافع المادية والنفوذ والسلطة، وليس للتنافس في خدمة المجتمع والمضي به في طريق التطور والازدهار.
وفي خضم هذه الفوضى السياسية، تعمد أحزاب السلطة المفلسة التي انفضت عنها الجماهير من وقت مبكر، على تأسيس أحزاب شبابية مرتبطة بها، لكن بمسميات تشرينية، وترفع شعارات قريبة لشعارات ثورة تشرين. وفي بعض الحالات يقوم وزراء ونواب سابقين وحاليين، بالاستقالة من أحزابهم لتشكيل أحزاب جديدة مرتبطة بأحزابهم القديمة سرا، لكنها تهاجمها علنا، حتى لا تطالهم اللعنة التي تلاحق أحزابهم القديمة. ومن تلك الاحزاب، ما قام بتأسيسه النائب محمد شياع السوداني الذي كان عضوا في حزب الدعوة، شكَّل حزبا يدعى “أبناء الفراتين”، بعد استقالته من الدعوة، فيما شكَّل محمد الحلبوسي حزبا جديدا اسماه “حزب تقدم”. وهناك حزب يحمل اسم “حركة وعي” قام بتأسيسه عمار الحكيم.
بالمقابل، شجع النظام العراقي، بعض المتظاهرين على تأسيس احزاب خاصة بهم وترك التظاهرات والحراك الاحتجاجي وخوض الانتخابات برفقة أحزاب السلطة الفاسدة، فبدأ السباق من البعض لركوب موجة تأسيس الأحزاب، مستغلين تضحيات ثوار تشرين، مدعين أنها انبثقت من رحم ثورة تشرين، ومن تلك الأحزاب، ما يسمى بـ “البيت الوطني”، وحزب “امتداد”، وحزب “25 تشرين”، وحزب “الخيمة العراقية”، وسط تشكيك شعبي ببعضها، لكنها جميعها تتخذ من ثورة تشرين كغطاء تسويقي لها.
وتقدم تلك الأحزاب نفسها، على أنها تريد نقل صوت الاحتجاجات من الشارع إلى البرلمان، وهذا ما ذهب إليه قادة حزب امتداد بقيادة علاء الركابي، الذي نفى ارتباط حزبه بأي جهة سياسية معروفة سابقا. فيما يقول القائمون على حزب “البيت الوطني”، بأن حزبهم جاء ردا على دعوات الصدر الطائفية لتأسيس البيت الشيعي، وأن حزبهم هو بيت لكل العراقيين، وهدفهم هو خلق بديل سياسي ديمقراطي.
إن من أكبر الخدع التي وقع فيها الكثير من الثوار على مر التاريخ، هو أن يتم خداعهم من قبل السلطات الفاسدة، بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع مع أحزاب السلطة. هذه الخدعة التي انطلت على الكثير من الوطنيين حول العالم دفعوا ثمنها غاليا من دمائهم أو من قيمهم الأخلاقية، ذلك لأن السلطة إذا ما شعرت بأن الكفة سترجح لهؤلاء الوطنيين في الانتخابات رغم تزويرها، فسيعمدون للاغتيالات والتصفيات الجسدية لهم. بل وقيادة الانقلابات العسكرية على التجربة الديمقراطية. أما إذا لم يستطيع الوطنيون في الحصول على الأغلبية، فسيتم فرض ممارسات عليهم تجعلهم يتخلون عن مبادئهم الوطنية والثورية التي كانوا يحملونها ويستبدلونها بمبادئ أخرى اقرب إلى مبادئ النظام الحاكم، وسيسقطون بنظر شعوبهم، ولن يعود الشعب قادرا على التفريق بينهم وبين الأحزاب القديمة الفاسدة.
ما هو رأي الناشطين في ثورة تشرين من هذه الأحزاب؟
ناشطين بارزين في تظاهرات تشرين، قالوا إن مشاركة الأحزاب الجديدة في الانتخابات القادمة، ما هي إلا عبارة عن محرقة لهم بظل تفشي السلاح المنفلت والمليشيات. فيما اعترض ناشطون أخرون على كثرة أعداد الأحزاب التشرينية بدلا من توحيد صفها في تنظيم واحد، موضحين بأن أحد الأسباب التي جعلت العراقيين يفرون من الانتخابات ويقاطعوها، هو تعدد الواجهات الحزبية التي تتناحر في غالب وقتها ولا تتوافق. وذهب آخرين، إلى أن بعض هذه الأحزاب الجديدة، هي أحزاب تتبع الأحزاب القديمة أو شخصيات فاسدة غيرت قشورها، كما هو الحال في حزب “المرحلة” الذي أسسه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بعد أن قام بشراء ذمم بعض المتظاهرين.
