بقلم: معاذ البدري
مسؤول قسم الإعلام في هيئة علماء المسلمين في العراق
سلوك الميليشيات تجاه سكّان مناطق (سهل نينوى) شمالي العراق مشابه لما يحصل في مناطق أخرى من البلاد، بل يكاد يكون صورة طبق الأصل عن نظيره الذي تشهده أحزمة بغداد ومحيطها، أو ما جرى ويجري في عدد من نواحي ومدن محافظة صلاح الدين، وديالى والقائم بمحافظة الأنبار، وغيرها؛ كلّها تأتي في سياق استهداف مدروس لكافة العراقيين بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الطائفي أو العرقي.
الهدف الذي تبحث إيران عن بلوغه وتحصيله من هذه الممارسات واضح جدًا؛ وهو صناعة خواصر طائفية تبذل طهران وسعها في أن تكون كثيرة العدد وواسعة الانتشار في مناطق متعددة من العراق؛ وتقبع إيران على وجه التحديد في قفص الاتهام بشأن الانتهاكات التي يتعرض لها سكان (سهل نينوى) التي تقطنها غالبية من المسيحيين؛ لأن تلك المنطقة تتخذ موقعًا مهمًا بالنسبة لمشروعها المتعلق بطريق (طهران – بيروت ) الذي تسعى إلى إنجازه على مديات بعيدة وأخرى متوسطة.
وحتى يتحقق هذا المقصد؛ تسعى إيران وميليشياتها إلى تشديد قبضتها على نوعين من المناطق؛ أحدهما: المناطق المختلطة أو المناطق التي تسكنها أقليات دينية أو عرقية، وبغض النظر عن موقفنا من هذه التعابير التي نضطر إلى استخدمها تماشيًا مع الحالة السائدة بهدف إيصال الفكرة لا أكثر؛ فإن هذه المناطق تبدو سهلة التناول كمرحلة أولى لزيادة القوة والنفوذ، فما تفعله الميليشيات في (سهل نينوى) والموصل والأراضي الممتدة من شمالي محافظة ديالى مرورًا بمحافظة صلاح الدين وامتدادًا عبير البادية الرابطة بين الأخيرة والأنبار ونينوى حتى بلوغ قضاء القائم والمناطق الحدودية مع سورية ؛ أشبه بحراك (أميبي) تتحرك فيه الميليشيات ومن خلفها من أحزاب سياسية جنّدت نفسها لتنفيذ مشاريع ديموغرافية بمد طائفي؛ حيث تلتف حول بقعة معينة لتحيط بها سواء بعمليات عسكرية أو حملات اعتقال ممنهجة، أو هجمات صريحة ضد السكان المحليين؛ ثم تستحوذ عليها بالكلية، قبل تنتقل نحو منطقة أخرى مجاورة أو غير مجاورة، والذي تشهده مناطق (سهل نينوى) من عدوان ميليشياوي صريح على سكانها؛ لا يخرج عن هذا النمط، وما ميليشيا (بابليون) المتورطة هذه المرة بجرائم التغيير الديموغرافي ضد المسيحيين؛ سوى معول يستخدمه (الحشد) ومن ورائه إيران في هذا السبيل.
أما النوع الآخر المستهدف بهذه الطريقة؛ فهي المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية مثل أحزمة العاصمة بغداد التي فاقت الانتهاكات فيها كل التصورات والتوصيفات؛ والهدف من ذلك إطباق الحصار الديموغرافي على العاصمة وإضعافها اجتماعيًا؛ تمهيدًا لسلب هويتها ، وفرض حالة طائفية في تكوين مجتمعها، ولعل في هذا الملف كم كبير من القضايا الجديرة بالكثير من العناية والاهتمام النظر والتحليل، لأنه من جملة أهداف إيران التي تتكامل مع مشروعها آنف الذكر أو بمعنى أدق من لوازمه ومقتضياته.
