المقدمة:
تعتبر الكارثة التي حلت بالقوات العربية في حرب حزيران عام1967هي نكبة كبيرة ومدمرة على المستوى الاستراتيجي السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والتي ترتب عليها تبعات خطيرة أضرت بالقضية الفلسطينية، وحولت المعركة من استعادة الأراضي الفلسطينية الى استعادة الأراضي العربية التي سيطرت عليها اسرائيل بعد هذه الحرب، التي توصف بأنها كانت خاطفة ومخطط لها من الجانب الاسرائيلي بدقة، خصوصاً بعد أن بدأت القيادة العسكرية الصهيونية تهدد سوريا وتصدر الأوامر بسحب قواتها من حدودها الشرقية والجنوبية لتركز حشودها وقواتها الضاربة باتجاه الجبهة السورية، وبدت نذر الحرب تلوح في الأفق، وأصحبت ساعة الصفر قريبة جداً والحرب واقعة لامحالة، وبدت التصريحات والتهديدات الوقحة تتوالى من القيادات السياسية والعسكرية الصهيونية على مختلف المستويات، والتي كانت تفصح عن نوياهم الواضحة والخبيثة ضد العرب، الذين أخفقوا في مواجهة هذه التهديدات، التي تأتي في ظروف صعبة ومعقدة وتيه عربي وخوف من المستقبل المجهول، كون الاتفاقات والبيانات التي كانت تصدر بين الدول العربية لم يترتب عليها إجراءات ميدانية حقيقية للتنسيق العسكري المشترك لمواجهة النوايا الاسرائيلية، لذا جاءت نتائج الحرب كارثية، وجاءت المشاركة العربية ضعيفة وهزيلة، ومنها مشاركة القوات المسلحة العراقية التي اقتصرت على مشاركة فعالة للقوة الجوية، ومشاركة برية لم تأخذ مداها، لقصر مدة الحرب، وإعلان وقف إطلاق النار الذي جعل العرب يفقدون الكثير من مدنهم وأراضيهم لصالح اسرائيل.

تطورات تُأزم الموقف:
يبدو بأن الكيان الصهيوني الغاصب بعد العدوان الثلاثي على مصر عام1956وما تلتها من أحداث دقت ناقوس الخطر لديه كون تطور الأحداث جاءت لتشكل تهديداً مباشراً للكيان الصهيوني، خصوصاً وإن هناك جهود حثيثة تبذلها الدول العربية للحصول على أسلحة وأعتدة متطورة، الأمر الذي يتزامن مع نشاطات وفعاليات واتفاقات عسكرية تجري على قدمً وساق بين الدول العربية، وخاصةً الاتفاقات التي جرت بين القوات السورية والمصرية والأردنية، والتي ترافقت مع صدور قرارات مهمة عن القمة العربية التي عقدت في القاهرة عام1964، والتي تمخض عنها الاتفاق على تحويل مجرى نهر الأردن في كل من سوريا والأردن، ثم جاء تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام1965، التي اعتبرت تهديداً مباشراً للكيان الصهيوني، كما إن مطالبة مصر بسحب قوات الأمم المتحدة(قوات الطوارئ)من شبه جزيرة “سيناء” وسيطرة الجيش المصري على هذه المناطق التي كانت تشغلها هذه القوات في المنطقة هو تصعيد عسكري خطير، يضاف الى ذلك أغلاقها لمضيق “تيران” بوجه الملاحة الإسرائيلية على البحر الأحمر في22مايو/أيار عام1967هو بمثابة إعلان حرب عليها، وهنا بدأت إسرائيل تعد العدة لحرب يونيو/حزيران لتثبيت كيانها في المنطقة، علماً بأن التدابير الحربية الصهيونية كانت خاضعة لأعلى درجات السرية والكتمان، وهذا ما يجب أن نتعلمه من هذه الحرب.