لكن مجموعة من ثوار تشرين، اصدروا بيانا يحمل اسم “بيان ثوار الأحرار”، بينوا فيه رفضهم لتشكيل أحزاب باسم ثورة تشرين والمشاركة بالانتخابات، لأنها تصب في إضفاء الشرعية على النظام السياسي المسؤول عن سفك دماء التشرينيين، في الوقت الذي اسقطت ثورة تشرين شرعية هذا النظام. وأضاف البيان بأن التغيير المنشود من قبل ثوار تشرين لا يكون بهذه الطريقة، وأن مشاركتهم لهذا النظام السياسي، هو مشاركة لهم في ذبح أبنائهم واستمرار معاناة بلادهم. ودعا البيان الثوار الأحرار إلى عدم الانجرار إلى تلك الخدعة التي يقوم بها النظام، وعدم مشاركة النظام الذي يسرق ويعمل لدول أخرى غير العراق. وتعهد البيان بمواصلة النضال حتى تحرير الوطن فكرا وأرضا ووجدانا.
لكن البعض ذهب إلى اتخاذ العصيان المدني كطريق لإحداث التغيير المنشود في العراق، وانطلقت حملات بهذا الخصوص، على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعوا للعمل على تفعيل العصيان المدني، كإحدى الوسائل التي تهدف لإسقاط النظام، وتكلم عدد من الناشطين عن تجارب عالمية كثيرة اتخذت من العصيان المدني وسيلة لتغير الأنظمة الاستبدادية واستبدالها بأنظمة ديمقراطية حقيقية، مثل التجربة الأمريكية التي أعلن فيها العصيان عن دفع الضرائب لأجل تمويل الحرب مع المكسيك عام 1849، وتجربة الزعيم الهندي “غاندي” الذي قاد عصيانا مدنيا انتهى باستقلال الهند عن بريطانيا، والعصيان المدني في جنوب أفريقيا الذي نجح في إنهاء نظام الفصل العنصري، وأخيرا ما حدث في الثورة السودانية التي أسقطت عمر البشير والتي حوَّل العصيان المدني العاصمة الخرطوم، إلى مدينة خالية ومشلولة. وعلى ما يبدو، إن العصيان المدني في العراق، ربما يكون الطريقة المثلى لتغيير النظام العراقي، فالمعركة اليوم هي معركة وعي، لتوعية الجماهير بعدم الانخداع لمكائد النظام، والعمل على إسقاطه، وجعل ذلك المطلب الأول للجماهير المنتفضة.
فشل العملية السياسية في العراق بشهادة أهلها
والسؤال الذي يتبادر للأذهان، كيف يمكن لشباب ثورة تشرين، أن يثقوا بانتخابات برلمانية منبثقة من نظام سياسي فاشل؟ والحكم بفشل النظام السياسي في العراق، لم يصدر من شخص مناوئ له، بل صدر من أهم رموز هذا النظام. ففي بداية هذا العام الجديد، صرح رئيس الجمهورية العراقي برهم صالح، وهو سياسي كردي كان مشاركا بالعملية السياسية لما بعد الاحتلال منذ بدايتها عام 2003، أقرَّ بشكل صريح ورسمي، بـ”فشل منظومة الحكم بعد عام 2003″، وقال: “هناك خلل بنيوي في النظام الحاكم وطريقة الحكم، وبات هذا النظام لا يستطيع أن يخدم المواطن المحروم من أهم حقوقه المشروعة”، فهل يريد المتظاهرين أن يشاركوا في عملية سياسية فاشلة بشهادة أهلها، حتى يصلحوا البلد؟ هذا أمر غير منطقي البتة.
الأمر الآخر، كيف يتسنى لثوار تشرين أن يكون لهم موطئ قدم في نظام مبني على التنافس بين أحزابه الفاسدة، حتى يستطيع أن يخدم بها وطنه؟ في الوقت الذي خرج متظاهرو تشرين بالأساس ضد الفساد المستشري في هذا النظام. ففي هذه الحالة، سيكونون أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الانخراط في فساد السلطة ويصبحون جزء منها، أو أن يلفظوا خارجها بعد أن يخسروا جماهيريتهم وتعاطف الناس معهم.
كيف يمكن لشباب تشرين أن يشاركوا في عملية سياسية قامت بالأساس على تحالف بين أحزاب شيعية وأخرى كردية، عملت بسرعة على توزيع المناصب فيما بينها، وكتابة دستور طائفي تشوبه العديد من الألغام، مارست خلاله ديمقراطية زائفة شابها العديد من مظاهر التزوير لإرادة الناخبين؟ فهل يستطيع يا ترى الشباب المتظاهر الذي خرج الى الشوارع بشعار وحيد “نريد وطن” أن يسترد وطنه من خلال هذه العملية السياسية الزائفة؟ إن الشباب المتظاهر كان يعلم بأن من أضاع هذا الوطن وباعه للأجنبي، هو نفسه من يدعو شباب ثورة تشرين لتشكيل الأحزاب والدخول في انتخاباته الزائفة. هل يريد شباب العراق الثائر أن يكونوا جزء من عملية سياسية تضم أحزابا جاءت مع المحتل لتعينه في احتلال بلدهم؟ وحينما تمكنت هذه الأحزاب من السلطة في العراق، قامت بالانقلاب على دولة الاحتلال التي مكنتهم من الوصول للسلطة، واتجهت لتجعل البلد ساحة لنفوذ بلد مجاور هي إيران، تعبث فيه كيف ما تشاء.
