أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

نظرة نقدية لواقع السكك الحديدية في العراق 1914 – 1918م:
اهتمت بريطانيا إبان احتلالها العراق بتأسيس شبكة واسعة من خطوط السكك الحديدية التي غطت مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، ويذكر أحمد خضير السامرائي في مؤلفه الموسوم (دراسة موجزة حول سكك حديد العراق/ ص11) أن مجموع طول خطوط السكك الحديدية في العراق حتى عام 1920م، كانت حوالي (1653,6) كم حيث امتدت هذه الخطوط من الشرقاط شمالا حتى ميناء البصرة جنوبا، ومن بغداد باتجاه الشرق إلى خانقين، فضلا عن خطوط فرعية كان يتم انشاؤها وفق ما تقتضيه مصلحة قوات الاحتلال البريطاني، وفي الحقيقة لم يكن الهدف من انجازها سوى تحقيق أهداف عسكرية بحته، وهذا ما أكده أرنولد ويلسون (وكيل الحاكم الملكي البريطاني العام في العراق)، قائلا: “إن الهدف من انشائها لم يكن لغرض استعمالها بصورة دائمة أو لتحقيق أهداف اقتصادية تجارية بل كان جل قصدها نقل الجيوش والعتاد والمهمات الحربية لتسهيل الحركات العسكرية إبان الحرب العالمية”. وهذا ما حدث فعلا عندما أقدمت سلطات الاحتلال البريطاني على رفع معظم الخطوط الفرعية، فهذا (ستيفن همسلي لونكريك) يذكر في كتابه (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر خياط/ ص 172) بأن جميع خطوط السكك الحديدية قد تم قلعها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى باستثناء خط سكك الحديد بين مدينتي البصرة والناصرية. ومن الجدير بالذكر أن خطوط سكك الحديد التي أنشأتها بريطانيا خلال الحرب العالمية الاولى لم يكن لها أي دور اقتصادي بالنسبة للمجتمع العراقي، بل على العكس، إذ لا تخفى الآثار الاقتصادية السلبية التي خلقتها مد مثل هذه الخطوط على السكان، فقد أدت إلى الإضرار بالإنتاج الزراعي بسبب الاعتماد الكبير على استخدام الفلاحين عمال في عملية مد السكك والتي أدت إلى تدمير وإتلاف الكثير من الأراضي والمحاصيل الزراعية.
وعلى ما يبدو أن الحاجة العسكرية الملحة لمد هكذا خطوط أثر على طبيعة ونوعية المشاريع المنجزة، والتي يمكن تلخيصها كالاتي:
– التباين الحاد في مقاييس خطوط السكك الحديدية:
استخدمت قوات الاحتلال البريطاني النظام المتري في إنجاز معظم الخطوط التي تم إنشاؤها في العراق، وحاولت سلطات الاحتلال تقديم تبريرات مختلفة لعدم استخدامها (النظام العريض) في إنشاء هذه الخطوط، ولعل ابرزها ارتفاع تكاليف وصعوبة الحصول على المواد الإنشائية وغيرها من التبريرات، ومما يلحظ أن تصميم هذه الخطوط جاء مخالفا للأنظمة الشائعة في أوربا – النظام العريض – الذي شيدت ألمانيا نموذجا له بين بغداد وسامراء، الأمر الذي أثّر على عملية شحن البضائع، فكان لابد من حويل البضائع المشحونة من الشمال بالقطار إلى الخط الثاني في بغداد تمهيدا لنقلها إلى البصرة، في الوقت الذي استخدمت عبّارة خاصة لحمل البضائع من شرق بغداد إلى غربها عبر نهر دجلة، والذي أدى في النهاية إلى تأخر عمليات الشحن، علاوة على تعرض بعض البضائع إلى التلف والضرر.
فضلا عن ذلك لم تكن هذه الخطوط من النوع الجيد والجديد، فقد قامت بريطانيا بقلع بعض خطوط سكك الحديد التي تربط بين المدن الهندية ومن ثم استخدمها لإنجاز عدد من سكك الحديد بين المدن العراقية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداها إلى القاطرات التي وصفت بانها عبارة عن مجموعة غير متجانسة من العربات القديمة والمستعملة جلبت من سكك حديد الهند، الأمر الذي احدث الكثير من المشاكل عند تشغيلها في العراق، فعلى سبيل المثال، غدا جنوح القطار عن السكك في الأيام الممطرة واختفاء الخطوط بين الطين من الظواهر المألوفة، ولم يعد بإمكان هذه القاطرات السير بالسرعة الاعتيادية البالغة (60) ميلا في الساعة.

