د. فارس الخطاب

استمعت محكمة العدل الدولية، وهي أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة، من خلال جلستي استماع في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا متهمة إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة.

كما هو معروف أن محكمة العدل الدولية أُسست عام 1945م، وبدأت أعمالها فعليا في عام 1946م، وكانت (إسرائيل)، التي كانت إحدى الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية لمناهضة للإبادة الجماعية لعام 1948، هي المعنية بشكل أساس في روح تأسيس هذه المحكمة، حيث كان الهدف الرئيس من إنشائها هو حماية اليهود من أية تجربة مشابهة للمحرقة المزعومة بحقهم من قبل ألمانيا النازية ، وتمت صياغة مفهوم الإبادة الجماعية كرد فعل على هذه المحرقة من قبل المحامي من أصل يهودي، رافائيل ليمكين، وهو ذاته الذي روج لإنشاء الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان والتي تتهم (إسرائيل) الآن بخرقها.

جلسات محكمة لاهاي التي تنظر في دعوى دولة جنوب أفريقيا تشهد وللمرة الأولى التي (إسرائيل) فيها، موقف الدفاع عن نفسها، ومرد ذلك تخوف حكومة الاحتلال من خطورة لائحة الاتهام والمخاطر الكبيرة التي تواجهها ، حيث تُعد تهمة (الإبادة الجماعية) من بين أخطر الجرائم التي يمكن اتهام أي بلد بارتكابها، وهو قادر على قلب السمعة والمكانة الدولية للكيان الصهيوني التي حاول طيلة 75 عام تكريسها، وفق كذبة كبيرة ترتكز على وجود (إسرائيل) وسط مجموعة دول “تريد إبادتها بشكل جمعي وتدمير دولتها” مذكرة الغرب دائما بالمحرقة التي تعرض لها اليهود ومسؤوليتهم عن مقتل الآف اليهود (حسب زعمهم).

اتهمت دولة جنوب أفريقيا، التي عُرِف عنها دعم حكومتها للقضية الفلسطينية، منذ تخلص هذا البلد من نظام الفصل العنصري، اتهمت إسرائيل بقتل مدنيين فلسطينيين، وألحقت أضرارا جسدية وعقلية خطيرة، وخلقت لسكان غزة “ظروف حياة تهدف إلى تدميرهم جسديا”. واعتبرتها بشكل موثق وكامل، تتسم بطابع “الإبادة الجماعية”؛ حيث قُتل حتى 12 يناير الجاري بحدود 24 ألف فلسطيني في غزة، جُلهم من النساء والأطفال، كما أجبر معظم سكان القطاع البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة على النزوح نحو شريط محدود في الجزء الجنوبي من القطاع، بعد أن قطع عنهم كل وسائل الحياة من ماء وغذاء وكهرباء وأدوية ومستشفيات ومراكز إيواء أممية، مما أوجد أخطار مضافة إلى القصف كالأمراض والجوع وحالات مأساوية كثيرة جعلت من الحياة شبه مستحيلة ، بحسب الأمم المتحدة.

القادة الإسرائيليين لم يخفوا غضبهم الشديد حيال جمهورية جنوب أفريقيا ، واتهموا دعواها وأدلتها بإنها مزاعم لتحريف معنى الإبادة الجماعية والغرض من الاتفاقية الخاصة بها ، ورددوا كسياسيين وكقانونيين أن من يجب محاكمته ومحاسبته دوليا هو منظمة حماس، باعتبارها منظمة إرهابية مصنفة دوليا والتي تدعي (إسرائيل) أنها هي هدف حملتها العسكرية في قطاع غزة؛ فالرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ قال عقب جلسة الإستماع للقانونيين من جنوب أفريقيا : ” لا يوجد شيء أكثر فظاعة ومنافاة للعقل من هذا الادعاء، لأنه في الواقع، يدعو أعداؤنا، حماس، في ميثاقهم إلى تدمير وإبادة دولة إسرائيل، الدولة القومية الوحيدة للشعب اليهودي”. فيما ذهب رئيس وزراء الكيان الصهيوني إلى أبعد من ذلك حين وصف قادة جنوب أفريقيا بـ”الوحوش”، وقالت أييليت شاكيد، وزيرة العدل الإسرائيلية السابقة، مزاعم الإبادة الجماعية بأنها “تشهير دموي”، في إشارة إلى المجاز المعادي للسامية الذي يعود تاريخه إلى قرون من الزمن، والذي يقول إن اليهود يقتلون الأطفال غير اليهود لشرب دمائهم، وأكدت أن حكومة جنوب أفريقيا كانت تستخدم هذه المزاعم، القضية لإلهاء شعبها عن المشاكل الداخلية لبلادهم ، ولا أعلم عن ماذا ولماذا تريد حكومة جنوب أفريقيا إلهاء شعبها؟