تهديدات إسرائيلية وقحة:
لقد كانت التهديدات الإسرائيلية تصدر من مصادر القرار في الكيان الصهيوني، بحيث بلغت الخسة والوقاحة برئيس دولة اسرائيل “زلمان شازار” أن يقول : “لقد نجحت حملاتنا التأديبية ضد العرب فأصبحت حدودنا أمينة ودولتنا رصينة”(1) أما رئيس حكومة اسرائيل “يفي اشكول” فيقول: “إن العرب والعالم كله يعرفون اسرائيل وقوتها، ويعرفون إن جيشها بالمرصاد لكل من يتجاسر على سيادتها من قريب أو بعيد”، وأضاف “إن جيش اسرائيل للعرب بالمرصاد، وهو الحصن المنيع لإسرائيل، وسيضرب سورية وشيكا وكل أت قريب” أما على المستوى العسكرية فيقول رئيس أركان الجيش الاسرائيلي “أسحق رابين” فيقول: “إن جيش إسرائيل سيلقن سورية درساً لا تنساه، وسيلقن كل دولة عربية تحاول المساس بسيادتها درساً لا تنساه” وهذا هو تحدي واضح وكبير يجب أن يؤخذ على محمل الجد، علماً بأن كبار المسؤولين في اسرائيل كانوا يعلنون وفي أكثر من مناسبة أنهم أذا اضطروا لخوض الحرب فسوف تكون هذه “الحرب وقائية”(2)، أي أنهم لن يخضوا هذه الحرب على الأراضي التي يسيطرون عليها، وأنهم سينقلون الحرب الى خارج اراضيهم ليضمنوا سلامة مواطنيهم وأراضيهم.

الموقف العربي عشية الحرب:
لقد بلغ الاستهتار الصهيوني مداه، وبلغت الاستهانة بالعرب الى درجة إن إسرائيل بدأت تعلن نوياها وخاصة تهديدها لسوريا، بعد أن حشدت قواتها القتالية(المشاة)و(القوات المدرعة)في المنطقة، وزادت من نشاطها واسنادها الجوي والمدفعي، لأنها جست وقيمت الرد العربي على الانتهاكات والتجاوزات التي قامت بها في الفترة الماضية، فوجدت بأن الرد العربي كان يقتصر على خطوات دبلوماسية تتمثل بتوجههم الى الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، كما إن الخلافات العربية بلغت مداها، لذا فهي مفككة وغير متفقة، بل إن قسمُ منها متورط في نزاعات داخلية مثل اليمن، وهي فرصة مناسبة للنجاح يجب استغلالها لشن الحرب، نظراً للظروف التي تمر المرتبكة بها الدول العربية، وقد اختارت الجبهة السورية كونها الأضعف في المعادلة العربية في تلك الفترة، كما أنها كانت تستهدف من هذا التصعيد على هذه الجبهة السيطرة على الهضاب القريبة من الحدود السورية اللبنانية التي تعتبر من أهم وأغزر منابع نهر الأردن، وبنفس الوقت تدمير معدات الحفر التي تعمل على تحويل مجرى النهر في هذه المنطقة الاستراتيجية، وبهذا يتم الاستيلاء على منطقة حيوية مهمة، مما يرفع المعنويات لدى الصهاينة، ويحطم إرادة العرب على القتال.
تشير المذكرات الشخصية لبعض القادة العسكريين المصريين الى النقص الحاد بالأسلحة، والاعتدة، والتدريب، وتشكيل قوات جديدة وإجراء تنقلات عسكرية مريبة، مما أثر بشكل مباشر على الخطط الدفاعية والهجومية للقوات المسلحة المصرية مما يجعلها تخوض الحرب بظروف غير مناسبة، بالإضافة الى سوء الحسابات والتقديرات التي بنيت على معلومات خاطئة تقول بأن مصر قادرة على استيعاب الضربة الأولى من اسرائيل، ومن ثم القيام بالهجوم المقابل، وهذه القراءة كانت بخلاف بعض التقديرات التي تشير الى عدم قدرة الجيش المصري على تحمل مثل هذه الضربة، وخاصة الضربة الجوية والتي يمكن أن تكون مدمرة، حيث صدرت الأوامر بنقل بعض الطائرات الى مطارات بعيدة لتجنب مثل هذه الضربة ولكن لم يتم تنفيذ الأوامر، وهذا كله بعد قررت القيادة الانتقال من استراتيجية الهجوم والتعرض الى الاستراتيجية الدفاعية، خصوصاً مع احتمالية انتقال المواجهة العسكرية المباشرة من اسرائيل الى الولايات المتحدة الأمريكية في حالة الهجوم، كما إن المعلومات الاستخبارية كانت تشير الى الاستعداد القتالي الاسرائيلي الكامل لجميع الاحتمالات الميدانية، بحيث موازين القوى كانت ترجح بشكل كبير للقوات الصهيونية التي عدة العدة لهذه الحرب الهجومية، خصوصاً بعد أن حصلت على الكثير من المكاسب بعد العدوان الثلاثي على مصر عام1956، بعد أن تواطأت معها بريطانيا، وفرنسا، واستطاعت أن تفرض شروطها في الحصول على حرية الملاحة في “خليج العقبة”، وهيأت “ميناء أيلات” للتبادل التجاري، وكونت لنفسها علاقات تجارية ضخمة مع أفريقيا، وكثير من دول الشرق الأقصى، واستراليا، بحيث أعتبر وزير خارجية إسرائيل بأن الملاحة في منطقة الخليج هي من المصالح الحيوية لإسرائيل، وإن أغلاقه وتجميده يعتبر كارثة عسكرية، وسياسية، واقتصادية، الأمر الذي لا يمكن لإسرائيل السكوت عنه(3).