أدى عزف القائمين على إنشاء هذه الخطوط بفعل عامل السرعة على إجراء المسح الجيولوجي للتربة العراقية والتعرف على تراكيبها إلى حدوث تخسفات ومطبات في أكثر الخطوط، مما تطلبت الصيانة المستمرة، وتعطل النقل على هذه الخطوط بين فترة وأخرى، فقد كانت خطوط السكك الحديدية دائمة التعرض لهجمات العشائر العراقية القاطنة على طول هذه الخطوط، وكمثال على ذلك تعرض خط سكة حديد الواصل بين منطقة الخر والمحمودية إلى هجمات رعاة الماشية. في حين فضلت سلطات الاحتلال البريطانية استخدم الطريق المائي الذي يصل بين بغداد والبصرة على استخدام خط سكة حديد بغداد – البصرة بسبب تعرض بعض المناطق في هذا الخط الحديدي إلى هجمات العشائر المستمر له.

ولضمان المحافظة على الأمن ولحماية خطوط السكك الحديدية لجأت سلطات الاحتلال البريطاني إلى تقريب بعض شيوخ قبائل، حيث أكد لهم المسؤولون البريطانيون أن أية امتيازات تقدم إليهم انما ترتبط “بسلوكهم الحسن” ودرجة التعاون بينهم وبين الحكام السياسيين ومدى نجاحهم في تهدئة قبائلهم، هذا حسب وصف المس بيل في مؤلفه (فصول من تاريخ العراق القريب/ ص76).
أما بالنسبة إلى محطات سكك الحديد فقد اكتنفتها سلبيات لعل أبرزها، طبيعة بنائها الذي لم يتجاوز الأكواخ المبنية من القصب أو الطين، في الوقت الذي اختارت معظم أماكن هذه المحطات في مناطق بعيدة عن مراكز التجمع السكاني للحيلولة دون تعرضها للهجمات، وقد سبب هذا الاختيار مشاكل عديدة، انعكست أثارها على النقل التجاري في العراق أو بقيت كثير من المدن العراقية المهمة وبخاصة المدن الواقعة على ضفتي نهر دجلة في المنطقة الجنوبية بعيدة عن مسارات خطوط السكك الحديد، وقد عانت هذه المدن من صعوبة نقل محاصيلها الزراعية، مفضلة الاعتماد على وسائط النقل النهرية بغية نقل المسافرين وتسويق محاصيلها الزراعية.

وختاما نقول أنه وجدنا عبر حلقات واقع مشاريع السكك الحديدية إبان فترة الاحتلال البريطاني في العراق بأن الغرض الرئيسي من إنشائها كان عسكريا، واستهدفت القوات البريطانية المحتلة من إنجازها تأمين السرعة في نقل القطعات العسكرية ومواد التموين، وحتى أن نفقات إنجازها فاقت التخصيصات المالية للميزانية، وهذا ما ذكره هنري فوستر، في مؤلفه الموسوم (تكوين العراق الحديث، ص 380)، حينما أورد ما أكدته احدى التقارير المرفوعة إلى وزارة الحربية البريطانية في أوائل عام 1919م، ومما جاء فيه: ” مما لاشك فيه أن النفقات التي صرفت خلال الحرب تتجاوزت كثيرا المبلغ الذي يمكن تخمينه للسكك الحديدية تخمينا تجاريا”.

المصادر المعتمدة:
1 – ستيفن همسلي لونكريك، أربعة قرون تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر الخياط، (بغداد، 1985م).
2 – سعيد حمادة، النظام الاقتصادي في العراق، (بيروت، 1938م).
3 – عبد الله الفياض، الثورة العراقية الكبرى1920م، (بغداد، 1963م).
4 – هنري فوستر، تكوين العراق الحديث، ترجمة عبد المسيح جويدة، الجزء الأول، (بغداد، 1986م).

مقال خاص براسام