ومن البدهي في المشهد؛ أن حكومة الاحتلال التاسعة تتحمل مسؤولية ما يجري في مناطق (سهل نينيوى) من حملة ميليشياوية على سكّانها المسيحيين، وهذه المسؤولية تطوّق الحكومة وأحزابها من كافة اتجاهاتها القانونية والأخلاقية والتاريخية، فضلاً عن المسؤولية الشرعية، ولكن القضية في الحقيقة أكبر من مجرد حدث في منطقة معينة من العراق – وإن كان هذا الحدث خطيرًا وجديرًا بالاهتمام والمعالجة – فالمسؤولية التي كانت وما تزال تقع على عاتق حكومات الاحتلال لا تقتصر على الأحداث الآنية أو المشكلات الطارئة، فـ(السوداني) مجرد أداة مرحلية من أدوات نظام العملية السياسية، وهذا النظام كما هو معلوم للجميع يقتات على الفوضى والاضطراب، وبدونهما لا يتحقق شيء من أهدافه؛ لذلك فإن جميع الحكومات التي تعاقبت في بغداد منذ الاحتلال وإلى اليوم تتخذ المسار نفسه في صناعة الفوضى وتأزيم الأوضاع الأمنية، والبحث الجاد عن مسببات الفتنة ووقودها.
وفي منطقة على غرار (سهل نينوى) وما يرتبط بها من أقضية ومدن وقرى؛ تتميز بتنوع تركيبتها السكانية وتعدد المكونات المجتمعية فيها؛ تجد الميليشيات ومن خلفها أجهزة الحكومة بيئة خصبة تحاول أن تقدح فيها شرار الفتنة وتسعى إلى توليد مسببات الخلاف فيها، بالتوازي مع المنهجية التي تتخذها أجهزة الأمن والمليشيات على حد سواء في التعامل مع الناس بسطوة العسكر والحديد والنار، إلى جانب حملات الاعتقال والابتزاز، والانعدام شبه التام للخدمات بكافة أنواعها؛ كل تلك الأمور مجتمعة تراهن عليها الحكومة لتبقي المنطقة في حالة اضطراب وفوضى لتحقيق الهدف المشار إليه آنفًا.
وفي هذا السياق؛ جاء اعتداء الميليشيات على بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاردينال (لويس روفائيل ساكو) ومعه محالات فرض السطو التامة على قضاء (الحمدانية) أحد أكبر مدن مناطق (سهل نينوى) وتسريح الشرطة المحلية منه التي تبدو عاجزة بلا حول أو قوة أمام سطوة الميليشيات وطغيانها؛ بيد أن لهذا الاعتداء دلالته على أن الميليشيات إنما تستهدف العراق بمكوّناته كلّها، وقد سبق لها أن تورطت في تهجير المسيحيين في بغداد ونينوى والاستيلاء على منازلهم مثلما هجّرت المسلمين في محافظات العراق الأخرى ولا سيما في ديالى وصلاح الدين وأحزمة بغداد.
والناظر إلى ذلك كلّه يجد رسالة ذات وجهين؛ الأول: كاشف لحقيقة أن عدو العراقيين بجميع انتماءاتهم واختلاف مكوناتهم؛ واحد، وظاهر، وبيّن، ولا يغالط فيه إلا ومن هو غارق في الوهم أو من كان منحازًا على غير وجه حق؛ والوجه نفسه أيضًا موضح لاعوجاج منظومة الحكم في بغداد التي تستهدف الجميع دون تمييز، وإن كان خطابها مبنيًا على عاطفة كاذبة مشوبة بالطائفية.
والوجه الثاني: أن الميليشيات في الوقت الذي تصادق على نفسها بأنها عدو للشعب العراقي كله؛ فإنها تعكس عمق إيمان العراقيين بقضيتهم وبأنهم جميعًا متحدون في الرؤية بأن البلاد لا ينقذها من أزمتها إلا الوقوف صفًا واحدًا في وجه مشاريع الاحتلال الأمريكي ذات البعد الدولي، ومشاريع حليفه الإيراني المتخادم معه ذات البعد الإقليمي؛ وما جرى من قيام أهالي بلدة (قره قوش) في مركز قضاء (الحمدانية) بمناهضة ميليشيا (بابليون) المعتدية عليهم، وسط تصاعد حالة الغضب الشديد تجاهها؛ لتورطها بانتهاكات ضدهم، وبابتزازهم عند نقاط التفتيش، وبمحاولاتها المستمرة للسيطرة على مفاصل الحياة هناك؛ إلا دليل على ينافس شمس الظهيرة في وضوحها على تصاعد وعي العراقيين نحو مستويات جديدة في مناهضة النظام السياسي ذي القالب الأعوج والمسارات المتعرجة.
مقال خاص براسام

