الكاتب: عماد عبود

ليست السجون في العراق، كما يفترض أن تكون في أي بلد في العالم، محطة للإصلاح والتهذيب وتأهيل النزلاء وإبعادهم عن السلوك المنحرف، الذي قد ينزلق إليه عدد محدود من الأشخاص لسبب أو لآخر في مرحلة ما من حياتهم، لكنها أصبحت أماكن تتكدس فيها أعداد كبيرة من الناس، بعضهم بوشاية سيء الذكر المخبر السري، وبعضهم بالتهمة الجاهزة المسماة 4 إرهاب، وبعضهم حتى بغير تهمة.

وفضلا عن أنها لم تعد للإصلاح، فقد أصبحت بابا جديدا للارتزاق على حساب آلام ومعاناة أناس، ذنبهم الوحيد أنهم وجدوا أنفسهم على حين غرة في الوقت الخطأ والمكان الخطأ، ليصبحوا فريسة لمنحرفين يتاجرون بحريتهم. فالسجين العراقي وفق تقارير منظمات حقوقية، أكدها نواب تابعون لأحزاب السلطة، يتعرض هو وعائلته للابتزاز والمساومة، ولا يحصل على ما يكفي من أبسط حقوقه كالطعام، الذي تجاوزت كلفته السنوية 170 مليار دينار، تدفع لشركة تابعة لهيئة الحج والعمرة، تحتكر ملف إطعام السجناء منذ سنوات، ليجبر على شراء طعامه من الحانوت، الذي أوكلت مهمة تجهيزه للشركة ذاتها.

ويلاحظ المهتمون بحقوق الإنسان، إطلاق بالونات بين حين وآخر من هنا وهناك للتبشير بحلول وشيكة لمعاناة السجناء، منها تصريحات وزير العدل “خالد شواني” بعد زيارته لعدد من السجون، والتي وجّه بعدها بتشكيل “لجنة فنية مشرفة ولجان متابعة في بغداد والمحافظات كافة، لمتابعة إطعام النزلاء والموقوفين وفق معايير معهد بحوث التغذية” حسب تعبيره، وذلك بعد إقراره بأن “ما يقدم للسجناء يتنافى مع حقوق الإنسان”. كما وجّه أيضا باتخاذ “سلسلة إجراءات تخص تقديم التغذية الصحية والتعليم وتشغيل النزلاء والمودعين”، لكن سنة كاملة مرت على هذه الزيارة، دون أن يلمس السجناء شيئا على أرض الواقع.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، فبيئة السجون لا تتلاءم مع المواصفات الدولية، من حيث القدرة الاستيعابية للقاعة الواحدة وتمتع السجين بالحد الأدنى من المتطلبات الإنسانية، كالتعرض لأشعة الشمس والقراءة وممارسة الرياضة والعبادة بحرية دون ضغوط. وفضلا عن الفظائع التي وثقتها، فقد تحدثت تقارير عن تجاوز طاقة السجون الاستيعابية 300%. وبوصول عدد الشكاوى المقدمة من ذوي المعتقلين إلى مكتب مستشار رئيس الوزراء لحقوق الإنسان 3 آلاف شكوى، تتعلق جلها بحالات تعذيب تعرض لها أبناؤهم، وفق ما صرح به المستشار “زيدان خلف”، يمكن معرفة أي مأساة يعيشها السجناء.

وفضلا عن سجون كثيرة بعضها سري وبعضها خاص بالميليشيات، اكتفت مصادر رسمية بإحصاء 30 سجنا تضم أكثر من 75 ألف سجين بينهم 1500 امرأة، بالإضافة لسجن سوسة العائد لوزارة العدل العراقية، والواقع في محافظة السليمانية.
فشل مجلس النواب أكثر من مرة بوضع حد لمعاناة السجناء بإقرار قانون العفو العام، بعد أن جعلت القوى المطالبة بإقراره من هذه القضية مادة للمساومة على مناصب وامتيازات خاصة بكتلهم، وبحصولهم عليها تنازلوا عن مطالبهم بإقرار القانون، وقد كانت هذه المطالب ذات يوم وسيلة لإقناع ذوي المعتقلين بالتوجه لصناديق الاقتراع وانتخابهم.
ولا يتعلق الموضوع بمجلس النواب فقط، بل إن الحكومة أيضا لا تميل لقانون ينصف سجناء أودع أكثرهم بتهم كيدية، وأمام مأزق تكدس السجناء فوق بعضهم في عشرات السجون، والانتقادات التي تتعرض لها باستمرار من قبل منظمات وهيئات محلية ودولية معنية بحقوق الإنسان، لجأت الحكومة لحلول بالاتجاه المعاكس، لا تهدف لإغلاق السجون بالعفو عن السجناء، بل ببناء المزيد منها، لتحتل البلاد مكانتها بين الأمم، التي تضم أكبر عدد من السجون.
وتتمثل خطة الحكومة بحسب تصريحات صحفية أدلى بها المتحدث باسم وزارة العدل “كامل أمين”، ببناء وتحوير بعض السجون لتتمكن من استيعاب عدد أكبر من النزلاء، وباستئناف العمل بـ “مشاريع” توقف العمل بها بسبب شبهات فساد، كان من المفترض أن تنجز بشكل نهائي عام 2023، لكنها لم تنجز رغم أن الأموال المخصصة لها قد صرفت بالكامل من موازنة 2023. بالإضافة لذلك، تتضمن خطة الحكومة لـ “إنهاء” معاناة السجناء محورا طويل الأجل، يتمثل باستملاك الدولة للمزيد من الأراضي وتخصيصها لبناء “مدن إصلاحية” بحسب تعبير المتحدث باسم الوزارة.
في العراق، كما في دول أخرى تتراجع فيها حقوق الإنسان لمثل هذه المستويات، تنشط العديد من الهيئات والمنظمات المحلية والدولية لدعمها بمواجهة منتهكيها، وبهذا الخصوص تذكر منظمة العفو الدولية أنها تعمل من أجل وضع حد لانتهاكات حقوق الانسان وللاعتقالات السرية والتعذيب والاحتجاز والمحاكمات غير العادلة، وأوضاع السجون غير الملائمة، وإطلاق سجناء الرأي، كما أنها تطالب بتوفير ظروف اعتقال ملائمة وإجراء تحقيقات فورية ومستقلة عندما يموت شخص في الحجز، وإنشاء هيئات مراقبة مستقلة للقيام بزيارات منتظمة إلى أماكن الاحتجاز.
وبناء على ما تقدم، لا يمكن فهم خطط الحكومة المتعلقة ببناء المزيد من السجون، واستملاك الأراضي من أجل إنشاء مدن كاملة لاستيعاب ما لديها من سجناء، على أنه خطوة بالطريق الصحيح لحل هذا الملف، ومنجز يحسب لها وعلينا أن نشكرها عليه، بقدر ما يثبت أن لا خطط لديها لتقليص عدد السجناء الذين اعترف أكثرهم تحت التعذيب بجرائم لم يقترفوها طبقا لما ذكرته التقارير، ولا خطط لديها للتوقف عن اعتماد المخبر السري، ولا لتوفير الفرص اللازمة للمتهم بالدفاع عن نفسه في محاكمة عادلة، وإنما تقتصر خططها على توفير الظروف لاستيعاب أعداد أخرى من سجناء جدد محتملين، سيأتي بهم المخبر السري كما أتى بمن سبقهم.

مقال خاص براسام