الباحث : حسين صالح السبعاوي
منذ أن بدأ الإحتلال الأمريكي للعراق باتت ظاهرة المقابر الجماعية السمة الأبرز في العراق، فكل فترة يتم اكتشاف مقبرة جماعية جديدة لأبناء العرب السنة في العراق على يد المليشيات الطائفية .
ويقدر مسؤولون في الحكومة العراقية بوجود ما لا يقل عن 700 مقبرة جماعية في العراق، ويعود غالبيتها للفترة من 2006 إلى 2017 وقد تركزت هذه المقابر الجماعية جغرافيا في المناطق الشمالية والغربية من العراق وقبلها في بغداد عندما كان ما يعرف بجيش المهدي يقتل أهالي بغداد على الإسم والهوية ويرمي بجثثهم في منطقة السدة في أطراف بغداد.
ومن الجدير بالذكر أنه تم في اتفاقية جنيف التي عقدت في عام 1949 تصنيف الجرائم الكبيرة كالمجازر والإبادات الجماعية والمقابر الجماعية سواء مدنيين أو عسكريين أو حتى رؤساء دول كجرائم حرب. وعليه فسيتم ملاحقة فاعليها ومحاكمتهم بأشد العقوبات، ويشمل هذا الحكم حتى إذا تصرف الفاعل بأمر من حكومته، أو من رئيسه الأعلى، فإن هذا لا يخليه من مسؤوليته حسب أحكام القانون الدولي .
عندما نتكلم عن المقابر الجماعية في العراق أصبحنا وكأننا نتكلم عن خبر عادي لا تقشعر له الأبدان وأحياناً يتهم من يكتشف هذه المقبرة أو ينشر خبرها في وسائل الإعلام بشتى أنواع التهم. وهذا يعطي صورة نمطية عن حجم قوة هؤلاء المجرمين وارهابهم للناس كما يثبت هذا التصرف بأن الحكومة هي داعمة لهم وهي تترك الجلاد وتحاسب الضحية !
عندما اكتشف الأهالي في الفلوجة قبل عام بوجود مقابر جماعية في أطرافها وأنهم من ضحايا النازحين من المعارك سنة ٢٠١٤ وطالبوا بالتحقيق عن هذه الجريمة شنت القنوات الطائفية حملة إعلامية ضدهم. وهكذا في الموصل كلما تكتشف مقبرة جماعية ويطالب السكان بمحاسبة الجناة تبدأ الحملة الإعلامية الطائفية ضدهم. وآخر مقبرة اكتشفت – ولن تكون هي الأخيرة طبعا – في منطقة الإسحاقي التابعة لمحافظة صلاح الدين حيث اكتشفت مقبرة تضم رفات أكثر من 100 ضحية ضمن المناطق التي تسيطر عليها المليشيات الطائفية، بدأت المليشيات بتهديد الأهالي بالقتل والتهجير مرة أخرى وكأنهم يريدون لهذه الأخبار المفجعة أن لا تتداول في الإعلام مطلقاً ليبقى هؤلاء القتلة يمارسون جرائمهم بعيدا عن الإعلام والمحاسبة والعقاب، كما يحدث في محافظة ديالى التي يمارس فيها أبشع الانتهاكات والقتل والتهجير على الهوية بعيداً عن وسائل الإعلام حتى باتت المليشيات تصول وتجول دون محاسبة من أحد. بل هي الحاكم الحقيقي على الأرض في المحافظة بعدما تم تهجير أغلب أهل السنة فيها واصبحوا أقلية مضطهدة بعدما كانوا يمثلون الأغلبية فيها.
إن سيناريو التهجير والقتل الجماعي الذي يحدث في العراق لا يشك أحدا فيه بأن إيران هي من تديره وما هذه المليشيات إلا أدوات مستخدمة لتحقيق المشروع الإيراني الذي يعتمد على مبدأ تصدير الثورة حتى ولو بالقوة حسب الدستور الإيراني الذي يعطي الحق للحرس الثوري بالعمل خارج الحدود لنشر أفكار الثورة الخمينية التوسعية التي تبنت الطائفية وسيلة لها .
هناك مفارقة عجيبة في العراق وهي كلما تكلم أحدا عن المقابر الجماعية والتهجير الطائفي والتغيير الديمغرافي يتنطع الإعلام الطائفي من خلال موظفيه والناطقين بإسمه وهم يربطون هذه المناطق السكنية والضحايا بداعش. لا يشك أحدا بأن تنظيم داعش هو تنظيم إرهابي وقد سام المناطق التي سيطر عليها سوء العذاب لكن لا بد من ذكر بعض النقاط لكشف اللثام عن هذا التدليس الذي يتداول فيه الإعلام الطائفي:
أولا : تنظيم داعش هو تنظيم مصنف دوليا إرهابي، بينما المليشيات تعتبر جزء من قوات الأمن العراقية .
ثانياً : إن تنظيم داعش مطارد من قبل الحكومة العراقية وقوات التحالف الدولي بينما المليشيات تقاتل تحت مظلة طيران التحالف فكيف يتم التساوي بينهما؟.
ثالثاً : أغلب المقابر الجماعية التي اكتشفت هي في مناطق سيطرة المليشيات وبعضها لم يدخلها داعش مطلقاً .
رابعاً : أغلب الضحايا هم ممن خرجوا من المدن أثناء المعارك في الفترة من 2014 إلى 2016 وهم من النساء والمدنيين الذين لاذوا من جحيم المعارك .
إن تبرير وجود المقابر الجماعية بحجة وجود داعش هو تبرير فاسد وكذبة سخيفة لا تنطلي على أبسط الناس .
هناك سؤال يطرح نفسه بخصوص المقابر الجماعية في العراق وهو إذا كانت الحكومة العراقية تغض الطرف وتسكت عن هذه الجرائم دون تحقيق فلماذا يسكت المجتمع الدولي أيضاً ولا يتحرك لإيقاف هذه الجرائم؟
مما لا شك فيه أن ما يجري في العراق هو مشروع دولي لتدمير العراق وتهجير أهم مكوناته وهم العرب السنة الذين رفضوا الإحتلال منذ اليوم الأول وقد قاوموه بكل بسالة ونالوا شرف المقاومة عندما تخلى عنها الآخرين. واليوم يريدون تغيير الحقائق وتحريف التاريخ بإدعائهم المقاومة وشعاراتها الكاذبة وها هم اليوم ينفذون المهمة القذرة التي أوكلت لهم من قبل الإحتلالين الأمريكي والإيراني ليكونوا مجرد أدوات مستخدمة في هذا المشروع الذي سوف يفتت العراق من خلال السياسة الطائفية التي تستهدف الشعب العراقي عموما وخاصة العرب السنة الذي نالهم الجزء الأكبر من القتل والتهجير والاعتقال. وبهذا قد نجحت أمريكا في تحقيق مرادها من خلال الإعتماد على أفضل الأدوات الذين يفعلون ما يطلب منهم برغبة جامحة وبدون تكلف كما أنهم ينفذون ما لم تستطع أمريكا تنفيذه بقواتها المحتلة مباشرة.
(وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)
مقال خاص براسام