الموقف العسكري العراقي العام .
لم تكن مشاركة القوات العراقية كبيرة في حرب 1967، كون الحرب كانت خاطفة وسريعة وجاءت في ظروف داخلية غير مستقرة بسبب تطور الأحداث في شمال العراق، كما أنها جاءت في ظل غياب التخطيط العسكري المشترك المسبق بين الجيوش العربية، وخاصة دول المواجهة مع اسرائيل والتي كان يجب عليها أن تدعم وتسند من بقية الدول العربية الأخرى، سواءً بالمال، أو المتطوعين، أو الاسلحة، والأعتدة، بالإضافة الى الدعم السياسي في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وكأن العرب قد رضوا بما تم الاتفاق عليه في عام1949عندما تم الموافقة على الهدنة مع العدو الصهيوني، بحيث لم تتوافق الدول العربية على أي عمل عسكري، أو على أي إجراءات ميدانية لاسترجاع الأراضي الفلسطينية منذ ذلك التاريخ الى أن بدأت الحرب في حزيران عام1967، وهذا يعني غياب أي خطة مشتركة للعمل السياسي والعسكري، مما جعل العدو يحاول الاستفراد بالدول العربية كما حصل في حرب عام1956والعدوان الثلاثي على مصر، أو عندما بدء يهدد سوريا ويحشد قواته على الجبهة الشمالية في استهانة واضحة للدول العربية.
على ضوء تطور الموقف على الجبهة السورية، طلبت الحكومة السورية بتاريخ24 اذار 1967اشراك قطعات عراقية مؤلفه من(2)لواء مشاة، مع كتيبة دبابات، وكتيبة قوات خاصة للعمل مع القطعات السورية، حيث تم حشد هذه القوات في منطقة “الحبانية” تمهيدا لنقلها الى سوريا، ولكن تطور الأحداث غير واجب هذه القوة خصوصاً بعد زيارة “رئيس اركان الجيش الاردني” الى بغداد، واجتماعه مع المسؤولين العراقيين في وزارة الدفاع، حيث طلب من القيادات العراقية اشراك قطعات عسكرية برية، وجوية، تقدر بحدود لواء مشاة، ولواء مدرع، وسربي طائرات مقاتلة قاذفة، وقد تمت الموافقة على الطلب الأردني وعدلت الخطة باشتراك الجيش العراقي وجعل عمله على جبهة الأردن كأسبقية أولى بدلاً من سوريا، وفعلاً صدرت الأوامر بحركة هذه القوات فوراً وفق جدول تنقل وضع لهذا الغرض، حيث وصلت القطعات العراقية مدينة “المفرق” في الاردن يوم 4حزيران /يونيو1967، علماً بأن هناك سربان من الطائرات المقاتلات القاذفة نوع “هوكر هنتر” وسرب من متصديات الدفاع الجوي “ميج 21” تم تحريكها في أواخر شهر أيار/مايس لتستقر في “قاعدة الوليد الجوية (H3)” غرب العراق(4).

مخاوف إسرائيل من مشاركة الجيش العراقي:
إن اسرائيل كانت تخشى من وصول القوات العراقية لدعم القوات الأردنية، أو مشاركتها بصورة منفصلة عنها، كونها تعتبر “الجبهة الشرقية” هي المحور الأخطر على الأمن القومي الاسرائيلي، الذي يمكن أن يشطر الأراضي التي سيطرت عليها اسرائيل لشطرين بوصولها الى البحر المتوسط، لقصر المسافة، وقلة العمق الاستراتيجي الاسرائيلي، لذا فهي حريصة على خوض الحرب وأنهائها قبل وصول القوات العراقية الى الأردن، أو وصولها الى فلسطين للمشاركة بصورة مباشرة، الأمر الذي يمكن أن يغير مجريات الأحداث وموازين القوى، لذا فهي تحسب بدقة خطورة هذا المحور.

الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية في حرب1967:
لقد أسست اسرائيل دولتها على القوة، وغرست الروح العسكرية في نفوس أبنائها لتبني شباب متعصب لا يؤمن ألا بالقوة والحرب، لتظهر أمام العرب بمظهر القوة، والمنعة، والتفوق على العرب في جميع المجالات، لتحافظ على كيانها الضعيف، وترفع من معنويات شعبها الذي أصطدم بتحدي القوة العربية رغم ضعف الإمكانيات والقدرات العسكرية، لذا فهي لديها نظرية أمن خاصة بها، تقوم على الاستفادة من أساليب الحرب الأمريكية في فيتنام، ومن حرب عام1948، وخبرات حرب عام1956، حيث تتلخص الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية في ما يلي:
الاعتماد على القوات الاسرائيلية في مواجهة التحديات، وخوض الحروب، وترتيب قواتها وتسليحها بما يخدم المصالح الإسرائيلية وأهدافها السوقية، مع مراعاة قلة القوة البشرية، التي يجب أن تجهز بقدرات عسكرية وتقنية متفوقة لتلافي ذلك.
اعتماد استراتيجية الحرب الاستباقية الخاطفة والسريعة، كون الحرب الطويلة لا تخدم المصالح الصهيونية عسكرياً واقتصادياً، لذا فهي تركز على أخذ المبادأة بالضربة الأولى، لتحقيق المباغتة بما يضمن توظفيها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية التي ترجوها من الحرب، قبل أن يتم تدخل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، لفرض وقف أطلاق النار، وتثبيت الموقف لصالحهم بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا، وفرنسا.
العمل على تحقيق مبدأ المباغتة والمبادأة التي تعتبر من أهم مبادئ الحرب، بحيث تكون الضربة الأولى لصالح قواتهم العسكرية، والتي يجب أن تكون متفوقة من ناحية القدرات العسكرية، والتدريبية، والفنية، لتعويض النقص العددي في القوات الإسرائيلية.
تحقيق التفوق العسكري في جميع الصنوف، وخاصة التفوق الجوي للسيطرة على سماء المعركة، والعمل على تحييد القوة الجوية المعادية، مما يكسبها قدرات عسكرية كبيرة تمكنها من تدمير القوات البرية المعادية، وتقديم الدعم والأسناد الجوي القريب لقواتها على الأرض، بما فيها تأمين مظلة جوية لحماية أراضيها.
استخدام استراتيجية غير مباشرة في الوصول الى الأهداف الرئيسية، من خلال تجنب المواجهة المباشرة من خلال المناورة على جبهة واسعة، مستفيدة من وفرة القوات المدرعة والألية بالخرق، والتطويق، والالتفاف، لتقليل الخسائر، وجر العدو لموقف في غير صالحه، وذلك بتهيئة مسرح عمليات مخطط له من قبل الصهاينة.
الإلمام الدقيق بطوبوغرافية الأرض، ومعرفة تفاصيل مسرح العمليات على الأرض بدقة، من خلال تجهيز الخرائط اللازمة للمعركة، والعمل على كشف المواقع الدفاعية من خلال هجمات الجس، والاستطلاع بالقوة، لتدميرها بالقوة الجوية الصهيونية.
السيطرة على أراضي الدول العربية المواجهة للكيان الصهيوني(مصر، الأردن، سوريا، لبنان)ودفعهم للتفكير والتخطيط على استرداد أرضيهم التي سيطر عليها الكيان الصهيوني، بدل المطالبة بتحرير الأراضي الفلسطينية، وهذا ما لم يكن في الحسبان بالنسبة لدول المواجهة، التي تراخت، وقبلت بالهدنة، والتفريط بالأراضي الفلسطينية منذ حرب عام1948والسكوت عليها طوال هذه الفترة.

المراجع:
كتاب: الأيام الحاسمة قبل معركة المصير، اللواء الركن محمود شيت خطاب، وزارة الثقافة والارشاد بغداد 1967، طبع بمطابع دار الجمهورية.
كتاب: شاهد على حرب1967، الفريق صلاح الدين الحديدي، مطابع الاهرام التجارية، رقم الايداع بدار الكتب3429/1974، دار الشروق.
كتاب: الأيام الحاسمة قبل معركة المصير، اللواء الركن محمود شيت خطاب، وزارة الثقافة والارشاد بغداد 1967، طبع بمطابع دار الجمهورية.
نفس المصدر السابق.