حكومة جنوب أفريقيا قدمت ملفها المكون من 84 صفحة إلى محكمة العدل الدولية في ديسمبر/كانون الأول الماضي واستشهدت بجرائم مشهودة ضد المدنيين وأغلبهم من الأطفال والنساء، وتصريحات مسؤولين إسرائيليين، والتي تقول إنها “تشكل تحريضا واضحا ومباشرا وعلنيا على الإبادة الجماعية، والتي مرت دون رادع ودون عقاب”. هذه التهمة بحسب (إسرائيل) هي تحريف للتاريخ. لكن بالنسبة للفلسطينيين، فهو إحساس يتذوقونه لإول مرة بوجود عدالة تاريخية؛ عدالة تعرّض (إسرائيل) ولإول مرة، لمستوى محرج ومعلن من التدقيق والتحقيق الدولي، يقابله حقوق يتم يدافع عنها للحق الفلسطيني بعد أن أُشبع العالم بجرائم الإبادة الممنهجة التي مارسها جيش الإحتلال الإسرائيلي بحق أكثر من مليوني و400 ألف نسمة فلسطيني قُتِل منهم ما يناهز الـ24 ألف في قِطاع غزة، إنه إحساس كبير أن يشعر الصامدون الصابرون في قطاع غزة بتساقط تماسك المسؤولين الإسرائيليين خلال وبعد إطلاعهم على إسلوب الدفاع عن بلادهم المحكمة الدولية. بالنسبة للفلسطينيين فإن وضع (إسرائيل) بموقع “المُدعى عليه” نصرا أخلاقيا، بغض النظر عن النتيجة القانونية.

لقد اقتصر فريق الدفاع في طروحاته ودفاعه بالقول “لا يمكن أن تكون هناك تهمة أكثر زيفا وحقدا من الادعاء ضد إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية”. وأضاف أن “إسرائيل تخوض حرب دفاع ضد حماس، وليس ضد الشعب الفلسطيني”.

الآن قد تلجأ (إسرائيل) إلى أسلوب التلاعب بعواطف القضاة؛ فالقاضي الذي أرسلته إسرائيل للانضمام إلى القضاة الذين ينظرون في القضية، أهارون باراك، البالغ من العمر 87 عاما، هو أحد الناجين من المحرقة والذي هرب من الحي اليهودي في كوفنو، الآن كاوناس، ليتوانيا، عن طريق الاختباء في كيس ، المحرقة التي يتوجس أغلب المسؤولين الغربيين ، من المساس بها ، لا من حيث الحقائق المحيطة بقصصها وأعداد القتلى فيها ، ولا من حيث نفيها وبالتالي الخلاص من عقدة الذنب المرافقة للنظام السياسي في الولايات المتحدة وأوروبا ، حيث يمكن ، وبموجب القوانين في هذه الدول ، اتهامه بمعاداة السامية ، وأي ربط يطرحه باراك بين المحرقة وعملية “طوفان الأقصى” يجعل القرارات تميل إلى عدم اعتبار جرائم (إسرائيل) ، جرائم إبادة ، مع إدانة أسلوبها في التعامل الحربي ضد مقاتلي حماس وعدم حساب سقوط الآف القتلى من المدنيين خلال عمليات القصف المكثف في قطاع غزة.

الغرب المعتدل يرى أن تجربة حكومة جنوب أفريقيا تعتبر خطوة مهمة في إحداث تغييرات إستراتيجية في القضية الفلسطينية – الإسرائيلية، حيث يمكن أن تدفع قرارات محكمة العدل الدولي الجانبين نحو رؤى مختلفة، تفضي إلى مستقبل مختلف، يعترف كل طرف فيه بحقوق الطرف الآخر، وهو أمر يرى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه “سيفتح أبواب الحوار واللقاءات المباشرة بعيدا عن الأصوات المتطرفة في كلا الطرفين”. ولعل من اللافت في هذا الجانب أنه منذ الآن بدأت أصوات الطبقة الإعلامية والخبراء في مجال علاقات إسرائيل بمحيطها، في الدفع بإتجاه سحب البساط من تحت أقدام المتطرفون اليمينيون في (إسرائيل)
حيث يقول أحد الكتاب الإسرائيليين: “إن التصريحات التحريضية التي أدلى بها السياسيون اليمينيون المتطرفون ساعدت في وصولنا إلى هنا، يجب أن يكون هناك حساب داخلي لذلك. لن نبدأ عملية شفاء إسرائيل حتى يتم استبدال هذه الحكومة وإبعاد اليمين المتطرف إلى هامش السياسة الإسرائيلية”.

مقال خاص براسام