إن الشباب الذين خرجوا في تظاهرات تشرين والتي سرعان ما تحوّلت إلى حركة احتجاجية وانتفاضة جماهيرية كبرى هزت أركان النظام العراقي، ولا يمكن لهم أن يرضوا بأن يكون طريق رسم غد أفضل للعراق عبر المشاركة بعملية سياسية عرجاء، ولا بمشاركة الأحزاب التي مزقت العراق، لتقف معها كتفا بكتف لتتنافس معها سياسيا. ذلك لأن أحزاب السلطة الفاسدة والملطخة أيديها بدماء العراقيين، لن يرضوا عن الشباب المتظاهرين حتى يتغيروا ليكونوا مثلهم فاسدين، وحينما يتساوون في الفساد، ستكون الغلبة بالانتخابات لمن هو أكثر فسادا وأكثر عمالة للأجنبي.
العقول التي أنتجت الخراب لن تنتج الحلول
إن المشكلة المركبة التي تسود العملية السياسية العراقية، هي أن من ينصب نفسه وصيا عليها، يحمل عقلا لا ينتج إلا الخراب ومن المستحيل أن يكون قادرا على انتاج حلول للوضع الذي يعيشه البلد. فبعد 18 عاما من التجربة السياسية تحت ظل هذه الأحزاب التي تحمل هذه العقلية المريضة، اصبح واضحا – وبدون شك – أن نظاما تحتكر فيه الأحزاب الفاسدة بمقاليد السلطة، لا يمكن له أن يبني الوطن أو يقوده نحو الأفضل. ومشاركة الشباب المتظاهر في عملية سياسية جنبا إلى جنب مع هؤلاء، هو في الحقيقة تنازل عن كل المبادئ التي خرج لأجلها المتظاهرون.
وعلى سبيل النقاش، إذا ما قدمنا حسن النية في كل الأحزاب الجديدة التي اتخذت من ثورة تشرين كخلفية لها، هل يا ترى ستكون قادرة على الصمود والمنافسة أمام الأحزاب القديمة التي تمرست على اللعبة السياسية والتي لا تزال تمتلك أدوات السلطة وآلة البطش المليشياوية؟ لا سيما وأن هذا كله يجري وسط رغبة شعبية عارمة في مقاطعة الانتخابات القادمة وافشالها. إن حظوظ الأحزاب التشرينية في الحصول على مقاعد برلمانية كافية، يمكنها من إحداث التغيير الذي ينشدوه، هو أمر في غاية الصعوبة، في ظل سيطرة كاملة لأحزاب السلطة القديمة على المال والسلطة والسلاح والمليشيات. بالإضافة إلى الدعم الخارجي لها.
تنظيم صفوف ثوار تشرين أمر مهم ولا بد منه
إن عملية تشكيل أحزاب وتنظيمات من رحم ثورة تشرين، تعبر عن آرائهم وطموحاتهم وتناضل في سبيل تحقيقها، هو أمر ندعوا إليه بشدة، ودعا إليه جميع المثقفين والمختصين من قبل كي لا تهدر جهود شبابنا. لكن المشاركة بالعملية السياسية الفاسدة والمرتهنة للأجنبي هو الذي نحذر منه شبابنا الثائر، لأنها ستكون مقتلة لهم. لا أقول مقتلة بمعناها الحرفي – رغم أن هذا غير مستبعد – إنما مقتلة لمبادئهم وقيمهم واحلامهم التي كانوا يحلمون بها، وخيانة لدماء الشباب الذين سقطوا شهداء في ساحات التظاهر. فهؤلاء الشهداء لم تكن طموحاتهم أن يصبحوا جزء من السلطة السياسية الفاسدة. إنما كانوا يطمحون لتغيير جذري يزيلون به كل الأحزاب الفاسدة، ويبنون بلدا على أساس المواطنة والولاء للوطن.
إن تأسيس أحزاب ممثلة عن متظاهري ثورة تشرين أمر محمود، لكن شرط أن تمارس هذه الأحزاب عملها في تنظيم صفوف الشعب العراقي في طريق نضاله ضد هذا النظام الفاسد، والعمل على اسقاطه وتأسيس نظام جديد بدلا عنه أكثر عدالة، يتمتع فيه الفرد العراقي بالحرية والكرامة التي يفتقدها. نظام سياسي يمضي بالشعب العراقي سريعا في طريق الإبداع والتطور والسعادة. لا يتم التفريق بين أبنائه على أساس عرقي أو طائفي أو ديني.
مقال خاص براسام

